صالح البياتي : رواية : نزف المسافات
الفصل السابع ح 2موت الأم

رواية : نزف المسافات
صالح البياتي
الفصل السابع ح 2
موت الأم
انتقل حديث امي الى أبيها..
أما جدك فكان وكيل اعماله بتجارة الحبوب، ينقلها أثناء موسم الحصاد، من الحقول مباشرة لمخزنه، في ذاك الوقت، توطت علاقة صداقة بينهما، في أحد الأيام وقعت عينا موسى الكيال على شقيقتي الصغرى أمينه، والدتك، وكانت صبية جميلة، اقل من نصف عمره بخمس سنوات، إذا افترضنا أنه كان في الأربعين، طلب يدها من جدك وتزوجها، ولكنها ماتت بعد ولادتك بحمى النفاس.
لم تمض سوى فترة قصيرة، على وفاتها حتى جاءت زوجته البغدادية.. سألتها:
“هل عقد جدي، أعني أبوك، مع موسى الكيال صفقة، وكم قبض منه! على فكرة لماذا لم ينطق لسانك باسمه ولا مرة واحدة طوال الحديث عنه.. لماذا لا تحبينه؟
“أنسيت.. لا تذكرني به، لا اعلم ان كانت بينهما صفقة.. الله اعلم..”
اعرف ان لديها الكثيرالذي تريد ان تقوله عن تلك العلاقة بين الرجلين.
حكت عن النفقة التي كان يقبضها ابوها من الكيال شهريا، ويعطيها لها لتصرفها عليَّ، لا تعلم كم كان يقبض بالضبط، استمر ذلك حتى وفاته، بعدها قام يدفعها لزوجها، وعندما قُتل الزوج في حرب الشمال، بعث الكيال من يخبرها ان تستلم النفقة من الحاج سبتي والد سيناء، أستمر الحال هكذا، حتى تخرجي من الجامعة وتعيني موظفا حكومياً، فرفضت بعدها اي مساعدة منه..
هذا السر الذي كتمته عني؛ إنكشف لي الآن..
صمتت هنيهة، ثم تنهدت وزفرت آهة حارقة، من صدرها المكلوم الذي نهشه المرض الخبيث..
” ألم أقل لك أن جدك كان ظالما، وقد عاقبه الله فهلك بالجمرة الخبيثة، خرقت جمجمته، ونزلت على مخه فأكلته، والكيال سيلاقي حتما عقابا اشد وأقسى.”
“ربما لاقاه وانتهى الأمر..”
” كيف!؟
” ربما هلك من التعب والجوع والعطش والمرض، أو انفجر به لغم أرضي، أثناء اجتيازه الحدود الى إيران.. لقد تناهي لسمعي أن عناصر الأمن المكلفين بنقلهم وخفارتهم، كانوا يرمونهم كنفايات على الحدود، ويطلقون فوق رؤوسهم وقرب أرجلهم النار، كي يهربوا بأقصى سرعة، فيتخلصوا منهم بأسرع وقت، ولكِ أن تتخيلي أن بين هؤلاء المبعدين، اطفال وشيوخ ونسوة عجائز وفيهم المرضى كبار السن.
كنت اتألم وانا اتخيلهم يركضون خائفين، يحملون امتعة قليلة، يتعثرون بأحجار الطريق، يسقطون بالحفر، أو يدوسون لغما ارضيا فينفجر بهم ويمزقهم أشلاءً.. كم هي مفارقة غريبة أن يموت الكيال ذليلاً مطروداً على الحدود.. ربما كانت آخر أمنياته أن يناديني كي اساعده.
“هل أنت حزين عليه يا نوح!؟”
” لا أدري يا أمي.. أحزنٌ هذا الذي اشعر به على مصيره البائس.. ام رثاء! لا أدري والله يا أمي، ولكن بقي لدي سؤال أخير، كان مؤجلا طوال الوقت.. ولكن لا.. لا داعي له، لم تعد له أهمية.”
“ما هو.؟ ”
” هل اختار ابي اسما لي عند ولادتي؟ ”
” نعم، أحب ان يسميك عمران على اسم ابيه، ولكني رأيت أن كل ما جرى لنا، لي ولك وللمرحومة شقيقتي، كل ما حدث قبل وبعد ولادتك، كان ضد إرادتنا، فسميتك اجباري.”
“والآن حكيت لك الحكاية كلها… دعني أنام.. اشعر بوهن شديد، وصداع ينبض في صدغي.. أشعر بالتعب وأريد أن أنام..”
قامت سيناء وقبلت أمي، وخرجنا للعشاء، بعد عودتنا جلسنا في غرفة الاستقبال نتابع آخر اخبار الحرب على التلفاز، حتى مجيء العم سبتي، جلس معنا، وأخبرنا عن حملة تسفير كبيرة طالت تجار الشورجة، لم أعلق على الخبر، أكثر من القول ان شيئا أقسى من هذا حدث لليهود في أواخر الأربعينات، أُطلق عليه آنذاك الفرهود، نهب، رافقته اعمال عنف وقتل، حرق للممتلكات وانتهاك للأعراض، والفرق بين الأثنين، استبدال ضحية بإخرى، والإختلاف الثاني، كانت الحكومة آنذاك تتفرج على أحداث الشغب التي طالت اليهود، اما الآن فالشعب هو المتفرج على حملات التسفير المنظمة، التي طالت مواطنين عراقيين.
تمنيت لهما ليلة سعيدة، قمت ودخلت غرفة امي، جلست على الاريكة، أتطلع لوجهها، أُصيخ السمع لتنفسها المتقطع، كان تارة يعلو واُخرى يخفت، أدنو منها لأتأكد أنها لم تمت، كانت تساورني افكار غريبة عن الموت، فأرى شبحه في هدأة الليل، ينتصب، جدارا أسودا بيننا، تغطيه شروخ غائرة.. كنت لا أسمع سوى صوت تنفسها الآخذ بالاضمحلال، كما أن ذكرى أبي اخذت تؤرقني مرة آخرى، فوجدت نفسي أثور على ذاك الماضي، الذي حرمني من أسم جميل في طفولتي، ومن ابوين حقيقين، وأخذ مني منير، دون أن أعرف أنه أخي، رغم أنني كنت أتساءل عن سر الشبه الكبير بيننا.
والان.. قامت الحرب ليس كما تنبا بها العراف، ولكن كما خططت لها امريكا، فكانت ضحكة مجلجلة ساخرة، اطلقها الرئيس الأمريكي لحظة اندلاعها..
علمت ان جاسم أخ هيلا، محجوز في معسكر الرشيد، فكرت ان استعين بصديقي حنا عندما يزورني، دار حديثنا عندما جاء عن الحرب، أبدى تشاؤمه وقلقه من عوقبها الوخيمة، وقال: الأمور بخواتيمها.. إغتمنت الفرصة بعد أن عرفت انه لا يؤيد الحرب، تحدثت عن المسفرين الذين يزداد عددهم كل يوم، فقال: هؤلاء ياصديقي اكباش فداء.. ضحايا النزاعات السياسية. قلت: هؤلاء عراقيون ، لا دخل لهم بهذه النزاعات، ولاؤهم لوطنهم العراق..
كان الكلام المسكوت عنه، عن دور الرئيس بهذه المأساة، على وشك ان يُقال، لكنني آثرت الصمت، طلبت منه الحصول على اذن زيارة لجاسم، وعدني انه سيلبي طلبي بأسرع وقت، استلمته كما وعدني بعد ثلاثة ايام، واعطاني في نفس الوقت ملفاً، طلب مني أن اخفيه في مكان آمن، وعندما سألته هل الشقة مكان مناسب، قال: لا.. إذا كان بإمكانك أن تجد مكانا آخر.. حذرني: إذا سألوك عن علاقتك بي، قل انا مستأجر، سلمني عقد إيجار رسمي، ودعني وذهب.
أخفيت الملف في السيارة، كنت اركنها ليلا في موقف للسيارت، أخبرت سيناء، فتوجست وخافت، طمأنتها بأنني سأجد مكانا آخر.. طلبت أن تُطلعْ أبيها، وأخبرت أمي أيضا، وفي منتصف إحدى الليالي، داهموا شقتنا، فتشوها، كسروا قفل الغرفة الصغيرة التي تخص المحامي، بعثروا محتوياتها، استجوبونا، اطَّلعوا على عقد الإيجار، وجهوا الي أسئلة كثيرة، اتصلوا من هاتف الشقة، تكلموا بلغة مشفرة، وغادروا. سألت امي:
“هل خفتِ منهم؟”
” بالعكس هم الذين خافوا مني.”
” كيف!”
” لا أدري.. ربما رأوا ملك الموت يحوم فوق رأسي فارتعبوا منه..”
كانت سيناء خائفة، ولكن العم كان صلبا وشجاعاً.. اقترح علينا الإنتقال الى المنصور، لنسكن مع قريبه، تاجر اقمشه، لديه محلين احدهما في سوق دانيال والآخر في شارع النهر، يعيش مع زوجته، وخادمة عجوز تسكن معهم، حزمنا امتعتنا القليلة وانتقلنا هناك.
ذهبت لسجن رقم واحد بمعسكر الرشيد، هناك كان جاسم محتجزا مع مجموعة كبيرة من الشبان، الذين أُبعدتْ اسرهم الى ايران، العديد منهم تخرجوا السنة من الجامعة، احضرت معي ما يحتاجه؛ أغذية معلبة، ملابس وأشياء آخرى شخصية، وجدته قويا ومتماسكا، رغم نبرة صوته التي تشي بألم يحاول اخفاؤه عني، أخبرني أنه عندما علم بتسفير أهله، فكر بالهروب، لكنه فوجئ يوما برئيس العرفاء يقرأ اسماء الجنود الذين أُبعدت اسرهم، يأمرهم بالخروج من الصف، فظن انهم يريدون ان يلحقونهم بأهلهم.
يتسائل الى متى سيبقوننا هنا.. حتى تنتهي الحرب؟
اعتصر قلبي الألم، فهذي الـ متى لم تكن للسؤال عن المدة والانتظار، إنما كانت شيء آخر، يدل على اليأس والإحباط والقهر. عن الضياع .. حكى لي أشياء لا تصدق سمعها في مركز الإحتجاز.. عن أم توسلت بهم باكية، كي يسمحوا لها ان تعيد ابنتها من المدرسة، لكنهم رفضوا، حتى الملابس كانت تبقى على حبال الغسيل، تدل على ان ثمة إقتلاع كالإعصاراجتث الناس من دون رحمة.
رأيت إثناء حديثه أحد الشبان المحتجزين، بالبيجاما، أشار اليه جاسم: هذا من مدينة الكوت، يخرج وقت الزيارة، ويظل يدور ويلف، ينتظر احدا يأتي لزيارته، عندما ييأس يرفع رأسه وينظر طويلا للسماء، اعتقد أنه فقد عقله..
أُعلن عن انتهاء الزيارة بمكبرات الصوت، تفحص الحارس عند خروجنا، الختم الأحمر، المطبوع على باطن الرسغ الأيسر، الذي ختمه عند الدخول.
تدهورت صحتة امي بشكل خطير، في حين ازدادت الحرب قوة وشراسة، ايقنت أن أيامها باتت معدودات، لذلك لم اخبرها عن جاسم لئلا ازيد من عذابها.
كانت إمراة قل نظيرها، تحدت السرطان بصبر عجيب، كرهت الجزع واليأس، لأنهما برأيها ضعف لا يليق بامرأة مؤمنة، لكن البكاء في نظرها كان شيئا مقدسا، عاطفة نبيلة، يخفف الكرب، المكبوت في أعماق النفس، ثم ينسرب تلقائيا بهدوء في قنوات الدموع، بعد ان يؤدي وظيفته على اكمل وجه.
كانت الأيام الأخيره التي عشتها معها، دروسا مفيدة لي، في ضبط النفس، ونيل السلام الداخلي، علمتني في فترة وجيزة، الشيء الكثير، الذي لا يتوفر للمرء أن يتعلمه، حتى لو دأب على ذلك سنوات طويلة، كانت تقول أن الحياة مدرسة مفتوحة، ما ان تلتحق بها في اي وقت، حتى تجد نفسك مثابرا على التعلم، ما دمت حيا وجادا، قد تنسى احيانا الدرس القديم، ولكن تبقى فائدته موجودة في الدرس الجديد، وهكذا تتابع تعليمك درسا يتلوه درس، دون هوادة .. حتى الدرس الأخير، الموت، فإذا لم تستوعب الدروس السابقة، ستجد نفسك أمام فراغ هائل، هوة سحيقة.. قد لا تتيح لك سنوات عمرك، خارج أسوار هذه المدرسة، إلا فرص قليلة، متناثرة، تتعلم فيها الشي الضئيل..
تعلمت منها ان الأنسان يتراخى، عندما تجذبه الحياة وتغريه، فيغفل عن عدوه الذي يلاحقه، حتى يرديه في النهاية.
استحوذ الموت على تفكيري، حتى انني اعتقدت ان العالم حولي يموت، عندما اغمض عيني.
كانت امي تريد ان تستقبله، كما يُستقبل الحبيب الذي طال غيابه، كانت كلما شعرت بدنو اجلها، او بعد ان تفيق من غيبوبة غشتها، تحاول ان ترفع نفسها على يديها لتنهض، لكن جهدها المتلاشي يحبط محاولتها، شعرت انها لا تريد ان تموت مستلقية على ظهرها، تخيلتها لو استطاعت الوقوف، لفتحت ذراعيها كالشراع للريح، تحتضن الموت وتبحر معه، الى عالمه المكتنف بالضباب والظلام.. هل كانت فعلا تريد ذلك، ام انها كانت تريد ان تقف امامه وجها لوجه، تدفعه عنها بكل ما تبقى من قوتها!
هذا التساؤل لا يزال يحيرني..
ماتت لا كما يموت البعض، وهم يصارعونه، فينتزع الموت ارواحهم إنتزاعا، إنطفأت كشمعة ضامرة بهزة خفيفة، حتى من دون نفخة هواء ضعيفة..
لك الحمد أيها الاله الرحيم، لك الحمد لأنك بلمح البصر مسحت كل آلامها مرة واحدة والى الأبد..
اشتهت الرمان في ليلتها الأخيرة، احضرته لها عند العشاء، وضعته في صحن على منضدة صغيرة امامها، كنت اريد ان أقطع واحدة لها، لكنها أخذت السكين من يدي وقطعتها، قمت بتفريطها الى حبات، اكلتْ منها واكلنا.. كانت تمازح سيناء وهي تلتهم حبات الرمان بشهية:
” من بين كل أنواع الفاكهة احب الرمان، واحببت كل الناس، ولكن حب ابني نوح شيء آخر..”
عندما استفسرت سيناء عن المقصود بالشيء الاخر، قلت انها تعني حبا غير مشروط. كانت سيناء تحب امي بنفس هذه الروح الطيبة، أحبت في ساعة الوداع الأخيرة، ان تسألها عن مكانها في قلب المرأة الكبير. نظرت مليا الينا:
“مكانك في قلبي، هو نفس مكان ابني نوح .”
بهذه الكلمات الأخيرة؛ عبرت عن حبها النقي لسيناء، لم تقو بعدها على الكلام، بقيت صامته تحملق بسقف الغرفة، كأنها ترى من خلاله سماء مرصعة بالنجوم، وليلا مكتنفا بالغموض والأسرار.
قبيل الفجر غابت عن الوعي، كانت سيناء طوال ساعات الليل راكعة عند السرير، تقرأ سورة ياسين بنبرة حزينة، تخنقها العبرات، وكان العم سبتي وانا نقف عند قدميها، ومن نافذة الغرفة المطلة على الحديقة الخلفية، لاح ضوء الفجر، اكتسحت خيوطة عتمة آخر الليل، وانزاح الظلام ببطء عن رؤوس الأشجار المرتفعة في حديقة البيت.
لفظت أنفاسها الأخيرة، بعيداً عن الناس الذين احبتهم وأحبوها، عن البيت الذي حمل أسمها، بيت أم نوح القديم، عن البلدة التي ولدت وترعرعت فيها، واكبت نموها حتى أصبحت مدينة من مدن الجنوب العامرة. فتركت في قلبي لظى جمرة لن تنطفئ أبداً، كنا نحن الثلاثة الشهود على وفاة أمرأه نادرة، من آخر جيل من النساء، اللاتي اغدقت عليهن الحياة بكل ما تختزن من قسوة وعذاب، وستضيف الى الجيل الذي بعده مآس جديدة مع هذه الحرب الدائرة الآن..
توفيت أمي في أوائل الشتاء، أقبل تلك السنة مبكراً، بغيوم رمادية، زخات مطر وموجة برد قارس، كأنها صفعات لاسعة على الوجوه، حل اول عيد أضحى، بينما كان القتال يشتد ويمتد من الجبل الى البحر، ومن الأرض الى السماء، ومع استمرار الحرب، كان عمود الحزن الاسود، يرتفع مثل جبل عال يوما بعد يوم، فانتشرت اللافتات القماشية السوداء، في كل المدن، على جدران المنازل والأسواق، والكنائس، والمساجد والحسينات، ستغطي مع استمرار الحرب، كل مكان تقع عليه الأعين، رايات تعلن انتصار الموت بجدارة على الحياة..
بكت سيناء، حزنت كما تحزن أبنة على أمها.. وبكى الحاج متأثرا على ابنته التي استبدلت ثياب الفرح بالحداد، ودعتهما بابتسامة حزينة، لأعود لمدينتي، كي أقيم مأتمها، وعدتها بالعودة بدون تأخير، وقلت سأتصل من هناك..
شعرت بانسحاق، عندما قلت هناك..
هناك تعني صحراء شاسعة من الحزن .. ارحمني يا إلهي. فانت تعلم كم نزفت روحي، بين جحيم المسافات..
يتبع

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *