د. سمير الخليل : اللغة المبأرة بالمفارقة الساخرة في أعمال سلمان داود محمد الشعرية (ملف/36)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

اللغة المبأرة بالمفارقة الساخرة
في أعمال سلمان داود محمد الشعرية …
د. سمير الخليل

إذا كانت أهمية التجربة الشعرية نابعة من قدرتها على الكشف عن العمق النفسي والإجتماعي والحضاري للنص وكان ذلك ما يشي بالقيمة الفكرية والشعورية لتلك التجربة، فإن توكيد هذه الأبعاد لا يتم إلا بمعرفة الوسائل الفنية التي ترفد تلك القيمة الفكرية بقيم أخرى جمالية. تَجربة سلمان داود محمد الشعرية تكشف لنا عن جدلية الصراع المحتوم في الذات بين العالم الداخلي والعالم الخارجي.
يقول الشاعر: ” لأن حياتنا العراقية متشظية منذ وقت ليس بالقصير ولا أدري إلى أي مدى ستبقى على حال كهذا، ارتأيت ومن باب الإعتداد المزمن بالتماسك وإبطال مفعول هذه الفعلة (التشظي) أن انهمك في لم شمل الأعمال الشعرية”. وانطلاقاً من مقولته “إن النص الشعري القرين المتناغم هو الإمتزاج مع نبض الحياة”. نجد الشاعر سلمان داود محمد قد اتخذ من (النص الشعري) وعاءً يصب فيه مشاعره الصادرة من أعماق مصطرعة عاشت مرارة الحياة وآلامها نتيجة الفقر والحرمان والحروب. وكثيراً ما يضع المبدع عنواناً لقصيدته من قيمة تحملها القصيدة ذاتها، أو من مفصل تعبيري مجتزأ منها، ولكن أكثر العناوين صعوبة تلك التي تنطوي على الإبهام والترميز، وفي هذه الحالة يصبح العنوان لغزاً أو شفرة تحتاج إلى مفاتيح للحل، وهذا ما عمد إليه شاعرنا في أعماله الشعرية (غيوم أرضية، علامتي الفارقة، ازدهارات المفعول به) فمن غير المعقول أن يهدي الشاعر مفاتيح منجزه هبة للقارئ يكشف أسراره بدون عناء. هنا تكمن أهمية (النص) في العنوان، وبآصرة العلاقة بينهما، تفصح جدلية الإنتماء عن نفسها بالذي يجمعهما ويعبران عنه دائماً في الروح والهوية. وبعد أن لامسنا مفاتيح منجزة أي الشاعر أدخلنا التأويل كاشفاً لنا عد عالمه الخطير مجسداً يصور شعرية يقول:

انتهك الخطى بالرفوف
ليفقد الجسر غنائمه
فلا جدوى من عرس المسودات
سوى متن أعرج..
منذ ثلاثين دسيسة
وشبهاتي لم تبلغ سن الرشد
ألف ظلام مر
ولم يستنشق عباد الشمس
أنوثة البصيص

فالصورة الشعرية النابعة عن قدرته الغنية في تشكيل جملة وخياله المنبعث من واقعه (المرير) الذي استمر (ثلاثين دسيسة) كانت شاهداً على جمالية نصّه. وهنا تبرز دور الكلمة الشعرية (اللغة)، فيتضح لنا إن عدداً من الشعراء المحدثين و (سلمان داود) واحد منهم ابتعدوا عن اللغة (اليومية) “لغة الحديث الحية” بعداً يكفي لمنع مفرداتها ودلالات مغايرة مما تحمله في الإستعمال الشائع وهذه ميزة بارزة في لغة الشعر الحديث فهي لغة تستأنس بقدر معلوم من الغموض. وقد وظف الشاعر (الرمز) في قصائده ليعبر عنه بما ينسجم ومشروعه الشعري ويبلغ بمنجزه الرشاد من دون تكلف أو اصطناع توظيفاً يثير الإيهام والشك معاً، يقول:

بقليل من الغزاة
أو بنطفة من صيام يلقّح الفصول
أصنع ((نغلاً)) يتقن الصيدلة
ويذود عن ((الحصبة)) بأحمر الشفاه
النعجة مقياسي في جرد، الأنا- ناس
رؤوس تؤمن بالإيجاب
وعجيزات تشير إلى العكس على أية حال..
كنت شريفاً بالسخرة
انسج من فقراتي القطينة سروالاً لعصا
وأغربل الدموع لأجني الحدقات..

أبدع الشاعر في مفارقته اللغوية وهو يستثمر مترادفات لغوية ليحولها دهشة جميلة في تصوير هذه المشاهد المؤلمة حيث أصبحت “النعجة مقياساً في جرد الأنا- ناس” فالمفارقة الشعرية واضحة وفريدة لأنها موصلة بين حسية الوصف التصويري الهائل الجمال والدقة فهو أشبه ما يكون بمشهد شعري ساخر ولاذع النقد، وفي قوله:

الوطن يجوع أيضاً
لذلك اخترعوا الشهداء..

آمنت الغابات
بفأس أعمى
فتوهج
في كوخ الحطاب
نبني فاشل …

ما من بحر يبصق الإلتباس
لذا نزعت
شياطين براءاتي..

لما زنت الشمس
استيقظت الأشياء بلا ظل
صار الناس
ذنوباً زاهيةً
والدنيا
آلهة
عمياء..

إن النص يكشف لنا عن حالة من المفارقة الرمزية المدهشة والصادمة بجديتها وطرافتها في إحساس مصطرع ولده الفقر والحرمان فـ (الوطن يجوع) كما ورد في النص حاملاً إحساساً بالحالة الجمعية التي تسكن ذات شاعر، وبذلك نستطيع أن ندرك الصلة بين مدلولات لا صلة بها في واقع الأمر فـ (الوطن يجوع، آمنت الغابات، فأس أعمى، وهج، بحر يبصق، زنت الشمس، استيقظت الأشياء…) وبذلك يكون الشاعر قد أعاد للكلام فعاليته الرمزية الإيحائية وقدراته التعبيرية من خلال فعل (الإنزياح) ونقل النسق اللغوي من السائد والمألوف إلى الغرائبي والإدهاشي، ذلك حين تتمركز البنى الإنزياحية بتفعيل شبكة المكونات الداخلية للهيكل الكلي للنص وعلاقتها المشعة داخل الجمل الشعرية بترابط عمل الذاكرة مع المخيلة في انتاج الدلالة، وقوله:

بمسمارٍ أحدب
أثبت الدمعة في مهابة الوثن
وأسدد نحو غيوم راكدة
ضفادع من صفيح
سأقول
الحرب أختي
بكسرة من شمس يتعشى ظلامي
على مرأى من قفص جائع أدخن الهديل..
سأعد الناس
1 2 3 4 5 6 7 8 9…
وهلم سحلاً
سأحب الأعداء كثيراً
لأنهم لفتوا الانتباه إلى
خطورة
الأتربة…

بقدرة فنان استطاع الشاعر أن يجعل نصه مفتوحاً على مستويات متعددة الدلالات؛ وذلك لأنه فارق المألوف الشائع، فهو يغادر منطقة القول الشعري إلى تفعيل الأثر في الفعل الشعري في تركيب علاقات الأشياء والموجودات وتموضعها في البنى الحسية والتصورية التي تغطي معظم مواقع نصوصه. امتازت نصوص (سلمان داود محمد) باشتغالها على النسق اللغوي المدهش والنزعة السردية والأبعاد الرمزية التي تجعل الدلالة حافة متشظية المعاني، ففي قوله:
في (مزاد الأمل)
رأيت أمي تبيع التجاعيد مع الستائر
وأبي يستدرج (البيضة) بالأثاث
ثمة ساعات تتلعثم،
شمعدانات مفعمة بهمس قديم
ورجل يهذي:
منذ متى كان الجمال بلا ذويه …
فحركة الكائنات تتظافر في أعمالها اليومية مع جدلية وعي الشاعر والعالم والأشياء لتقوم ببنية المعنى وتشكيل غرائبيته وعمقه في وصف وقائع الحياة التي مر بها الشاعر، أما عنصرا الزمان والمكان فقد يتداخلان في الوعي الشعري، ليشكلا الأبنية الواقعة والحادثة الشعرية، فالمعاني المتولدة من الصور الشعرية مستوحاة من ذاكرة الشاعر الخصبة ومخيلته الواسعة. إن التكرار في شعر سلمان داود محمد لم يأت لسد نقص في الكتل الصوتية للسيطرة الشعرية، وإنما لإنضاج التجربة الشعرية وتكثيف أبعادها، فقوله:
لن أموت
فلا تقلقني
قد أصطاد رؤوس الفجل بربطة عنق
قد اضحك من صلة الغباء السمين بالياسمين..
قد أعري كبتي في وضح النقود..
قد أنفق اصفرار الوجوه على المرايا..
قد أتوب عن مزاولة المطر، رأفة بقميص وحيدٍ..
قد أفرك الضمائر بالقنافد وأطلق البالون..
قد أتجنب الليل بفانوس سيباع..
قد اسهو قليلاً عن وسامتي ليفهمني الرصيف..
قد أتسلسل أولاً في بلاط الضحايا وأغيب عن البيت
ففي مثل هذا النص المدهش الثري بالمفارقات الساخرة والألم المحض والكثرة من الدلالات الرمزية التي يحملها (اللفظ) بإيضاح مقصود، فضلاً عما يحمله من دلالات ورموز وايحاءات فـ (قد) حرف مملوء بالأمل والضياء والإشراقة المستقبلية أصطنعه الشاعر وبأسلوبه الخاص (التكرار) فجعله وسيلة خلاصه وخلاص عالمه من هذا الدمار.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *