عبدالله شبلي : رشا فاروق بين وصال القصيدة ووجع فراق الاغتراب

رشا فاروق بين وصال القصيدة ووجع فراق الاغتراب  .

لا أحد يشتاق إلى فؤاده سواك   ، تلك إذن دعوة إلى مناجاة الخيبة ، يسدل الصبر المندى بدين الخاشعين على  الحنين أثوابا من الضراعة والتبتل و السكينة ، هو تيه في الحلم وتوار وراء الوحدة ، هو تماه مع الغياب وتواز مع تعدد الخيبات وتأجيل اللقاء ، وانتظار الوصال على عتبات الحوارات الداخلية التي تمني النفس الصابرة على أشواك الفراق ، الثاوية في لظى الانتظار الأثير ، الذي عساه يحمل أريج المسك  ترياقا ، عناقا ووفاقا. 

حينما يغفل الناس ويتناوم الكسالى و يتشاخر السدج من الناس والمسطحون في صباحات غفوة وغفلة ، تطاردك صيحات الاغتراب تكدر صفو تغريد عصافير الفجر ، تزداد قهوة الصباح سوادا ويفارقها بياض السكر ، فتتعتق تعتق خمر عربي ، تزداد مرارة فتأبى معانقة الشفاه العطشى لكلمة ” مرحبا سيدتي صباح الورد والكرز ” . ثم يحترق الشوق أمام ناظريك حرفاً حرفاً  ، فتسقط شين الشهوة والشهية فتستبدل شجنا ، تموت واو الورد والود وتستحيل وجعا ووهنا ، أما القاف آخر عناقيد الكلمة التي هي قوت الحب وقلب المحب العامر عناقا وعمقا و ودا فتصير قدرا عصيبا سمته الهجر والبعد والأرق. 

لم سيدتي تستبعد اللقيا والبسمة والورود ، فتستبدل بقطرات ملح دامعة تحفر أخاديد على الخدود المملوءة إخلاصاً ووفاء ونقاء ؟

القلب يرتعش ، يتثاقل نبض ايقاعه العامر حبا ، فيستدعيه الموت على عجل بعد أن يدب في نياطه خدر القهر ووجع البعد والهجر الذي سكن أوصال الشاعرة ، بل وأقسم بأغلظ الإيمان ألا يبرحها ، وألا يفارق تجاويف رأسها العامر حرفا مغرما و قريضا ملهما وحبا متيما.

هي الخيبات نبتت في القلوب قبل الحروف ، ثم تناسلت لتحكيها العصافير ، على غير العادة ، تلك التي كانت أيام الوصال تغرد وجدا شافيا وصبا ناميا وحرفا غافيا على وسائد محشوة غزلا وسحائب منداة بخمر العناق.  

لا ، لا ، طبعا لن يتراقص محراب الحب للعشاق ، ولن يهتف مريدو معبدك عاليا ” يسمو الحب ويتناسل ” فملامح ظلك استبدلت ، والشجرة الباسقة ما عادت جذورها تمتص رحيق المدام المختوم ولها وغنجا ، لقد جف ماء الوصال وأنهار الحكايات الجميلة المطرزة بهمسات عشقه ما عادت ترويها ، وأمطار الصباح التي تتولد من غيمات العبور اليتيمة ما عادت تنير بروقها ، فكيف لهذا القدر العاتي أن يستبدل بضربة حظ بورقة يناصيب تشطب تاريخا منسوجا على مهل كله كمد ومعاناة حب وهجر وغربة وغيمة حالكة تتبع أخرى أشد حلكة ؟

 

هو وحده سيدتي المتنفس والملاذ المشتهى ، قريض يرفعك يسمو بك في غنج آسر ، في حب سرمدي لا يخون ، يسكن القلب و الضلوع قبل أن يسود الأوراق ويطبعها بطابع الخلود والوفاء المحض والود النقي. 

 

فهنيئاً لك المقام بين أحضان الحروف ، وطاب لك وصال القصيدة ، وعناق الروي ، وحلاوة ثغر الضاد ومدام ريقه المصفى. 

 

**************** 

بين الحلم وأنت  . / بقلم رشا فاروق

اشتقت لفؤادي 

فاعتنقتْ أناي

دعوته إلى فناء خيبتي 

اناجيه في كسر الإياب 

هجوت الضوء 

راح يسامرني 

ويزيل عن هيئته العبوس..

 

يغطي صبري المسكون بالبرد 

بأثواب الحنين 

يروي جفاف النبض 

من صوت الفراغ 

فى الحلم 

كنت  تائهة

تواريت وحدي 

خلف أصابع حيرتي 

بت أسرع من لهفتي 

لهثت خلفي كعقارب الساعة

 وتعانقنا كالظباء

 

 

بُعَيدَ بزوغ الخيط الأبيض 

 فوق ظلي خطوة 

وثبْتْ على جسد المسافة  

سجدت على رمال الوقت 

كي استريح 

قذفني السراب 

على تخوم اليقظة 

بعد تلاشي الحلم

كموجةٍ تتكئ 

على موجة خذلتها الريح 

 

تطاردني صيحات الاغتراب 

فى غفلة الصباح

ليتبع الفجر ضجيج صمتي

سقطت من جوف عيني 

دمعة ملح تحرق شوق الغياب

 وأنت 

تسري على مرأى القلب المرتعش

تطفئ النبض  بالخدر الآسن  

يحملني الضياع على صدر الجوى 

يائسة أستدرج موتي 

بحبال حلم بريء 

علقت قلبي

فوشت بي عصافير البستان 

تغرد خيباتي 

 

لن يرقص مخدع الحب

للعشق ..

لفراشةٍ جذلى واللهفة نارٌ  

لن يرقص لمصيرٍ 

يلقي شباكهُ بأحكام 

مازلت أرقبُ ملامح ظلي تتغير 

كيتيمة منزوعة الوجه 

 أو كشجرة باسقةٍ 

نُزعت من أرضها 

في موسم اخضرارها

وذكريات لحائها جروحٌ 

لم تندمل .

 

عبدالله شبلي استاذ اللغة العربية كلميم المغرب

 

شاهد أيضاً

أضواء على أدب ال facebook
ألحلقة التاسعة ألبساطة منهجاً وموضوعاً
الشاعر نامق سلطان أنموذجاً
ليث الصندوق

بودّي أن أنصح القاريء ألا يطمئنّ لهذا الشاعر ، فهو سيستدرجه من حيث لا يدري …

د.جودت هوشيار: من أين جاءت مقولة “كلنا خرجنا من معطف غوغول”

” كلنا خرجنا من معطف غوغول ” من أشهر المقولات في تأريخ الأدب الروسي ، …

د. رمضان مهلهل سدخان: مسلسل “واحد زائد واحد”.. في الميزان

يطلّ علينا الفنان قاسم الملاك هذا العام بشخصيتين مختلفتين تماماً عن أدواره السابقة طيلة مسيرته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *