الرئيسية » فكر » جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(21)كرسي ٌ، أو، أقل ..

جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(21)كرسي ٌ، أو، أقل ..

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيم وأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

(21)
كرسي ٌ، أو، أقل ..

يعيش في غرناطة، ولو بقلبه، لكنا جلسنا في فندق منّاوي باشا، يسار ساحة الطيران، وكان باسم الشريف معنا ، وهموم الثقافة كلها وهم الأبداع ، لم نغادر الصالة لساعات- كنا نتحدث – وأخيرا ثمة أمتار قليلة تكفي لتوديعنا نصائف الليل تمشى سلام خارجا، لكننا طفنا بالبصرة كلها منذ الأنباط الأوائل ،وأور الأولى المتمشية على مهل تجاه الخليج ،بهنام أبو الصوف تمشى معنا يده بيد سلام و”التاريخ من باطن الأرض” تمشّى أيضا..
لا أتذكر من منا تساءل : وماذا عن الثقافة الآن!؟
كان سؤالا وجرحا في آن ، وربما شتيمة ، لجهة ما ، أو لجهات..
وأين الملف الثقافي؟
أين مفاتيحه؟
– صدئة لم تزل..- قال ،سلام- وأشار إلى لوحة اليد والمفتاح هناك على صخرة في الحمراء ،صخرة من جبال البشرات، يقول واشنطن إيرفنغ: ما أن تصل اليد إلى المفتاح ،أو ، ما أن يتزحزح المفتاح الصديء ، ولو قليلا، نحو الأصابع ،أطراف الأصابع حتى تتفتح الكنوز ،الكنوز كلها أمامنا..
– نعم صديقي –قال باسم- وما أن تمتد أيادينا وقبلها عقولنا إلى ملف الثقافة ونفتحه،أو نقلب فقط أوراقة اللينات حتى تنفتح الآفاق كلها أمامنا في العراق ، آفاق السلام وآفاق العراق وآفاق المعرفة، فقد لو نفكر فيه ، في الثقافة ولو من بعيد..
لم أكن لأبقى مصغيا وآذار أرق ما تمر نسماته الآن في ليل البصرة فقلت..
– الملفات تزاحم بعضها اليوم /الأمن والدماء كل يوم واضطراب الكراسي على نفسها/ والثقافة في النهاية ليست أكثر من ثقافة!
نظرا مندهشين إلى ما قلت، وكنت مبتسما ، مررنا بهدوء، ساعة سورين كانت هنا ،أزاحتها الشفلات، ربما كي لا نتحسس الزمن – قلت لنفسي – وسألته.
– صديقي ، شدّني في مبنى السكك الحديد في علاوي الحلة منظر البرجين ، أحدهما كما قيل لساعة تعمل بالتوقيت الغروبي الأسلامي ، والأخرى وفقا لخط كرينج تعمل، وبك بن ولندن..
– لا تهتم – قالها ساخرا – هذي كساعة سورين محيت أيضا من الذاكرة!
ومن دون أن أحرك شيئا – على الشاشة – تحركت المشاهد أمامي ، تأريخنا الرافديني السومري بثقافاته ،تماما كالسومري العراقي لم يزل تائها ، فهل من هاد!؟ وتاريخنا العراقي الأسلامي بروافده، أنباطا وعربا وأمما، هكذا ومن دون أن نشعر ينمحي! فهل من كاتب!؟
لا أثر لمباني جامعة البصرة في التنومة ، مجرد حي الحواسم يشير إلى وجودها في يوم غابر هنا، كان بهنام مهتما بتقليب طابوقة وكان سلام يتساءل أيضا:
– لم لا يخصص كرسي في جامعاتنا للعراق ، لأعادة إحياء العراق، العراق الرافديني ؟
– والعراق الأسلامي أيضا يا صديقي، لا تنسه، هما توأمان لروح واحد ، وكررت سؤاله: لماذا لا يخصصون؟
في العالم المتقدم يستضيفون المبدعين الكبار كأساتذة زائرين في فرص ولحظات لا تنسى للطلبة وهم يستمعون لماركيز مثلا أو رولان بارت أو لأي مبدع لا شهادة أكاديمية سوى إبداعه الرائع..
لماذا لا تسن القوانين التي تسمح بهذا؟
لم لا نستضيف فوزي كريم أو محمد خضير أو هذا المفكر الكبير أو ذاك المبدع كأستاذ زائر ؟
ولم لا نعيد بناء قوانين جامعاتنا من جديد ؟ نعم من جديد، ولماذا لا نعيد بناء جامعة البصرة على ضفاف شط العرب؟
ربما إذا فكرنا بهذه الأسئلة سيبدع نجار ما ، نجار من أور أو البصرة أو آشور، سيبدع كرسيا ولا أجمل، يلاءم مقاسات المبدعين وحدهم، ويلين لظهورهم النحاف لا لغيرهم، وسيسميه نقشا وبالألوان: كرسي الأبداع، أقول ربما، كلنا ردد: ربما، وحده الفراهيدي وكنا لحظتها نمر جواره قال: ليكن كرسيا واحدا للمبدعين ! كرسيا واحدا، قولوا لهم، طالبوهم ، ليفتحوا ملفات الثقافة كلها وملفات الأبداع ، طالبوهم ليخصصوا ولو واحدا، كرسيا واحدا، ثم، لا حول ولا قوة إلا بالله، قالها بحسرة وقال : كرسي أو أقل، ليكن بثلاث أرجل (سي بايه) مثلا، ليكن ، طالبوهم..
ورددنا معه : ولو بثلاث أرجل، كرسي لكل ملفات الثقافة ،كرسي واحد، أو اقل..!
كرسي أو أقل..!
=====

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *