الرئيسية » نقد » ادب » د. مثنى كاظم صادق : قصيدة الرؤيا في شعر خالد الداحي
مجموعة عندما يبكي القطا … مثالاً

د. مثنى كاظم صادق : قصيدة الرؤيا في شعر خالد الداحي
مجموعة عندما يبكي القطا … مثالاً

قصيدة الرؤيا في شعر خالد الداحي
مجموعة عندما يبكي القطا … مثالاً
د. مثنى كاظم صادق
يتخذ مصطلح الرؤيا مفاهيم متشعبة في الفكر الفلسفي والإسلامي والبلاغي والنقدي قديماً وحديثاً ولعل أول من ضبط تعريفها نقدياً هو مارتن هيدجر إذ يقول : (الشعر هو الرؤيا والكلام تعبير وإبانة ) ومن هنا نجد أن قصيدة الرؤيا هي قصيدة الكشف عن طريق الحلم والخيال والنظرة الاستشرافية للأشياء ضمن كينونة الشاعر وعلاقتها بهذه الأشياء المحسوسة وغير المحسوسة وعليه يمكن عد قصيدة الرؤيا قصيدة حلولية لا الحلولية بمعناها الصوفي المعروف وإنما الحلولية الشعرية إن صح المصطلح. وعليه فمصطلح الرؤيا بالألف تقابل لفظة الرؤية بالتاء المربوطة التي تعني النظرة الحسية المحددة ، والفرق بينهما كما الفرق بين الحقيقة الواقعية والحقيقة الفنية.
عنوان المجموعة ( عندما يبكي القطا )(1) ذو طابع مشهدي يركز على فعلية البكاء المستمر، يتمحور ضمن ظرفية مكانية ، متخذاً ــــــــ العنوان ـــــــ من طائر القطا فاعلاً ، وطائر القطا من الطيور المهاجرة من الأمكنة ، ولا يستطيع العيش إلا بعاملين الأول وجود الماء والآخر وجود فصيلته …. وربما استبكاه الشاعر لعدم وجود الماء أو فصيلته أو كليهما !! ولعل رمزية هذا الطائر توحي إلى ذات الشاعر أو ذواتنا نحن.
يمكن تصنيف قصائد الشاعر إلى قصائد رؤيا أفقية ، ونعني بها رؤيته إلى الحياة بوصفها مشهداً ليشكل منه موقفاً جديداً . وقصائد رؤيا عمودية : ونعني بها رؤية الشاعر إلى نفسه وإلى الآخر ضمن علاقات الانصهار بالتجربة بوصف الآخر مشاركاً معه.
ومن قصائد الرؤيا الأفقية قصيدة ( الخوف والرحيل ) ومنها :
لي ذكرياتٌ إذا غفوتُ توقظني / والذكرياتُ سياطٌ تجلدُ الغافي
كنا ثلاثةَ أمواتٍ نسير معاً / وخلفنا يتمطى ظلُ سيافِ
وسمرونا على الحيطان والتصقتْ / من الترقبِ قمصاني بأكتافي
وزادني الصمتُ خوفاً فالتوى جسدي / كطينةٍ سقطتْ من كفِ خزافِ
أهكذا يتهاوى ما حلمتُ به ؟ / وما تمناهُ لي أهلي وأسلافي ؟!
يكتسب النص هنا طابعاً قصصياً يبدأ بتقديم الخبر ( لي ) على المبتدأ ( ذكريات ) لإيصال المعنى المراد والوصول إلى قلب المتلقي لتنعكس فيه رؤيا الشاعر وموقفه وتصوراته لما حدث ولاسيما أن الصورة في قصيدة الرؤيا لا تمثل أداةً تعبيرية فحسب ، وإنما حولها الشاعر إلى تمثيل جوهري مافتئ يبث معترضاً ومضاتِه عبرها ، وهكذا تمثلت رؤيا الشاعر إلى الحياة في وطنه في صورة تراجيدية قامت ضمن تشكيل وقائعي يعج بالحركة المادية والنفسية والانفعالية معززاً سوداوية المشهد وكآبته بولادة تشكيل شعري جديد للواقع ؛ مما زاد الشعور قوة وتأثيراً في نفس المتلقي ؛ فأعطى بذلك إحساساً بهذه المعاناة الوجدانية التي تعززت بالتحسر والتأوه والشعور بالخسارة بتوظيفه الاستفهام المجازي …
أما قصائد الرؤيا العمودية فنجدها قد شكلت ظاهرة لافتة في المجموعة ولعل ذلك أن الشاعر همه قراءة نفسه ورؤيا ذاته وكشف ما يمور فيها للمتلقي كما في قصيدة ( حين يحتمي الرصد ) ومنها :
وحدي .. أمامَ الزمان أحتشدُ / لا نجدةٌ تُرتجى ولا مَدَدُ
كلُ الشبابيكِ تشتهي هربي / وليس لي ساعدٌ ولا عضدُ
بكيتُ في الليل من نحول يدي / وفي الضحى لم تكن هناك يدُ
وكنتُ أدري بأن لي جسداً / فكيف أصحو وليس لي جسدُ
تعكس هذه الرؤيا الاغتراب المشخصن ؛ لإيقاظ الوعي بالذات والتمسك بها ومحاولة عدم تلاشيها … ويجلد الشاعر هنا الواقع بالفنتازيا لتحقيق رؤيا شمولية لذاته الوحيدة أمام الزمن ، إن هذه الرؤيا جعلت المتلقي يعيش معها لحظة بلحظة وكأن أحداثها تتجسد أمام عينيه وبحركات درامية واضحة . ونلحظ نسق المقابلة المذهل في النص ( شبابيك ــــــــ عدم وجود يد لتهرب منها ) ( في الليل يد نحيلة ــــــــــ عدم وجود يد في الضحى ) ( له جسد عندما نام ــــــــ ليس له جسد عندما صحا ) فقد عكست هذه التقابلات مدى العجز عند الإنسان الوحيد ، بمنح هذه الرؤيا المزيد من الفاعلية النفسية والتعبيرية في سياقها التقابلي الغرائبي.
(1) عندما يبكي القطا / مجموعة شعرية : خالد الداحي ، مؤسسة ثائر العصامي ط1 بغداد / 2013م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *