نعيم آل مسافر : تاريخ المرأة (البرلنت/ البيلا) عند الروائية السورية لينا هويان الحسن

تاريخ المرأة (البرلنت/ البيلا) عند الروائية السورية لينا هويان الحسن

اهتممت منذ سنوات بالتجربة الإبداعية للروائية السورية لينا هويان الحسن من خلال قراءة بعض رواياتها, ومتابعة ما تكتبه في الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي, واللقاءات الصحفية والتلفزيونية التي تجريها، وكذلك أخبار وصولها إلى القائمة القصيرة في جائزة البوكر العربي, وجائزة الشيخ زايد وغيرها. تلك التجربة التي حاولتْ من خلالها نقل صورة عن البادية السورية, مغايرة للصورة النمطية التي كرستها المسلسلات البدوية, وصورة عن دمشق أيضاً تختلف عما ينقله مسلسل “باب الحارة” الذي لا يريد أن ينتهي.

(البرلنت)
تناولت المرأة في جميع رواياتها، أو بالتحديد إمرأة واحدة، ولا أقصد هنا واحدة بعينها، إنما إمرأةً بصفات معينة. تلك الصفات التي كانت تصرح بها تارة, وتُلمح لها تارة أخرى. فبطلتها دائماً: إمرأة برلنت، حسناء جامحة، شريرة لعوب ماكرة، أفعى تغير جلدها كلما اقتضت الضرورة، قطة تتسلى بالفأر قبل أن تأكله، وهي ذات المرأة التي يمكن أن تقوم من أجلها حرب. سواء كانت تلك البطلة سلطانة بدوية مثل (قطنة الكنج, وحمرا الموت) كما في روايتي (بنات نعش وسلطانات الرمل) أو آغاية حضرية مثل (نازك, وبرلنت) كما في (نازك خانم وألماس ونساء).
وبالطبع مثل هذه المرأة (البرلنت) هي التي يعشقها الرجال, وتستهويهم القراءة عنها. وتقف منها النساء موقف اللامبالاة وربما الحسد والبغضاء “كل أنثى هي عدو سلفاً لأي أنثى أخرى”ص203

المرأة (البيلا)
لكن الشخصية/المرأة هذه المرة في رواية “ليست رصاصة طائشة التي قتلت بيلا” نموذج مختلف عن الشخصية النمطية (البرلنت) التي تسيدت رواياتها السابقات؛ فهي هذه المرة ليست التي تقوم من أجلها الحرب إنما المرأة التي هي ضحية تلك الحرب “ذلك الغزال الذي تعثَّر بالطين وأدركته الكلاب”ص٤٢ بطلتها هذه المرة (بيلا بكتاش) “الأذرية الخلابة الصامتة” طيلة أحداث الرواية لكنها كانت أكثر المتكلمين, في غيابها وحضورها المباغتان! طيلة أجزاءها الثلاث: الأول في حلب العشرينيات والثاني في دمشق الخمسينيات والثالث في حلب الثمانينيات. ابتداءً بعزبة خُناصرة وانتهاء بها.
وبالاضافة لشخصية (البيلا) الجميلة المختلفة عن (البرلنت) هنالك شخصية (سيسي) الجديدة على روايات لينا وهي “الأرمنية ذات الجدائل السوداء المضحكة” العاشقة الوفية لملاكها تيمور ولصُحبة الطفولة والزمن الجميل والبحث عن الحقيقة ومحاولة الحصول على إجابة شافية عما جرى. والتي كان “يدعوها أبوها: سيكربولي أي حبة السكر الصغيرة في التركية”. وربما كانت الحرب السورية الأخيرة سبباً في اختيار الكاتبة لهكذا شخصيات نسوية, وليس التجدد الذي تسعى إليه فقط. فبعد رواياتها عن البادية كتبت عن دمشق وهاهي تكتب عن حلب في هذه الرواية, وربما لأنه “ليست رصاصة طائشة التي قتلت بيلا” وكذلك التي أشعلت الحرب الأهلية في سوريا. حيث تتحدث عن النسيج الاجتماعي السوري المتماسك, المتسامح في حدود اختلافه العرقي والديني والمذهبي “أي ضفائر عرقية وقومية اجتمعت على هذه البقعة؟”ص246 من مسيح ويهود وأرمن ومسلمين, من الماضي والحاضر والشرق والغرب, من مهاجرين: روس ترك أذريين فرنسيين وعرب, الذي كوّن خليطا مذهلا انتج ثقافة هذا الشعب العريق. لتُجيب الكاتبة بذلك على سؤال سيتبادر حتماً إلى ذهن القارئ أثناء قراءة هذه الرواية: كيف أمكن لمثل هذا الشعب أن يتقاتل في حرب أهلية؟!

الرواية التاريخية:
مثل رواياتها السابقات يمكننا تصنيف هذه الرواية أيضاً على أنها تاريخية. “فالرواية التاريخيّة عمل فنيّ يتّخذ من التاريخ مادة للسرد، ولكن دون النقل الحرفيّ له؛ حيث تحمل الرواية تصوّر الكاتب عن المرحلة التاريخيّة وتوظيفه لهذا التصوّر في التعبير عن المجتمع أو الإنسان في ذلك العصر، أو التعبير عن المجتمع في العصر الذي يعيشه الروائي ولكنه يتخّذ من التاريخ ذريعة وشكلاً مغايراً للحكي” وقد عمدت الكاتبة إلى ذكر زمان ومكان الأحداث بالضبط. مستعينة بوثائق وكتب تاريخية, ووصف دقيق للأسواق والبيوت والحدائق والملابس والحلي والأكلات والعادات الاجتماعية وغيرها. وهذا فراغ لا يملؤه التاريخ المدون, انما الرواية وحدها من يستطيع ذلك. حيث كانت هذه الرواية فرصة للسفر عبر الزمن إلى الشام الذي”كان هانئاً مثل جدول صافٍ تزوره الفراشات” ص١٢٨ إلى سوريا مطلع القرن العشرين والثورات العالمية التي حصلت آنذاك، ثورة البلاشفة وثورة أتاتورك، اللتان ألقتا بظلالهما عليها إبان الانتداب الفرنسي, وقد خرجت تواً من ربقة احتلال عثماني استمر خمسمائة سنة. رحلة شيقة إلى حلب الماضي ودمشق, حيث يضغط ألم الانتماء على مواطنيهما، فنشاهد أحداثاً تاريخية تخص أفراداً، أهملتها كتب التاريخ. وقد كانت الكاتبة موفقة وهي تختار زمان ومكان روايتها هذه، إذ انها ذات التقاطعات التي تعانيها سوريا اليوم عالمياً بين أمريكا وروسيا, وإقليميا بين إيران وتركيا، وتشرذم العرب بين كل أؤلئك. حيث اعتصر قلبي ألماً أثناء القراءة عن “حلب الشهباء” القديمة إذ خطرت في ذهني صور خرابها المفجع إبان الحرب الأهلية قبل سنوات وكيف “تهادت بحرية سفينة تاهت في البحار إلى الأبد. في عينيها نظرة من رأى كل ما حدث, وكان من المفترض ألّا يحدث” ص89
الحديث طويل عن هذه الرواية الغنية, والتي تستحق أكثر من قراءة وأكثر من وقفة تأملية…

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أحمد شحيمط : الرواية العربية المعاصرة وأسئلة النقد .

يتحول الإبداع من الرواية والسرد إلى مجال النقد الأدبي، وإثارة تساؤلات عن واقع الرواية العربية …

| عباس محمد عمارة : شفة الأوركيد ديوان هايكو للشاعر علي محمد القيسي .

الشاعر والهايكست علي محمد القيسي في مجموعته الشعرية “شفة الاوركيد” يحرك بركة “باشو” الراكدة ويؤرخ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *