صالح البياتي : رواية نزف المسافات
الفصل السادس ح 2دمية الصبر

رواية نزف المسافات
صالح البياتي
الفصل السادس ح 2
دمية الصبر

كنت في خلوة مع نفسي، أفكر بتلك المزارات والعتبات المقدسة، التي ارتطبت بقوة بشقاء وعذابات الفقراء، على امتداد ازمنة الظلم والجور، التي تعاقبت على البلاد، كملاذات عاطفية ونفسية… فاجأتني سيناء تسأل بم كنت أفكر، ربما كانت تريد ان اقول لها بكِ، لكني لم أحب ان أكذب في أمر جدي، يتعلق بمشاعري نحوها، قلت بلا شئ، ولكي انقل الحديث الى موضوع آخر، اخبرتها بأنني سأستقيل من وظيفتي، واعمل في مجال التجارة، عندما نستقر أخيرا في بغداد.
لم تقل سيناء شيئا، سألتي:
” ما هذه الورقة التي وجدتها على احد رفوف المطبخ؟
” أوه هذه قائمة جرد، دونت فيها الأشياء التي رأيتها معروضة للبيع، في محل للأثاث المنزلي المستعمل، في مدينة الحرية، دخلته اليوم لأسأل صاحبه عن منزل صديقي يوسف، أثاث واشياء أخرى كانت من قبل في بيوت المسفرين”
حكيت لها عن صاحب المحل.. كان يوم الجمعة، سألته إمراة أثناء وجودي في المحل، عن الأشياء التي أوصته عنها، أجابها كلها جاهزة لتستلمها، عدا ماكنة الخياطة برذر، وأكد للمرأة انه سيعثرعليها في احد منازل المسفرين، قال لها اطمئني، إعتبريها من الآن في بيتك، ثم التفت الي وقال عفواً سأغلق المحل، لا أريد أن تفوتني صلاة الجمعة، فسألته عن صديقي يوسف، فدلني على بيته، أغلق المحل، واسرع مهرولا للجامع، عندما رأيت يوسف سألته عنه، فعرفه، وقال ان اردت سآخذك حيث يصلي، وستراه في الصف الأول، يعود مسرعا بعد اداء الصلاة، يبقى حتى حلول الظلام، يتاجر بأثاث المسفرين، وعندما يدخل بيتاً لتصفيته، لا يترك وراءه سوى جدران عارية، حتى الصور الشخصية المعلقة ينزعها من إطارتها، يذكرني بسمكة العجوز سانتياغو، التي نهشتها القروش حتى استحالت لهيكل عظمي، فتركها على شاطئ البحر ليتفرج عليها الناس.
” أحصيت في هذه القائمة التي تركتها على أحد رفوف المطبخ، مائة مادة مختلفة إلا واحدة، ولو بقيت دقيقة اخرى لأزداد الرقم”
” كيف استطعت أن تذكرها كلها!”
” انطبعت صورها في ذاكرتي، وعندما اختليت بنفسي تذكرتها ودونتها في القائمة.”
صباح يوم الأحد، ذهبنا لمستشفى الطب الذري، كان ذاك آخر موعد، وكان الطقس لا يطاق، الهواء خانق، والناس متوجسون من شيء خطير، يتوقعون حدوثه قريبا، ففي ساعات الصباح ، كان المجهول يتربص بمصائر الناس، أفاع سامة تزحف ببطء ولكن بلا هوادة.. ورغم ارتيابي من حقيقة نبوءة المندائي، وبأنها كشف للغيب، لكنني في ذاك الصباح الصيفي البغدادي، الذي لن أنساه أبداً، استعدت في ذهني ما قاله الشيخ كاظم الموحان، عندما تكلمنا لأول مرة عن الحرب، في جامع النجارين، لا زلت أتذكر كلامه عن المشيئة الإلهية وعدم تدخلها في شؤون البشر، إلا بعد فشل محاولاتهم المتكررة، وعجزهم عن منع ودفع الشر أو الظلم الذي يحيق بهم، ولكن إذا بقوا مكتوفي الأيدي؛ فسينزل الله بهم عقاباً صارماً، حروب وفتن داخلية..
ولكني أتساءل الآن، حتى يحين الوقت ليتدخل الله، كم من الأبرياء سيهلكون، في حرب ستكون طاحنة، وسيتصاعد لهيبها بضراوة، حارقاً كل ما يعترضه من بشر وحجر وشجر ومدر، لمجرد كسر إرادات وتصفية حسابات قديمة.
أهذا حقاً ما يريده لله لعباده..
وعندما عدنا للشقة بعد الجلسة الطبية، كانت أمي تعاني من إرهاق وصداع شديد، بدا واضحا على وجهها، ولكنها على الرغم من ذلك، أصرت على إنهاء حكايتها، ولم يفد احتجاجي بتأجيلها حتى انجلاء الأمر، ولم تصغ لي أو تلتفت لكلامي، عندما قلت لها أن حدثا خطيرا داهما، يوشك أن يحدث، وأنه أخذ يطرق الأبواب بقوة واندفاع، مستندا على مقدمات غريبة، مستله من كتب التاريخ المزورة، ومتذرعا بأسماء حروب قديمة، جمرة الحرب توشك أن تتوهج، من تحت رماد قرون موغلة في القدم، بمجرد نفخة بسيطة.
كانت سيناء وابوها خارج البيت، أخبراني عندما خرجا صباحاً، أنهما سيعودان عند المساء، كانا مدعوان على الغداء عند قريب لهما في مدينة المنصور.
سألتني أمي:
“أين وصلنا في المرة السابقة يا نوح؟ ”
“لا أتذكر”
” الله يلعن الشيطان والنسيان، هما سبب البلاء في الدنيا، وعكسهما الذكر والأيمان؛ هما شيء واحد، وبهما تطمئن القلوب.”
” اليس النسيان نعمة كما يقال!”
” نعمة إذا كنت تنسى أخطاء الأخرين وتسامحهم، أين نحن.. أين وصلنا …؟”
فجأة.. صاحت
“ها تذكرت الآن..”
البنت المسكينة كانت تريد دمية الصبر، هدية من الأمير، ولما قال انه لم يسمع بدمية بهذا الاسم، قالت له: لا عليك ياسيدي، أسأل عنها في السوق وسوف يدلوك على البائع وهو يعرف ما أريد..
سافر الأمير مع زوجته الحسناء، عائدا لمملكته، وأخذا معهما الخادمة، فرح الملك بعودة ابنه سالما، وإحتفل بمناسبة زواجه، تذكر الأميرالهدية التي وعد بها خادمته، ذهب بنفسه الى السوق ليشتري الدمية، دلوه على الدكان الذي يبيعها، سأل البائع هل لديك دمية الصبر، أندهش البائع ولكنه أجاب، نعم عندي سيدي الأمير، ولكن استميحك العذر لمن تريدها، قال لخادمتي، حذره البائع؛ عليك يا سيدي أن تراقبها حين تحكي قصتها للدمية، قال الأمير سأفعل، دفع ثمنها، فلفها البائع بقطعة قماش وأعاطاها له.
قاطعت أمي لأخبرها، أن موسى الكيال نقل سند ملكية بيته في السبع قصور، هبة بإسمي، منذ عدة سنوات، وأن السند الأصلي وصك مصرفي بعشرة آلاف دينار، وجدتهما داخل الرسالة، التي فتحتها اليوم، لا كما وعدته يوم عقد قراني على سيناء، على كل حال يوم واحد لا يفرق، غدا سنحتفل بهذه المناسبة، كانت مفاجأة بالنسبة لي، لم أتوقعها أبداً، ولا أدري ماذا أفعل، هذه أمانة وعليَّ الحفاظ عليها حتى يعود، ولكن وردت أخبار مقلقة عن المسفرين، تتحدث عن موت أطفال، ورجال مسنين، بعد رميهم كنفايات، البعض قتلوا بالغام مزروعة في الأرض، أثناء إجتيازهم الحدود، أخشى ان الكيال قد لقى حتفه، وسواء مات، أو لم يمت، فلا بد أن أحتفظ بهذه الأمانة، ولا اتصرف بشيء منها، حتى اسلمها له، أو لإبنه الدكتور ممتاز في لندن.
” قولي ماذا أفعل يا أماه ؟ ”
“هذا ميراث.”
” ماذا تقصدين. أي ميراث!”
لم ترد عليَّ، كررت عليها السؤال، فسمعت شخيرها المتقطع، نامت قبل ان تجيب على سؤالي المحير، أخذت مروحة يدوية وحركتها فوق رأسها..
في الصباح، كنا جميعاً على مائدة الطعام، أعدت لنا سيناء إفطاراً شهياً يليق بمناسبة عقد قراننا مساء هذا اليوم، كنا نأكل بشهية، ولكن أمي كانت ترفع قدح الشاي بأصابع مرتعشة، لأول مرة أراها بوضع كهذا، نظرت اليها وقلبي يتقطع من الألم، تأخذ رشفة صغيرة، وتنزل القدح من يدها ببطء للمائدة.. كانت نظرة سيناء لأمي تشف عن حزن وألم، تطيل النظر الى وجهها الشديد الشحوب، كنت قد أخبرت سيناء اثناء وجودها في المطبخ ، عن رسالة موسى الكيال، وما قالته أمي عن ميراث، لا أعلم عنه شيء، ولم أفهم ماذا تقصد، كلامها محير، همست سيناء بإذني، تمهل عليها قليلاً، ترفق بها، ربما هو المرض الخبيث الذي أخذ ينهش جسدها، جعلها لا تعي ما تقول، قلت، أتقصدين أنها بدأت مرحلة الإحتضار، قالت سيناء هامسة، لا أدري. قلت:
” ماما هل تشعرين بألم، لماذا يدك ترتعش؟”
” لا شيء مجرد صداع خفيف، لا تقلق عليً ، أمك امراة قوية.”
” ماما.. ماذا كنت تقولين أمس عن أمانة موسى الكيال؟”
“هذه ليست أمانة، هذا جزء من حقك في الميراث”. صرخت:
“ماذا تقولين أي ميراث!؟”
” نصيبك من ميراث أبيك.”
” ماذا، أبي من أبي!؟
ساد صمت ثقيل، وتوقف الجميع عن تناول الطعام، كنا ننزل أقداح الشاي ونضعها ببطئ على المائدة، نتبادل نظرات التساؤل بصمت.
وبدلا من التوضيح الذي كنت أتحرق لمعرفته، راحت تتذرع بضرورة إيصال القصة الى نهايتها، وكلما ألححت عليها واجهتني بحزم.
” إصبر، وستعلم كل شيء، نهاية قصة الفتاة لها علاقة بقصتنا..”
“يا ألله، ميراث من، ماذا كان يريد الكيال أن يقول لك، عندما اراد توديعك، ورفضت، ما علاقته بنا ولماذا يعطيني أمواله؟ نظرت اليً سيناء نظرة فيها شيء من التأنيب، تعاتبني على نزقي وقلة صبري. قالت:
” أكملي حكايتك خالتي، كلنا متلهفون لسماع نهايتها.”
واصلت أمي حكايتها عن الفتاة والدمية..
أعطى الأمير الدمية للفتاة المسكينة، فشكرته، ودخلت غرفتها، جلست أمام مرآة وأجلست الدمية بينهما، وبدأت تقص عليها قصتها.. يا دمية الصبر، يا شقيقة عذابي، أسمعي قصتي، وكان كل ما تحكيه الفتاة، يظهر على المرآة، كانت سلسلة الأحداث التي مرت عليها تتوالى في الظهور على صفحة المرآة، منذ أن كانت تعيش تحت سيطرة امرأة أبيها القاسية، ثم هروبها والتجائها لقصر العجوز الساحرة، وكلما مضت شوطا في قصتها، أنتفخ بطن الدمية شيئا فشيئا..
صرختُ:
” يا لله.. كفي، وأخبريني، ما صلته بنا! ”
توقفت عن سرد القصة وقالت:
” آن الأوان، من حقك يا ولدي أن تعرف الحقيقة، يجب أن أخبرك بها قبل أن أموت.. موسى الكيال هو أبوك.”
صرختُ من وقع المفاجأة التي أبكمتني، فلم أحر نطقاً، قمت وحدقت في مرآة الصالة التي كانت أمامي، تخيلت أني أرى شبحا من وراء ظلام الماضي الكثيف، يحدق بي بعينين مطفأتين، خارجا من غياهب المجهول، ليعاقبني، ويقلب حياتي رأسا على عقب، وعندما استعدت شيئا من وعيي، عدت لمكاني، قلت:
” ماذا تقولين، موسى الكيال أبي، هل هذه قصة من قصص الأفلام الهندية، هل كنت متزوجة منه قبل أبي فرحان، الست أنا الذي كان أسمي إجباري سابقا، ونوح حاليا، ابن فرحان عبد الله زوجك! قالت:
” كلا.. أبوك ليس المرحوم فرحان عبد الله، زوجي القتيل في حرب الشمال، أنت أبن موسى الكيال، هو أبوك الحقيقي وأنت ابنه، وممتاز والمرحوم منيرهما أخواك من أبيك.”
” ومن تكونين أنت! ”
” من أكون أنا! .. عندما توفيت المرحومة امك، شقيقتي الأصغر مني، أخذتك من ابيك الكيال، كان متزوجا من امرأة بغدادية؛ من عائلة غنية جدا، كانت ترفض العيش معه في مدينة صغيرة كمدينتنا الجنوبية، هي زوجته الكبيرة، أم ممتاز والمرحوم منير، أنا الذي ربيتك عندما كنت لا تزال في القماط، أتريد أن تتنكر لي الآن.. بعد أن عرفت الحقيقة!”
صرختُ وهويتُ على يديها وقدميها، ألثمهما وأبللهما بدموعي:
” انت أمي وحبيبتي وحياتي..”
بكت سيناء بحرقة، ودمعت عينا العم سبتي وكان طوال الوقت ساكتا لا ينبس بكلمة واحدة، قلت في نفسي ربما هذا الرجل يعرف كل شيء ولكنه ساكت كأبي الهول لا يتكلم..
أرتفع صوتها كأنها لم تسمع شيئا مما قلته، واصلت حكايتها كما لو أنها في سباق مع الزمن..
كانت الفتاة تسرد حكايتها للدمية، وكلما مضت شوطا، كانت الدمية تزداد انتفاخا ويكبر حجمها، حتى أصبحت بحجم الفتاة، كان الأمير ينظر من شق وراء الباب الموارب، أندهش وأنتظر متحفزا، ماذا سيحدث.
قاطعتها، توسلت اليها تأجيل الحكاية لوقت آخر، قلت:
” فكما ترين يا أمي كل شيء قد تغير الآن، فها قد حدث المكروه، وقامت الحرب وأصبحت سيدة الموقف، وحكايتها سوف لا تنتهي وشيطانها أخذ يعربد مزمجرا، متوعدا بالويل والثبور، والدمار والخراب، كل شيء مؤجل الآن إلا الحرب يا أم نوح، فهي سيدة الموقف بلا منازع، توقفي يا أمي لقد قامت قيامة الحرب، وسوف تقيم قواعدها التدميرية على شفا حفرة من نار الجحيم.”
” الحرب قائمة دوماً يا ولدي، متى قعدت حتى تقوم الآن!”
فاجأتني بقصة الكيال، رغم الشكوك التي كانت تساورني عنه، والشبه المذهل بيني وبين المرحوم منير ولكنني، لم أفكر بأنه أخي، وأن الكيال أبي، ما يحدث لي الآن يفوق الخيال، أو أبعد من الخيال.
يتبع

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

يونس علي الحمداني: رحلة بحرية

عِندما نكون في البحرِ السّماءُ أجمل والدُنيا مِرآةٌ عميقةٌ تعكس أسرَار الزرقةِ وزرقة الأسرار.. عِندما …

أصواتٌ … بداخلِ الصَّمت
حسن حصاري / المغرب

كثيرا ما أضِيع … وأنا أفكرُ في الكِتابةِ اليك، وسَط سُطورٍ لمْ أكتُبها بَعد. أدركُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *