سعد الصالحي : علي النداف (إلى موفق محمد وسلمان داود محمد) (ملف/2)

علي النداف
ـــــــــــــــــــ
سعد الصالحي

(إلى موفق محمد وسلمان داود محمد)

وبحثاً عن مثيل مفقود لخمبابا ، أجزنا لأنفسنا النزول إلى فراديس العالم الأسفل في بابل ، فوجدنا – ولم نكن إلا في الطبقة الأقرب للتعارف الأول – وجوه مطربين ، وخاصرات راقصات بارعات في استقبال الأصدقاء . أقسمُ أن سقف العالم كان واطئاً لأسباب تتعلق بعراقة المدينة التي أوهم اليهودُ كلَّ العالم أنها خُسِفتْ ثأراً لذلك الإله الذي مازال يحتسي خمرها منتشياً بدروبها العشتارية ودكاكينها التي تبيع مايصلح القلب ويقيم أود الأشواق . علّق سلمان بعد عشرات الخطوات بين أزقة المدينة متسائلاً :
– أتشمُّ رائحةَ الأسطورة؟
قلتُ :
– يالكَ من فادح يجيء في غير وقته بحديثٍ يوشك أن يكون عن الشذا !
لكنني – ورحتُ حقاً أشمُّ نكهة المكان – أعدتُ انتباهي للمسرة المحيطة بنا في شوارع المدينة التي تؤكد براعة الناس على الحياة بمن يزوق وجه الجَمال في عربة صغيرة لكماليات النساء ، ومن يجعل للأيام ألف معنى للذة يوم واحد ، فيغري العين بالتطلع على تلك الألوان والأشكال المثيرة للحُب والبياض .
كنتُ – بحثاً عن شاعر شبيه بخمبابا – قد حملتُ في ذاكرتي امرأةً لها من بداية كل أمر بابلي عينٌ . تركتُ لها ، وعند أهلها في (درابين) الجباويين ومحلات الحلة الضاربة في العتق ونكهة العباءات السود والسحر واللطائم وقدور العاشوراء ، تركتُ لها ، ولداً أقسرتنا الحروب على إبقائه عند جده وجدته لتكتمل به صورة النص عن خمبابا وعن ذاك الملكي العلي النداف الأبيض ، فهو ابنهم أولاً ، وبابلي حد النخاع منهم ثانياً ، وفي الفاصلة من كل هذا سألني صاحبي سلمان :
– كيف تحملتَ فراق هذا الولد عشرين عاماً ؟
قلتُ :
– لا ، ماتحملتُ ، ورحتُ أنجب له الإخوة ، وأستشيط غضباً عند كل ما لا يستحق الغضب لأجله . وأوجعتُ قلبي فأورثتُ الأرض آثار خطوي ، وكتبتُ الشعرَ لأسحق أمي وأبي نكايةً بذاكرتهم التي لم تتسع لنسلي ، ورأفة به رحتُ أبحثُ عن أمهاتٍ لي أخَر ، ولولاه ما اخترتك لهذه المدينة وعشقتُ فيها السادةَ والشعراء والقصاصين بحثاً عن جديدٍ لهذا العمر .
وفي زحمة الأحاديث انزلقت بنا الدروب إلى إلى أزقة أضيق ، إذ أشار البعض إلى وجود الشاعر المفقود في طبقة أخرى تشير إلى عين الفردوس في الأسفل عند ( علي النداف ) ، وعند تلك البوابات المقدسة وأولئك الناس لا غير .
كنا نعيد الكَرّة في طرقات السوق بين العطر ونكهة الخبز والألوان ، لكأن خمبابا قافية مفقودة في عصر الأسواق ! .. وفي عطفة زقاق بهي هاديء ، وبنظرة تفيض صاح بي صديقي فجأة :
– تلك عربة الملك .
هكذا وجدنا السبيل إلى الشاعر مبتهجين بدراجة النداف البخارية عند باب دكانه التي أعادتنا لأسماء الإنسان القديم بخطوة قيل أن أخطوها بسلام آمنين إلى فردوس الملكي القطني الأبيض . دلفنا إلى بلاطه في الطبقة الثانية من التعارف الأول ، (وهكذا لابد من ملوك للولوج بحثاً عن مثيل مفقود لخمبابا) .
كان المكان ينطق بالطنافس العرائسية ، والنمارق العشقية ، ورائحة النساء المختفيات مخدرات في الأبهاء المحيطة بالبلاط . كيف أصفه ؟ وقد راح يطير بدراجته بحثاً عن شاعرنا الغارق بالدروس الخصوصية ، وهو بين الإقلاع والإقلاع يأمر لنا بالشاي والحديث عن نصوص جديدة كملك عرشه الحب واسمه على صفحات (العرب اللندنية) . أقول وقد رأيته علياً ببسمته يئدُ فيَّ البكاء والجَلَدَ ، أي زهو وأي عافية توري به الشِعر وهو يتَّقِدُ ؟
قلتُ:
– يا النداف للغيمِ ، المطرز للسحاب بغرزات الأصابع ورداً أحمر كالدم المتخيل لعرسك الذي تأخر ، هلا توقفتَ عن الإقلاع بدراجتك وبحثك معنا ؟ دعنا نقشر هذه الطروس البابلية وطوبى لمن أعنته أيها الأبيض كالملائكة .
فأجاب من عليائه مشيراً لقرى وأزقة وأجناس أخر :
– أنتم في حضرة طبقة أخرى تحت الفردوس ، ستسافرون إلى كل أصقاع الدنيا ، وتلمون بقايا الصراع وضوضاء المدن ، وقودكم النار والبخار لأوجه مدادها الطرقات وتخومها البحث عن ليلة حب . تدوفون معي للشعراء قصائدهم ، وتهيئون من قلبي حكمة لسهام القراطيس ، فاستمتعوا أنى شئتم بين هذه الأبهاء .
ثم ، وهو يميسُ نحو قبانه بصوته (إمرحوا) ، خطونا إلى المستوى الأبعد في عمق المدينة – الحادثة ، وعبر البلاط القطني ، مررنا بشيخ الأثر ، جد أبنائي ، سيد كاظم الجباوي ، يبيع الأعشاب بشيخوخة مزهوة على صورة فنان تتوسط بإطارها الخشبي أعالي جدران دكانه ، بين جرارات عقاقير لعلاج العقم وإنزال الحصى و (هوىً جوىً) وألفة حديث مع تائهين يبحثان عن صديق لم يجداه في بيته ، ولا في بيوت الشعراء ، أو البلاط الملكي الأبيض لعلي النداف . فرحنا نبحث عن آثاره أمام أفواه الأزقة ودكات العطارين ، وظل المطرز للغيم يقلع بدراجته ويحط مهيئاً لنا فراشاً ملكياً على الشرفات ، وصحناً مليئاً بالزيتون الطاعن في اللدانة حين شارفنا على الشواطيء قرب المقاهي ونحن نرفع وجهينا قبالة سماء أخرى متهللين صدفةً بطي الغيوم لوجه موفق محمد مبتسماً وملوحاً للِّقاء الجميل .

1999

شاهد أيضاً

الشعر كلذّة وخلاص وخطاب جمالي
قراءة مُكثّفة في نص (بلا تاريخ) للشاعر محمد النصار
سعد جاسم (ملف/44)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

علوان السلمان: البذرة اعلنت عن ثمارها يا…… (ملف/43)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

خزعل الماجدي: خطورة الشعر تأتي من سعيه لأن يكون البديل الدنيويّ للدين
حاوره: زاهر موسى (ملف/9)

إشارة : من المهم القول إنّ المشروع الشعري للمبدع والمفكر الكبير الدكتور “خزعل الماجدي” قد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *