جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(20) كأس شاي..

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيموأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

(20) 
كأس شاي..
قال لي: في بيتنا مكتبة وقال ..، فلم أصغ إليه واستحضرت صباي، وشغفي بمكتبة قريبي أسطى البناء الذي لم يكمل الابتدائية، وقاطعته فجأة:
– ذكرتني بجمال عزيرة!
– ماذا؟ أقول لك ينبغي أن يكون العراق كله مكتبات، تقول عزيزة!أي عزيزة؟
– عزيزة، ذاك المسدس الصغير الجميل، في رواية إحسان عبد القدوس
(في بيتنا رجل). جمال عزيزة يا صاحبي في أنها مسدس لا ينطلق تجاه أبناء الوطن.. ولو أن شبابنا انجذبوا إلى جمال عزيزة من صغرهم كما انجذب جيلنا، لما تقاتل أحد في العراق، ولما ذبح أب أمام أطفاله، ولما حمل أحدنا أيام الارهاب هويتين لينجو! واحدة باسم علي واخرى باسم عمر وربما ثالثة باسم نوزاد أو أوغلو أو خوشابا أو ميخائيل..!
– أنت تؤيد دعوتي إذن لنجعل من العراق كله مكتبات.
كنا نتمشى وعصاري العشّار حلوة في آذار، فقلت:
– نعم معك، لكن لنستريح قليلا.
مقهى، صالة ،صالتان، ثلاثة، كلها مزحمة بالفتية الصغار، مسمرين أمام شاشاتهم يرتدون النظارات السود المخيفة ويتصايحون..
– لا راحة هنا مع البلاي ستيشن والثلاثي الأبعاد، لنمض..
أخذ بيدي خارجا وهو يتذمر، فسألته:
– مع حال كهذه لأولادنا هل تنفع المكتبات؟
– لم لا، إن تعودوا عليها صغارا، ليولد من يولد منا على منظر الكتب والمكتبة.
– طيب والآن؟ وهؤلاء الذين لم يولدوا وفي أفواههم ملعقة كلمات أو كتب؟
سكت، وتمشى مطرقا، ثم تبسّم كمن تذكّر أمرا طريفا وقال:
– يوما كنت أحث أولادي على القراءة: ما بكم بابا كنا في عمركم نلتهم الكتب التهاما.. فرد نور الماكر..
– ونحن مثلك بابا نلتهم الكتب التهاما!
– تلتهمونها، ها، قل يا شاطر أي كتاب عضضته؟ يا الله أرني.
– بابا نحن كل يوم في البلاي ستيشن نتبارى في لعبة(الثعبان، أو،الكتّاب الديدان) والكاتب الذي يلتهم كتبا أكثر هو الفائز.
أعادتني طرفته إلى مكتبة قريبي الأسطى، وحلمت، أي والله، حلمت فقط، لا أكثر، بعراقيين، أديب ومهندس الكترونيات ومخرج، يتعاونون ليصمموا لنا لعبة تؤدي دور (عزيزة) لعبة لا تقتل بل ترقّق، ولا تثير التوتر في نفوس أطفالنا وتشوهها بل تمر عليها كما النسيم وتروي ظمأهم إلى المعرفة.
– أي ظمأ وأي معرفة؟ إنهم يلعبون ويلعبون.
– لعبهم عطش للمعرفة، لم لا ندخل لقلوبهم مما يحبون، الألعاب والشاشات؟ لم لا نحاول؟ أليس هذا من أهم خصائص المثقف العضوي الذي نظر له غرامشي..
– أمقتنع أنت؟ من كل عقلك إن نخبنا المثقفة ستمارس فعلا اجتماعيا؟ أشك، قل لهم (أريحوا أجسادكم بالتعب) سيسخرون منك!
لا أستاذ، أنتم معجبون بغرامشي ونظريته، صح، تحبون عزيزة ،صح، تتغزلون ليلا نهارا بجمالها، صح، لكن أن تحولوا حبكم وغزلكم إلى عمل على الأرض كما يفعل مثقف غرامشي العضوي، فهذا – معذرة- بعيد عنكم!
أنتم جمع كسالى لا ينتج إلا التعب!
أطفالنا لا يقرأون لكم، لا في الكتب ولا عبر الشاشات، وشبابنا معرضون عنكم، والكبار في مجتمعنا الشرقي الفتي، يقلّون، يقلّون، وسينقرضون!
– وما الحل برأيك؟ فكرتك عن المكتبات لوحدها تبقى ناقصة.
– اتجهوا إلى الشاشة تحولوا من الذهني الى الحسي ومن استحضار القارىء إلى التفكير بالمشاهد، وإلا، فستبقون ،انتم، هناااك، في جزيرة الفكر – كما سماها شريعتي – والمجتمع أغلبه أو كله، هنا على الشاطيء، بعيد عنكم، يمارس حياته مشغولا عن قصائدكم ونصوصكم بهمومه..
وانتم، تنظرون إليهم، ترونهم من جزيرتكم النائية صغارا!
وهم، من الشاطيء، يرونكم بدورهم صغارا !!
فمتى كل الذين كانوا صغارا يكبرون؟
متى؟
ذكرني بدرس القراءة الخلدونية(( إلى متى يبقى البعير على التل؟
يبقى البعير على التل إلى المساء..
سلمى طوت ردائي.))

مررنا بمقهى هادئة، فدخلنا، ثمة بعض المسنين ساكتين ،أحدهم كان يدخن النارجيل بصمت، حطّ كأس الشاي أمامي، وكنت أردد: سلمى طوت ردائي..
فضحك وقال : لكنك لم تطوِ ردائك بعد..
وكانت قطرات شاي لطّخت قميصي، فارتبكت..
– لا عليك، الشاي خمر الثوار كما قال ماو، احسو شايك قبل أن يبرد..
– نعم ، نعم لنرتشف خمر الثوار وننهض..
– كما قال ماو ها..!
– نعم، كما قال ماو.
وضحكنا خارجين.
=====

شاهد أيضاً

المرآة والعري قراءة في رواية (ذهاب الجُعَل الى بيته)
د. قيس كاظم الجنابي

-1- ولد الدكتور فرج ياسين، في مدينة تكريت (ولادته 1946م) ،ترك الشعر واتجه صوب القصة …

شوقي كريم حسن: اسماعيل سكران… اطر السرد النفسية!!

*حين حطت عوالم السبعينيات من قرن المواجع، وقف الولد الواسطي يتأمل مايمكن ان يحدث من …

شكيب كاظم: أبو تمام وبُنَيَّاته في آفاق الكلام وتكلم النص

اعترف ابتداء، أنه ما أن أعارنيه أو أهدانيه، صديقي الدكتور قيس كاظم الجنابي، هذا الكتاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *