أ.د. إخــلاص بـاقـر النـجــّار : رصاصة في الرأس (8)

المشهد السابع عشر
يحتسي الإنسان كأس الحياة … والبشر اشتاتاً وكؤوسهم مبعثرة … مختلفة باختلافهم … كإختلاف الحشرات في الكون … منها النحلة التي تمتص رحيق الزهور وتدس أنفها في وريقاتها متنفسة الصعداء … لحياة هانئة سعيدة مطمئنة … ومنها الذبابة التي تتغذى على النفايات وتمتص حتى الغسلين … فتراها مبلدة الفكر تقف تحت المضراب … وتهوى في غور سحيق ليس له قرار …
تعالت أصوات البلابل والعصافير مؤذنة لولادة فجر جديد … وتشتت ظلمة الليل الحالكة … كما يولد الربيع بعد موت الخريف …اليوم استيقظ بارق باكراً … فتح عينيه على الضوء الذي تسلل إليه عبر نافذة غرفته المسدولة الستار … دعك عيناه بمقبض يديه وتثاءب على الرغم من انه قضى الليل كله نائماً … بعدها قفز من على سريره الخشبي وبكل نشاط هابطاً بقدميه في مداس أحمر … متوجهاً نحو النافذة … رافعاً الستار المسدول وفاتحاً النافذة … استنشق هواء نقياً مفعماً بأريج الورود المنبعث من الحديقة … ثم مشى خطوات صوب الباب وضع يده على مقبض الباب وفتحه خارجاً متوجهاً إلى الحمام … وهو يضع المنشفة حول عنقه … فتح الصنبور فتدفق الماء قوياً … ثم راح يغسل وجهه ليدفع عنه بقايا رقاد طويل قضاه ليلة البارحة … ثم راح يفرش أسنانه بعدها عندما انتهى من الغسل … مسح وجهه ويديه وراح يطالع وجهه في المرآة … وهو يصفف شعره المسترسل البني اللون … ثم توجه نحو المطبخ ليعد وجبة الفطور ليباغت والدته بذلك … لأنه في الحقيقة اعتاد على ان توقظه أمه حيث يجد الفطور جاهزاً … قبل ان يدخل المطبخ … اتصل بصديقه هاشم ليوقظه صباح الجمعة وليذكره بالموعد اليوم … وبعد ان انتهى من إعداد الفطور … راح يرتب الأكواب المليئة بالحليب اللذيذ الساخن … والأطباق المليئة بقطع الجبن الأبيض … وطبقاً أخراً فيه بيض مسلوق وقد نثر الزيتون بين ثناياه … وسلة جميلة صغيرة كانت قد صنعت من الخوص لأقراص الخبز … بعدها وضع إبريق الشاي وقنديلاً فيه سكر ايضاً على طاولة المائدة … ابتعد قليلاً وراح يرقب المائدة هل ينقصها شيء … أ … نعم … نسيت … ماما اعتادت دائماً ان تضع حتى الماء … ثم قال … بعد ان قلب شفتيه أنا رب أسرة ناجح … وبينما هو كذلك إستيقضت أمه خارجة من غرفتها … فوجئت ان ولدها قد سبقها في إعداد الفطور … غمرتها فرحة كبيرة وقد طغت البسمة على شفتيها … وشعور جميل …
جلس الأبوان مع بارق حول المائدة (الفطور) وكالمعتاد الحوار الجميل يدور بينهم عند كل حين … وقد اجمع الأبوان على ان بارق يجمع بين خصلتين جميلتين وهما جمال المنظر المسند بجمال الجوهر … والنظرة الثاقبة للأمور وروحه الموسيقية المحبة للوجود ولكل الناس …
الأب : أنت في نهاية الفصل الدراسي الثاني الآن والحمد لله … متى ستشتري ما تبقى من مستلزمات ؟
بارق : اليوم ان شاء الله … وقد اتفقت مع هاشم … لديه بعض الالتزامات … يكملها ثم نلتقي في سوق الزهور الساعة العاشرة ان شاء الله تعالى …
الأم : كل شيء جهز أجود تجهيز … خلا بعض الصغائر التي تعلق للزينة ليس إلا … وقد فضّل بارق ان يشتريها بنفسه وعلى الذوق الذي يرتئيه هو مناسباً … والذي يناسب ذوق طيف … وأتمنى أن يتقن التبضع ولا يرجع لي بخفي حنين .
بارق ضاحكاً : اعتمدي عليّ وسترين كيف ان لذوقي طعماً ولوناً ورائحة … وسأفاجئك بمفاجأة … سأشتري لك شيئاً … ثم نهض بارق متوجهاً نحو غرفته وبعد ان استبدل ثيابه … التقط ساعته الفضية الجميلة من فوق المنضدة ووضعها في معصمه الأيسر … ثم قال ها قد انتهيت سأذهب الآن … هل تأمران بشراء شيء أخر .
الأم : لا حبيبي اشترِ مستلزماتك فقط وإياك والتأخير سننتظرك على الغداء … رافقتك السلامة …
بارق : حسناً … مع السلامة … مشى خطوات سريعة حتى وصل الشارع الرئيس … عندها ارتقى سيارة أجرة وراحت تمشي به والشوارع تعج بزحمة السيارات .
هاشم كان متهيئاً للخروج لانجاز عمل بسيط كلفته والدته به … ثم يلحق ببارق في المكان الذي أتفق عليه معه … لكنه اليوم منزعجٌ ايضاً … بسبب الكوابيس التي ما فتئت تحاصره في نومه … وبينما هو يريد الخروج … باغته إلهام لقصيدة تساقطت حروفها على مسامعه قبل ان تجسّد على الورق … مما دعاه إلى العودة والجلوس على كرسيه خلف المكتب والكتابة قبل ان ينطفئ ومض الإلهام …

قف أيها الطائر الجريح لا تتقدم
أمامك رمسٌ عميقٌ ودمٌ وعلقم
قف مكانك لا تخطو فالنار
فاغرة فاها لإلتهامك وإلا ستندم
لا تخطو أي خطوة فالأبواب مؤصدة
بقفل عتيد ومحكم
أيها المهاجر عد من حيث أتيت
فهناك طيور ومعها ترنم
عد إلى أعشاشك عد إلى أفانينك وغرد
خيراً من ان تبقى وتسقم
طر إلى عنان السماء وغني
للحب والحياة ستعطيك بلسم
أرجوك لا تأتي اسكن مكانك
لان خافقي مكلوماً ومنه ستكلم
مدّ جناحيك وحلق في الأثير
لعل الحظ يصافك بمن هو اعلم
قف أيها الطائر الجريح لا تتقدم
أمامك رمسٌ عميق ٌودمٌ وعلقم

خرج هاشم متوجهاً إلى السوق نظر إلى ساعته ثم قال سأذهب إلى بارق أولاً … ثم انهي العمل الذي كلفت به بعد ذلك … خرج بسرعة واستقل سيارة أجرة … وطلب منه بلطف الإسراع على الرغم من الازدحام الماثل للعيان …
لم تبق إلا خطوات حتى أخرج بارق مبلغ الأجرة من جيبه وأعطاها والابتسامة مرتسمة على شفتيه … ثم نزل في الشارع الرئيس المؤدي إلى سوق الأزهار … مشى خطوات في الشارع ثم صعد الرصيف حيث المشاة … ثم لامس جيبه ليتأكد من انه لم ينس النقود التي سيشتري بها … وقف قليلاً وهو يرنو إلى زحمة السوق المزعجة والصياح المتعالي للباعة … كانت نظراته قلقة … تنفس الصعداء ثم واصل خطواته إلى داخل السوق … وبينما هو في طريقه شاقاً الزحمة … كان في السوق رجال شرطة … وبأيديهم السلاح من الجهة المقابلة يركضون محاولين مسك احد اللصوص … وراحوا يطلقون الرصاص هنا وهناك وهم يركضون وراءه غير مكترثين بزحمة السوق … عندها رشق إلى ساعته بنظرة قلق على هاشم وسط هذه الأجواء فإذا بها الساعة العاشرة بالضبط …. وبينما هو يجد في سيره رافعاً قدمه اليمنى وقبل ان يضعها على الأرض … ضحكت خفافيش الأسى …
المشهد الثامن عشر
يواصل بارق خطواته قلقاً إلى حيث سوق الزهور … وبينما هو يجد في سيره رافعاً قدمه اليمنى وقبل ان يضعها على الأرض … فإذا برصاصة مجنونة أطلقها أحد رجال الشرطة على اللص أخطأت الهدف …. وأصابت رأس بارق … الله أكبر … تناثرت الصور الفوتغرافية على الفور صور الأحبة … بارق … ذويه … طيف … وقبل ان يسقط على الأرض … صاح …. هـــــــــاشــــــــــــــــــــــم … أدركني … كانت الساعة العاشرة وخمس دقائق … سقط أثرها أرضاً وراحت الدماء تتصبب على وجهه الجميل واصطبغت ثيابه باللون الأحمر … تجمع الناس من حوله بأسى وحزن شديدين … غير ان ملامح وجهه لم تكن بادية للعيان لأنه سقط على وجهه دون حراك .
اضطرب السوق وازداد الأجيج وكلٌ ترك دكانه وجاء ليحتسي كأس الأسى على هذا الذبيح المجهول …. وقد تعالى التوبيخ على هذه الرصاصة الملعونة واليد الطائشة غير الكفوءة التي أطلقتها … ومن بين زحمة متباكية وشرطة أغبياء … ومن بعيد … لمح هاشم … القتيل … يرتدي ملابس تشبه ملابس بارق … يا لهول ما رأى وكأن زلزال حدث تحت أقدامه … يركض وكأنه يراوح مكانه … لا يصل …. وما ان وصل … وثب عليه منكفئاً كالموجة العارمة … قلبه على وجهه … ثم صرخ باكياً … كصرخة جلجامش على صديقه أنكيدو …. وهو صارخاً … يسأل الوجوه التي تشاركه الأسى … من فعل هذا … كيف حصل … الله أكبر … هل أنا في كابوس … ثم راح يقبله باكياً … ثم وضع أذنه على صدره محاولاً سماع قلبه … لا يعرف وسط هذا الزلزال كيف استطاع أن يسمع نبض قلبه … عندما تشبث برقبة احد رجال الشرطة صارخاً … انه حي انه حي اتصلوا بالإسعاف يا مجرمين اتصلوا بالإسعاف …. انه حي لم يمت …. وفي هذه الأثناء وصلت سيارة الإسعاف … كانت قد استدعيت لحظة الحادث … وضعوه على النقالة ورفعوه من على الأرض وادخلوه إلى سيارة الإسعاف … وهاشم لم يكف عن البكاء … ثم اخرج نقاله واتصل بأخيه وطلب منه ان يلحقوا به في المستشفى العام في المدينة …
سارت السيارة في مشهد كئيب … وهي تصرخ بصوتها المرعب والمصباح الذي وضع في قمتها يدور بلا انقطاع …بلون الخطر … حتى دخلت المستشفى … وسرعان ما أنزلوه … حتى أسرعوا به إلى حيث صالة العمليات … كمحاولة لإستخراج الرصاصة الطائشة من رأسه … على الرغم من أن مثل هذه العمليات قليلة النجاح شديدة الفشل … وهاشم لم ينفك باكياً وبذهول … حتى ان بعض العاملات في المستشفى تأثرن عليه وشاركنه البكاء … والساعة الآن الحادية عشرة …
أم بارق : أحسست بوخزه قوية في قلبي .
أبو بارق : سلامتك … لعلها وخزه عابرة … لا تهتمي …
أم بارق : أرتفعت حرارة الشمس والسوق الآن حرها قائظ جداً .
أبو بارق : لا تقلقي عليه … هو رجل ويحسن التصرف … ثم ان السوق كبيرة وسلعها وفيرة … وهو الآن ينتقي ويتخير … على أذواق الشباب …
أم بارق : يا رجل أقول لك اشعر بانقباض في قلبي وأنت تبتسم …
أبو بارق : لا اله إلا الله … ماذا دهاك … يا امرأة ثم إني قلت لك مراراً وتكراراً انه رجل ولم يعد طفلاً صغيراً حتى تخافين عليه … ثم ادخل يده في جيبه ليستخرج النقال … قائلاً لنتصل الان ونطلب منه ان يستعجل في رجوعه … رن نقال بارق … وهو بيد هاشم … ورأى الإسم بابا يتصل … لم يستطع الرد … توجه نحو الأم قائلاً رن النقال لكنه أكيد لم يسمعه … وسط ضجيج السوق … وما هي إلا لحظات حتى سمع الأبوان جرس الباب … فقال .. ها .. هاهو في الباب … وضع نقاله على المنضدة ثم توجه تلقاء الباب … ليفتحه … فإذا به … والد هاشم … جاء … ليبلغه بالخبر الكارثة … ويستصحبه إلى المستشفى … وطلب منه ان يتماسك أعصابه فهو المؤمن … القادر على تحمل البلاء … ولعل الهم يتبدد … وترجع السعادة من جديد … حتى وان رجعت كسيحة على عكاز الأسى … خير من الموت …
الأب : ماذا قال هاشم …
أبو هاشم : إصابة بسيطة في قدمه … وهو الآن في المستشفى …
أبو بارق : وعلامات الأسى ارتسمت على وجهه …
أم بارق : ماذا … حصل … من الطارق …
أبو بارق : رجل بارق التوت في السوق … وأخذه هاشم إلى المستشفى … وسأذهب الان … لإحضاره ….
أم بارق باكية : يا ألهي … لقد اعلمي قلبي … دعني اذهب معك …
أبو بارق … كلا ابقي هنا … سأذهب أنا … ولا أعود إلا معه … فقط أنت اطمئني … ثم خرج مسرعاً … برفقة أبي هاشم … وبقيت هي بمفردها تقاسي القلق … الذي يصهر الروح في قارورة الجسد …والهواجس تصول وتجول في مخيلتها … وكان في رأسها كاميرا رقمية سريعة الالتقاط … قد يكون تعرض إلى كذا … إلى كذا…الخ … لماذا لا يرد على الهاتف … وكل هذه الصورة التي التقطتها مخيلتها … تهون عن الصورة الحقيقية التي هو فيها الان … ثم اتصلت بأخيها وإخوة يوسف وطيف كي تبلغهم بالخبر ويلحقوا بيوسف إلى المستشفى …. وبينما هي على هذه الحالة … طرقت الباب أم هاشم جارتها جاءت لتشاطرها المصيبة … والحزن متوسد على كل ملامحها … لكنها تعلم ان الأم … لا تعرف بحقيقة النبأ …. دخلت وراحت تحاول المؤازرة لكن حزنها مفضوح … ولا تنكف عن تذكر وتصور بارق وهو صديق أولادها منذ الطفولة … إذ كيف لهاشم ان يتحمل هذا النبأ الثقيل … والأمل ضعيف في سلامته … إلا بمعجزة إلهية تقدّر في حقه …..
وحال وصولهم المستشفى …. ولأقدامهم وقع … وبعد اجتيازهم الاستعلامات … توجهوا إلى حيث بارق … حيث الرزية اكبر عندما رأى هاشم يبكي واقفاً مسنداً ظهره إلى الحائط قرب صالة العمليات … وحالما رآه هاشم أسرع نحوه وضمه وهو ينشج …
أبو بارق : تشمعت قدماه وارتعد قلبه … يبدو ان الرزية اكبر مما سمعت …
أبو هاشم : نعم إنه في صالة العمليات الآن ( وقد تعرض لكذا وكذا ) ، وحالما سمع ذلك اختل توازنه … وكاد ان يقع لولا ان أسندوه … ليجلس على أحد الكراسي … وغلبه البكاء … لا حول له ولا قوة غير الابتهالات للخاق عله يتلطف به … وينجو أبنه … من هذه المصيبة …. لحظات … حتى امتلأ المكان بأقاربه وأصدقائه وكل شخص يحضر يطلب معرفة القصة من البداية … ويبدأ هاشم بسرد القصة وهو باكياً غير مستوعبٍ للحدث … ثم يستطرد قائلاً … كلما تراءت لي رؤيا تنذر بالخطر حدثته عنها … لكنه … يخفف عني … ويسفه الأمور … كنت خائفاً على نفسي … ويا ليتني … استطعت ان أحميه بنفسي … تأخرت عليه خمس دقائق فقط … حصل الحادث الساعة العشرة … ورجل الشرطة الآن في الحبس ….

…. يتبع

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *