الرئيسية » ملفات » أحمد الحسو : من مذكراتي .. الجواهري والموصل (ملف/53)

أحمد الحسو : من مذكراتي .. الجواهري والموصل (ملف/53)

إشارة:
مرّت ذكرى رحيل شاعر العرب الأكبر المُعجز محمد مهدي الجواهري يتيمة إلّا من لقطات صغيرة هنا وهناك. وقد تكون هذه هي الخطوة الأولى على طريق النسيان التام وفق ستراتيجية الحياة في هذه البلاد التي تأكل أبناءها. تتشرّف أسرة موقع الناقد العراقي بنشر هذا الملف عن الراحل الكبير متمنية على الأحبة الكتّاب والقرّاء إغناءه بالدراسات والبحوث والمخطوطات والصور والوثائق.

من مذكراتي
الجواهري والموصل
بقلم : احمد الحسو

كان اول لقاء لي بالجواهري في نقابة الصحفيين في بغداد في ستينات القرن الماضي عندما
سلمني كتابا بتوقيعه يوافق فيه على منحني امتياز جريدة باسم ( الاحياء )* …لم يكن رد فعلي على ذلك ليوازي فرحي بلقاء هذه القامة الشعرية الكبيرة
اما اللقاء الثاني فهو لقاء له قصة ..
كنت سنة 1981 مكلفا من رئاسة جامعة الموصل بالاتصال بالشخصيات الادبية والفكرية ودعوتهم للمساهمة في الموسم الثقافي للجامعة والذي كنت اتولى مسؤوليته وكنت تواقا الى ان يكون شاعر العرب الاكبر في مقدمتهم..
لم يكن اقناع الجواهري بتلبية الدعوة امرا سهلا فهو لم يزر الموصل من قبل ولم يكن على معرفة بمدى عشق الموصليين لشعره.
جازفت بالاتصال به في بغداد وغادرت الموصل اليها حسب الموعد الذي حدده لي
كان الرجل كريما وكان مضيافا ..كان كل ما حوله في داره عفوي وكان اعظم ما فيها هو الشاعر نفسه .. احسست بكل قصائده تحلق في فضاءات المكان…
سالني كثيرا عن الموصل وجامعتها ، لكنه لم يعطني وعدا بتلبية الدعوة وترك الامر مفتوحا.
اعدت الكرة ثانية بعد اسابيع وكان عوني هذه المرة الاستاذان الجليلان الدكتور علي جواد الطاهر والدكتور مهدي المخزومي ..
كانت علاقتي باستاذي الكبيرين عميقة وكانا متحمسين لفكرة الدعوة كحماسي لها .. .ذهبنا مجتمعين الى بيت الشاعر الكبير، وحضينا بكرمه ثانية .. تحدثت له عن جامعة شابة مفعمة بالحياة وعن مدينة يتفتح قلبها وربيعاها الى الشعر وانها تواقة لرؤيته والاستماع اليه.
وافق الرجل على تلبية الدعوة ولكنه وضع امامي شرطين اولهما انه يحتفظ بحقه في الغاء اية فقرة في برنامج الزيارة متى شعر انها لا تنسجم معه وثانيهما ان نقوم باعادته الى محل اقامته في دار ضيافة الجامعة متى شعر بالحاجة الى النوم.
كنت اشعر ان في ذاكرة الجواهري قدرا من الحذر في رحلته الى الموصل فجاءت شروطه هذه لتضمن له الحرية التي يهوى، والجو الذي اعتاده وهو يعيش عوالمه الشعرية.
وصل الجواهري الى الموصل واقام مع الاستاذين الطاهر والمخزومي في المركز الثقافي لجامعة الموصل ضيوفا كراما على جامعتها..
اسره منظر دجلة الحالم وانحناءاته ..واغتبط بالتفاف الادباء والشعراء حوله .
كانت السعادة طاغية عليه طوال الرحلة حتى انه لم يطبق شروطه التي اشترطها عليّ الا مرة واحدة عندما قطعنا مسافة طويلة للوصول الى احد المعالم لزيارته فاذا هو يقول ونحن نهم بالنزول والمستقبلون مهيأون لاستقبالنا : جاء وقت النوم . عندها تحرك بنا سائقنا الوديع الحاج علي الى المركز الثقافي بسلام .
كانت امسية ام الربيعين في المركز الثقافي للجامعة من اجمل ما اعطته هذه الزيارة الكريمة ؛اعني الامسية التي ولدت فيها الابيات الثلاثة الاولى من قصيدة الجواهري عن الموصل والتي يقول فيها:
أمَ الربيعين ، يا من فقت حسـنهما
بثالث من شـباب مشـرق خضـلِ
يا موصل العرق من شرق تمد به
للغرب حبلاً ، بعرقٍ منـه متصـل
أم الثغور التي ناغى ملاعبها
رأدُ الضحى وشموس الخلق في الطَّفَلِ
كانت زيارة الجواهري للموصل حدثا كبيرا لا اود ان اقول فيه اكثر مما قلت وساترك لهذه الصور ان تتحدث عنها كما ان في جعبة الاعزاء من ادباء الموصل الكثير الذي يمكن ان يقولوه .

*عن موقع الأستاذ أحمد الحسّو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *