الرئيسية » ملفات » قاسم المعمار : روافد إستذكارية في حياة الجواهري (ملف/50)

قاسم المعمار : روافد إستذكارية في حياة الجواهري (ملف/50)

إشارة:
مرّت ذكرى رحيل شاعر العرب الأكبر المُعجز محمد مهدي الجواهري يتيمة إلّا من لقطات صغيرة هنا وهناك. وقد تكون هذه هي الخطوة الأولى على طريق النسيان التام وفق ستراتيجية الحياة في هذه البلاد التي تأكل أبناءها. تتشرّف أسرة موقع الناقد العراقي بنشر هذا الملف عن الراحل الكبير متمنية على الأحبة الكتّاب والقرّاء إغناءه بالدراسات والبحوث والمخطوطات والصور والوثائق.

روافد إستذكارية في حياة الجواهري

قاسم المعمار

لا اطيق محبة استذكار سنوات الرحيل لأني أخاف اليأس من الحياة .. وهذا مشفع لي ان أبدأ بإيقاد شموع الوفاء امام رمسك الحزين .. تجلي للطارقين عن رحيلك لعلياء السماء حاكية للزمن عن غريد الصبا وعاشق الهوى ومولع الوطن ومجد أمة في تراثها .. لم ولن يغفو الجفن ويسكت القلب ويختل العقل وتتشرنق الأكف .. انتَ عامرة النفوس في مناجاة اخي جعفر ومبهور يادجلة الخير..

ان اطلالاتك الجميلة كانت بسمات حديث الشعراء والعاشقين عبر لقاءاتهم العفوية كلٌ يدلو بغرائد عبقة من قانطات قلوب المحبين كانت احداها ما جمعتني قبل سنوات وشلّة من الاعلامين والأدباء واذا بالاستاذ فرات الجواهري طل علينا بشكل لم نعتده سابقاً لوحة اسى واستغراب ترتسم ملامح بشرته سوأل ماذا حصل؟ هل الوالد بخير؟ أجاب نعم … ولكن لم اصدق نفسي .. أهكذا تدور الأمور .. وسط صمت ساد الحضور .

انتم تعرفون الشاعر الجواهري (والدي) قد وصل دمشق حيث اجري له استقبال رسمي وشعبي حافل وعزف النشيد الوطني .. ثم اقلته سيارات خاصة مرافقة له الى منتجع سياحي كامل المواصفات والخدمات لراحته في ضواحي دمشق الجميلة .

ويستطرد بالحديث … كنت اتطلع شخصياً ان تكون بغدادنا حاضرته الاخيرة من حياته فكانت هذه الأمنية حلماً يختمر في خاطري وفعلاً استطعت ان اوصلها القيادة عن طريق وزير الاعلام وكان ظني في غير موضعه ، اذ رشح شخصان بالذهاب الى الشام ولقاء شاعر العرب والطلب اليه باسم الحكومة العراقية العودة معهم الى بغداد .. كي يكون مرتعه وبقية حياته هنا … آهة صعدت علياءها صدر (فرات) وهو يجرها حسرة ولوعة.. ياجماعة لابد ان تلتقي هذه الشخصية الكبيرة رموزاً أدبية تليق بمكانتها ، كنت ارنو الى الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد والشاعر عبدالوهاب البياتي والاستاذ رشيد العبيدي والفنان يوسف العاني وآخرين .

خبر محزن

ان هذا الخبر كان محزناً وقلقاً لوالدي حينما التقيته كان يندب حظه عكس ما كان يرويه بأعتزاز عن كرم وحفاوة وضيافة الحكومة السورية له مما جعله يصر على البقاء هنالك حتى آخر ايام حياته .

هذه تروية قصيرة لكنها ذات دلالات يحسب لها حساب على طريق احتضان ابناء الوطن ورعايتهم وكم من امثاله طوتهم مقابر الغربة تهمشوا بل اذابوا في مسالك النسيان … فعلاً كانت لهذه الحكاية أثرها الاحباطي لدى الحضور.. من يكن هذان الشخصان بمصاف هذا العملاق الأديب العربي “الجواهري” .

قصة اخرى رويت لي بل طالعتها في مطبوع توثيقي عن حياة شخصية ساطع الحصري الذي اهداني اياه الصديق الباحث الآثاري والتاريخي الدكتور صلاح رميض الجبوري ومفادها ان الحصري قد امتنع اكثر من مرة عن التوقيع على نقل المعلم محمد مهدي الجواهري من النجف الى بغداد لسبب مجهول مما أدى الى نشوب حساسية بينهما .

كنا نتمتع ايام الستينات مرحلة الدراسة الثانوية في قضاء الهندية بصوت استاذنا الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد وهو يترنم منشداً رثائية شاعر العرب الكبير محمد مهدي الجواهري لإستشهاد اخيه جعفر.. كان يلهب فينا حماسة ومشاعر حب الوطن ومجد الأمة.. كنا شغوفين بروائع ديوان الجواهري .. اما اليوم تسكن العبرات افئدتنا وتعتصر الدموع مقلتينا وجراحاتنا تنزف على تلك الرموز الوطنية التي باتت في مقابر الغربة لا دالة عليهم سوى صخرة منحوتة بأسمائهم تعلو سكناهم التراب بعيداً عن زيارة وطقوس المحبين ..

قد يقتل الحزن من احبابه بُعدوا

عنه فكيف بمن أحبابه فقدوا

وخير ما عبر عنه ما اخترته بحق هذا الشاعر العربي الكبير القول بـ(انه شاكر كلاسيكي احتكاماً لعمود الشعر .. أي للشكل ان الشكل ليس هو من يحدد المدرسة الأدبية بل المضمون .. ومضامين شعر الجواهري لاتؤطرها مدرسة فهو كلاسيكي الشكل رومانسي الأحاسيس واقعي التناول انساني النزعة عراقي الانتماء عربي اللسان والهوى ثوري المواقف ملتحم بقضايا شعبه وأمته والانسانية جمعاء مجدد ومطور في المبنى والمعنى ..) .

وهو المردد بيته الثائر ..

أتعلم ام انت لاتعلمُ

بأن جراح الضحـــايا فمُ

– لك المجد يابن النجف الأشرف وانت اليوم تحفو وتغفو بثرى دمشق الحبيبة زاهية بهذا النجم اللامع الذي احبها واحبته … فلقد فرشت حينما وطأت قدمه ارض مطارها سجادة الاستقبال للرؤساء والملوك اعتزازاً لهذا التشريف العزيز.. وأنت المحق بهذا لأنك شاعر العرب الكبير .

*عن صحيفة الزمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *