محمد خضيّر : القانون

في إطار التكريم المناسباتي، الأهلي والحكومي، نال الأستاذ محمود عبد الوهاب، المبدع العراقي الرائع،حظاً وفيراً من التقدمات والمكرمات، لم توفر له واحدة منها
استراحة هانئة يريح عليها جذعه النحيل، ورأسه المشيب،وعكازه الذي يحلق به فوق طريق مفروشة بالبيض  والكتب.وما دمت رفيق هذا الجمل الجميل، وعكازه الثاني،
أحاول هنا أن أخترع  مناسبتي الخاصة لتكريمه، وأمنحه قانوناً يشرّع له البقاء فوق الأرض المفروشة بالبيض والكتب، مئة عام زائدة عن الحاجة.
سأمنحك ـ يا صديقي ـ واحداً من أحلامي كنا قد زرنا فيه (مع عكازينا) مكتبة تبيع الكتب المستعملة لا غيرها على عوّامة في وسط النهر. عبرنا بزورق حديدي صدئ، جلس في مؤخرته صياد سمك قرب المحرّك المدوّي كطاحونة. ولما اقترب زورقنا من العوّامة، أطفأ النوتيّ المحرّك، وشاهدنا خدم المكتبة بانتظارنا على رصيف العوامة، فسحبوا الزورق بعصيّ طويلة تنتهي بكلاليب معقوفة، وربطوه بسلسلة إلى حلقة كبيرة.
   استقبلنا صاحبُ المكتبة الملقّب بالرفاعي، وانتقلنا بصحبة عدد من الباعة الظرفاء، قصار القامة، إلى دهليز من الرفوف الواطئة، يسيل الصمغ من كعوب مجلداتها كما يسيل من الأشجار المعمّرة. أنظرْ، هذه طبعات أُوَل من “سيرة السرطان” و”بيت السنانير” و”زقاق الحمير” و”امرأة الجاحظ” و”سرير النجّار”، أشار إليها الكتبيّ وقال إنها من تأليف الشخص الثاني الذي يلتحف باسمك ويدّعي خيالك المسروق، اشتراها منه بدراهم معدودة. لم تغضب واستبشرت قائلاً لصاحبك الرفاعي: “مئة اسم منحول ولا عدوّ واحد”.  ثم التفتّ نحوي وقلت: “لنأخذها يا محمد إلى البرّ. سندفع ثمنها مضاعفاً”. فصاح الكتبيّ مستنكراً: “أنسبتَ أنها لم تفقس بعد؟ رطوبة البحر ورياحه الملحيّة ركّدتْ بضاعتنا وأتلفتها. كتبنا لا تسافر إلى أي مكان، ناهيك عن قيود الحدود الجمركية. عُد ثانية لتختار ما يعجبك”. الباعة القصار كانوا يتقافزون من رفّ إلى آخر كالجرذان الجائعة، ويتفكهون ساخرين من رئيسهم الكتبيّ المترنح كسرطان هرم غادر اليابسة منذ سنين. “المعذرة. العوامة تتمايل، والكتب تسقط من الرفوف. عذراً، هؤلاء الخدم يخدعونني ويتهاونون في شدّ العوامة إلى المراسي”، صاح الكتبيّ في أثرنا.    هنا وجدنا نفسينا ندوس على عشرات الأغلفة والكعوب الجلدية المرمية على أرض العوامة المغمورة بالماء، وتعثّر عكازانا بجذور الطحالب التي عرّشت في عجينة الأوراق السميكة.خرجنا يحمل كل واحد منا مجلداً ضخماً ناقعاً من الماء، وساعدَنا الصيادُ المنتظر على ارتقاء الزورق، وارتمينا على أدوات الصيد المكومة في القاع. رجوتك أن تسمح لي بدراسة نصّ القانون المحفوظ في المجلدين، وأردفتُ صائحاً فوق صوت المحرك: “لا أعرف الوقت اللازم لتفتيش فقرات القانون، لكني سأبلغك بالنتائج حالاً بحال”. تجاهلتَ اقتراحي وقلتَ صارخاً: “هل سنبلغ البرّ أم أننا سنضيع كما ضعنا في السفرة السابقة؟”. تطلعتُ من بدن الزورق الصدئ، ورأيتُ حشداً من الناس يحمل الزهور بانتظارنا على الساحل.
   نسي محمود عبد الوهاب كل ذكرى عن مجلدَيّ (القانون) اللذين عدنا بهما من المكتبة النهرية، بينما عكفتُ على تمحيص الفقرات المنسوخة مراراً وتكراراً. كانت الفقرة الواحدة تُحوَّر وتُنقَل من مجلد إلى مجلد، لتخدم تشريعات زمن من الأزمان، وذهنية قوم من الأقوام. وكانت بعض الفقرات قد طمستها الرطوبة.
   الفقرة (5) مثلاً تنص على أن: “تُمنح أكثر من جنسية لأديب زمانه، لكنها قد تُنزع منه نهائياً حين يصبح مسافراً دائمياً بين مكتبة البرّ ومكتبة النهر، مكتبة السجن ومكتبة القصر، سجيناً أبدياً في حظيرة السنانير والحمير”، عبارة أعيدت صياغتها مرّات تحت باب (السفر) مع حواش وإضافات وتعديلات وأرقام.
   الفقرة (311) تنصّ تحت باب (الأجور) على أن: “يُعطى صاحب كل كتاب نقوداً تكافئ عدد صفحات كتابه”. و كُررت الفقرة مع تحديد نوع الكتاب وشكل العملة النقدية.        
   الفقرة (415) من باب (روح العصر): “يُسمح بنشر النصوص على الوسائل الإلكترونية باسم مستعار”. ثم  استُدرِك عليها بفقرة تلغيها وتستـــــــهجنها.
   الفقرة (707) من باب (التعريفات): “الأسطرة سيماء الأوقات الطارئة”. فيما كانت فقرات تعريف الاسم المستعار، وتعدد شخصية الكاتب، وزمنية الكتابة، وهجرة الأجيال، وسواها تنسخ ما قبلها من فقرات مماثلة، مجموعة تحت عنوان باب سابق من (القانون).
   كنا في حقيقة الأمر قد أحضرنا مجلدين اثنين فقط من مجموعة مجلدات (القانون) الضائعة في دهاليز مكتبة النهر. عندما أفضيت لصديقي محمود بهذه الهواجس، اقترح بدلاً من جهدي العقيم أن نؤلف كلانا رواية تفاعلية مشتركة بيني وبينه. ثم أردف: “هل وردتْ فقرة عن الروايات التفاعلية في قانونك؟”. قلت متأسفاً: “كل شـــــــــــــــــــــــــــــيء ولا شيء ينفع عملنا. إن اسم الهيئة أو المؤسسة القانونية التي تكفل لنا حق إذخار مشاريعنا مجهولة وغامضة المرجع هي الأخرى”.
 قال: “حسناً، لننه هذا الموضوع عند هذه النقطة. سنعيد المجلدين إلى مكانهما في العوامة”. لكن حلمي بالانتقال إلى مكتبة النهر لم ينقطع. وكنت أعثر في كل سفرة للمكتبة بزورق صيد الأسماك الحديدي على مجلّد آخر من مجلدات (القانون) وأحضره معي إلى البرّ.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : علامات الترقيم وفوضى الاستخدام.

علمتنا المدرسة، في زمن ما، الأمور ببساطة ودون تعقيد، وتخرجنا ونحن نفهم ما علمنا إياه …

| زيد شحاثة : قواعد الإشتباك في الزمن الأغبر .

يقصد بمفهوم ” قواعد الإشتباك” بأنها النظم أو الأطر أو المبادئ التوجيهية, التي يجب أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.