عبد علي حسن : الوعي بالكتابة وأسئلة النص في (جيم جديد) للقاص جابر خليفة جابر

الوعي بالكتابة وأسئلة النص
في ( جيم جديد )
للقاص جابر خليفة جابر
عبد علي حسن

كان سارتر محقا حين وصف الرواية الفرنسية الجديدة باللارواية في كتابته لمقدمة انتحاءات لناتالي ساروت ، اذ وجدها قد فارقت وتجاوزت كل الأنساق التقليدية والإستهلاكية للرواية منذ ظهورها كجنس فني في القرن الثامن عشر ،ومنذ منتصف القرن الماضي وحتى بعد انتهاء مشروع الرواية الفرنسية في 1964 ، فإن فتوحات سردية مضافة الى ماافتتحته الرواية الفرنسية اسهم في تحقيقها روائيو العالم ، كما وظهرت انواع روائية جديدة اعتمدت تقنيات سردية جديدة منتجة ومستنبطة من اهم موجهات الرواية الجديدة وهو الوعي بالكتابة ، فكانت الميتافكشن / الميتاسرد محاولة للكشف عن وعي وتفكير النص بذاته ، فدخلت هذه التقنيات والموجهات الى بيئة السرد العربي والعراقي تحديدا منذ ستينيات القرن الماضي التي شهدت نموا فنيا للسرد العراقي تجاوز سريعا كل ماانجزه السرد العراقي الذي بدأ مشواره منذ ثلاثينيات القرن الماضي ، وتسارع الدم الجديد ليسري في عروق السرد العراقي حتى تمكن كل جيل من ترك أثر واضح وممهد لخطوات سينجزها الجيل اللاحق وصولا الى سرد مابعد 2003 الذي شهد اجتهادات واضحة على صعيد الرواية والقص على الرغم من بقائه في منطقة الوافد من الآخر مع ملاحظة محاولات عدد من الروائيين والقصصاصين لإنجاز نص يمتلك التجاوز والجدة في الإفادة من طروحات نص مابعد الحداثة لإغناء ذائقة المتلقي المعرفية والجمالية ، ولعل من بين هؤلاء الروائيين والقصاصين القاص جابر خليفة جابر الذي يحرص على تقديم تجاربه الروائية والقصصية وفق مبدا تجاوز الذاتي ليحوز كل منجز على درجة متقدمة على المنجز السابق اولا ومتجاوزا لما ينجز على صعيد المنجز الموضوعي السائد في المشهد السردي العراقي ، اقول ذلك وأنا انتهي من قراءة التجربة الجديدة له في مجموعته الجديدة (جيم جديد) اصدار دار أمل الجديدة / دمشق 2017 التي حملت توصيفا اجناسيا (قصص) ، وقد حرص فيها على ان يؤكد تجريبيته ليتجنب الوقوع في شرك النمطية التي لم يتمكن عديد السرديين العراقيين من تجاوزها.
عمد القاص جابر خليفة جابر في مجموعته التي ضمت خمس وعشرين قصة أراد لها أن تكون محض سرد بمعناه الشامل الذي يتخذ من الرسائل والحكاية مبنى ينأى فيه عن تقليدية الحبكة السردية والتخيل الخالص الى تأكيد الوعي بالموجه الأساس لثيم نصوصه على الرغم من عدم خلوها من تخيل انصرف الى استدعاء شخصيات تأريخية وأخرى روائية معروفة وأخرى شعبية ليمزج بين الماضي والحاضر عبر مسائلة يقينية وفكرية لوضع المثقف العربي والعراقي على وجه الخصوص في مجتمع بات على حافة الانهيار ان لم يكن قد وقع فيه ، وبهذا الصدد يتبدى أثر المضامين الجديدة التي افرزها الواقع العراقي كمخرجات اجتماعية تستوجب التفاعل معها وانجاز نصوص تتماهى وتلك التحولات عبر اسلوبية تجريبية تتخذ من السرد ذريعة لتقديم نص مفكر يجعل المتلقي في منطقة التأمل

يقدم القاص جابر خليفة جابر تصورا يضع فيه الحكايات والرسائل ضمن المفهوم الكلي والمتسع للسرد بعده إخبارا ، ويضع لهذا التصور ملاحظة احتلت عتبة ثانية لمجموعته بعد عتبة العنوان ( انما السرد حكاية .. وروح الحكايات ، الرسائل ! ) ولعل مفهوم الرسائل التي عدها روحا لتلك الحكايات انما هي الخطاب المعرفي الموجه للمتلقي ، وهذا ماتشدد عليه الجهود الحديثة لإعتبار النص حقلا معرفيا ينفتح على آفاق وابواب معرفية ممتدة بإتجاهات مختلفة تأريخية وفلسفية واجتماعية ينسجها خطاب جمالي بأساليب معاصرة محايثة لما يستجد من تقنيات ورؤى جمالية متجاوزة ومجتهدة تتخذ من الحرية وإمكانية خرق المألوف هدفا ليس نهائيا وانما خطوات تجريبية تؤسس وتؤثث صيرورتها المناسبة والمتفردة ، وإزاء هكذا فهم وتصور يستدعي القاص لرفد نصه معرفيا جملة من الشخصيات الراكزة في ذاكرة المتلقي ، ينطلق من مكونها المعرفي والجمالي ليقدم تصورا جديدا للمشكلة التي يتبنى النص معالجتها ، ففي نص ( إزار كلكامش) دخول الى وضع السرد العربي والعراقي خصوصا وتبعيته لما ينجز في بيئة الآخر منتظرا مايستجد هناك ليستنسخ هنا ، ولعل الإشارة الى كلكامش تتخذ منه ذريعة معرفية لما انطوت عليه ملحمته من ثيمة لاتزال تفعل فعلها المستمر عبر الأزمان وهي البحث عن الخلود بعد معرفة المصير المحتوم للإنسان في الأرض وهو الموت والفناء ، وماتوصل اليه كلكامش في بحثه هذا وهو ترك الأثر بعد الموت ، يدفع بإتجاه تخليق الجديد في المنجز السردي تحديدا دون الخروج من معاطف السرد العالمية ، سيما وأن ماسبق وان انجز من سرد في التراث العربي ، ( الف ليلة وليلة ، كليلة ودمنة ، مقامات الحريري والهمذاني، حي بني يقضان ورسالة الطير …) وسواها من الأشكال السردية التي ظهرت وتخلقت بعيدا عن معطف الآخر، وفي هذه الإشارة دعوة الى التمرد على حالة السكون والشعور بالإخصاء الذهني الذي يشعر به العرب منذ افول نجم الحضارة العربية والاسلامية عام 656 هجرية ودخول هولاكو بغداد ، فقد تم معالجة هذه الموضوعة المتعلقة بصيرورة المنجز السردي العراقي وتخليق الجديد عبر نسيج سردي تداخل فيه شخصيتان ومن خلال حدث بسيط هو الانتقال نهرا من الفاو الجنوبي الى العشار حيث يلوح في نهاية سيرهما النهري ليلوح لهما تمثال السياب في اشارة الى ماقام به من تجديد في الشعر العربي والى امكانية اختراق العراقي وخلعه معاطف الآخر الثقيلة .
وفي نص ( ساعي بريد ) يقدم القاص تصورا لمفهوم ساعي البريد ليوسع من دائرة شمول الافعال الانسانية لتصب في مجرى التواصل الانساني عبر فعل بائع الصحف الذي توقف القاص وصديق له عند كشك ناصر لبيع الجرائد لينطلق من هذا الفعل لناصر الى الكشف عن فاعلية منطقة العشار بعدها منطقة تشع وتبعث الرسائل الى اصقاع الارض عبر بواباتها الاربع لينتهي القول الى ان البصرة ساعي بريد ، وليصل بهذا المفهوم الى اعتبار كل خالق ومبدع دون الله انما هو ساعي بريد ، ولعل في تكثيف مهمة المبدع الى هذا الهدف النهائي للمبدع انما هو مهمة لايمكن الابتعاد عنها في تكريس مهمة المبدع ايا كان مجال اختصاصه ، فهناك دائما رسالة ما يتكفل النص بعده وسيلة وغاية في ايصال رسالة المبدع ، وباختلاف الأزمنة والأمكنة لم يكن المبدع سوى ساع لايصال رؤيته وموقفه الفكري والجمالي عبر رسالته الإبداعية ، على أن وجود الموهبة في ذات المبدع ليست كافية لتكوين وجهة نظر معرفية وجمالية تحملها الرسالة الإبداعية وانما هنالك ضلعان آخران يكونان مع الموهبة المثلث الإبداعي وهما البحث المستمر والاستزادة المعرفية والثقافية التي شبهها بالمياه الجديدة التي تجري في نهر البصرة ثانيا والأخلاق المعرفية الضرورية لتخليق شخصية ابداعية متشحة بالمعارف الانسانية والقيم النبيلة كيما تكون الرسالة صادرة عن نفس مالكة لكل مقومات الشخصية النموذج وكيما تكون تلك الرسالة ذات فعل انساني مؤثر في رفد القيم والمنظومات الانسانية في المجتمع بمياه جديدة تسهم في تجديد المجتمع وخلق مقومات نموه وتقدمه ، لقد كانت هذه المنظومات التي اوردها السارد كلي العلم مع صاحبه ذات وعي معرفي احيطت بإطار سردي شكلت خطابا متجاوزا لبنية النص السردي الحائز على مواضعات تقليدية تقف عند حدود الاخبار عن احداث وشخصيات قد تقترب من الواقع او تبتعد عنه الا انها لم تخرج عن مألوفية الخطاب السردي ومكوناته ، لذا فقد امتلكت بنية هذا النص وعيا موجها الى المتلقي لوضعه في منطقة التأمل والحوار لما يبثه من رسائل معرفية ، ومبتعدا عن التماهي استهلاكيا مع النص ، فقد دخل النص الى منطقة الماوراء السرد وإن تبدى على نحو واضح البناء التخيلي لحدث عد ذريعة لبث جملة من المعارف ووجهات النظر تحاور المتلقي لتؤكد سردية النص بعده إخبارا ولكن من نوع آخر احتل فيه الوعي بالكتابة منطقة المهيمنة لإكتساب طابعه السردي المغاير والمختلف.

ويستمر القاص جابر خليفة جابر بلعبته السردية في نصوص مجموعته موضوع البحث ليشرك المتلقي في نسج رؤيته المعرفية عبر وضعه في منطقة الحوار والتأمل من دون ما يوقعه في الإيهام او تقمص أحدى شخصيات النص ، ففي نص ( عقدة ساليري ) يطرح القاص تساؤلات عدة تعالج اوضاعا بشرية وثقافية على امتداد التأريخ الانساني منطلقا من تساؤل اساسي هو :– لماذا أهمل فرويد في منهجه التحليلي فكرة قتل الإبن بعد أن حلل فكرة قتل الأب في النصوص الادبية ؟ ولماذا مارس ساليري اضطهادا لتغيب دور ومنجز موزارت ؟ ولماذا تجاهل الزهاوي اهمية شوقي وشاعريته وشاعرية الرصافي حين سأله الملك فيصل الاول عن اي منهما أكثر شاعرية هو ام شوقي ولماذا يمارس الأدباء (الآباء) دور الإستعلاء لقتل الطاقات والقدرات الشابة ؟ ليصل بهذه الأسئلة الى ماتقوم به السلطة السياسية في العراق لقتل الشعب (الإبن) عبر وسائل متعددة ..لماذا يحصل كل ذلك ؟ ولعل هذه الأسىلة التي تبدو جديدة على صعيد فتح ملف المسكوت عنه والمغيب في بحوث الباحثين لدراسة ظاهرة قتل الإبن التي من الممكن رصدها عبر العديد من الاحداث والفعاليات البشرية التي تحصل في كل يوم ، لذا فإن إثارة هذه المشكلة التي سأسميها ( الإستعلاء الأبوي) على شكل اسئلة تجعل المتلقي مستعدا بل ومطالبا بمحاورتها وتأملها معرفيا ليسهم في اضافة رؤية ربما جديدة تعد بحثا نفسيا او سياسيا او اجتماعيا او اقتصاديا ، وهنا تحديدا تتضح رؤية نصوص هذه المجموعة التي كان من الممكن رفع التصنيف الإجناسي لها بعدها ( قصص) أو (قص) سيما وانها تجنبت بناء الحبكة والأحداث كما هو شأن العديد من النصوص الروائية والقصصية التي دخلت في منطقة مجاورة للأشكال الروائية والقصصية المتعارف عليها دون ان تحمل تصنيفا اجناسيا على غلافها الأول او الثاني متجه صوب اكساب النصوص مهمة معرفية تسم السرد بسمة البحث والاستقصاء ومجابهة المتلقي مجابهة صريحة ومعرفية متخذة من الصياغة السردية التي لجأت في أكثر النصوص الى متخيل يستدعي فيه النص شخصيات ادبية واجتماعية وشعبية وحتى شخصيات روائية لمحاورتها مجددا وفق ماهو سائد من آراء ومعارف جديدة مستفيدة من اتساع مفهوم السرد المعاصر خاصة بعد منتصف القرن الماضي ولحد الآن .
لقد شكلت هذه المجموعة من النصوص التي اخترنا ثلاثة منها كنماذج تحليلية تجربة جديدة حرص فيها القاص المثابر جابر خليفة جابر على تأكيد هاجسه السردي الدائم وهو التجاوز والإختلاف والمغايرة صوب رفد نهر السرد العراقي بمياه جديدة مستساغة وفاعلة في ادامة وإثراء ذائقة المتلقي وإغناء معرفته.

شاهد أيضاً

أسامة غانم: النص المختلف في حفريات الموروث الديني والذاكرة المستفزة
“لوسيفر الضمير السري للإنسان”

يتعمد الروائي العراقي محمد علي النصراوي في روايته ” لوسيفر” الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات …

ضوء على رواية (الخبز الحافى) للقاص محمد شكرى
بقلم: عبد الهادى الزعر

كتاب السيرالشخصية فى أدبنا العربى قليلون – – ومعظم القاصين والشعراء والذين ابدعوا فى مهاراتهم …

أيام عجاف صوت الإنسانية للشاعر عصمت شاهين دوسكي
بقلم وليد عبد الله خريوش – فلسطين

* إننا نعيش في ظروف صعبه لم يشهد مثلها التاريخ . * حرمان البشر من …

تعليق واحد

  1. جابر خليفة جابر

    قراءة عارف غاص بها لأعماق النصوص وأجاد تشريحها وتفكيك شفراتها الأستاذ الناقد المبدع عبد علي حسن فشكرا له وتحية لاشتغالاته النقدية التي تتقدم وتتقدم في مضمار النقد العراقي والعربي بتميز واضح أهنيه عليه واحتفل معه بمحبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *