الرئيسية » ملفات » في ذكرى رحيل ناجي العلي : «حنظلة»… الغضب… والحب ! (ملف/10)

في ذكرى رحيل ناجي العلي : «حنظلة»… الغضب… والحب ! (ملف/10)

في ذكرى رحيل ناجي العلي : «حنظلة»… الغضب… والحب !

…معنى هذا أن ذاكرتنا ليست مثقوبة …وأن عقولنا ليست منهوبة … !
وها هو ناجي بعد 31 عاما على استشهاده يظل رمزا وطنيا للمثقف العربي والفنان المناضل والمقاتل لأجل قضيته الأسمى، وفي سبيل وطنه الذي لن يتخلى عنه ولم يتخل عنه.
ولقد أصيب ناجي العلي بعيار ناري في ظهر العنق أثناء توجهه إلى عمله، وسط لندن، في 22 جويلية 1987 وتوفي متأثرًا بجراحه بعد ذلك بشهر.
ولقد كان ناجي العلي علامة فارقة في سماء الرسم الكاريكاتوري السياسي في الوطن العربي !وسوف يبقى أيقونة الرسم الهادف المحارب لكل أنواع الظلم الصهيوني والخنوع العربي… !
وها نحن نذكره …ونتذكر مآثره بكل خير وبكل احترام وتقدير في زمن النكسات والتفاهات واغتيال كينونة الشعوب الوطنية وهوية الأوطان العربية باسم الربيع العربي …ولو أنهم ينصفون لسموه خريفا مسموما…سمم العقول وأتى على الأخضر واليابس في الحقول !
صحيح أن الزمن قد تبدل …و أن النضال قد اختلط فيه الحابل بالنابل والعاقل “بالهابل” …ولكن هذه قصة حب هذا الرسام الشهيد، المقاوم، السياسي، الوطني، الرسام المبدع … والعاشق للوطن الام فلسطين وللزوجة الحبيبة !
حنظلة الطفل الصغير
ولقد عُرف ناجي العلي بشخصية “حنظلة”، هذا الطفل الصغير صاحب العشرة أعوام بحسب ما يعرف عليه ناجي نفسه، والذي يعطي ظهره إلى الناس، ويظل مُكتفا يديه، وتكاد لا تخلو أي لوحة للفنان الفلسطيني من وجوده فيها، حتى بات أشبه بـ”التوقيع” له على كل لوحة، وكان أول ظهور له في العام 1969، في جريدة “السياسة” الكويتية، ويقول ناجي العلي عن حنظلة:
“ولد حنظلة في العاشرة من عمره، وسيظل دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين، وحين يعود حنظلة الى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء”.
وكان العلي رسام كاريكاتور سياسي لصحيفة “القبس” الكويتية، وأثناء توجهه إلى مكتب الصحفية في بلندن 1987، تعرض لهجوم بعيار ناري أصاب عنقه، حيث جرى نقله إلى المستشفى بعد الهجوم الذي وقع في شارع آيفز بمنطقة نايتسبريدج، ولكنه توفي بعد ذلك بشهر.
إن كانت مقولة “الفن يولد من قلب المعاناة” صادقة، فسيكون ناجي العلي هو الدليل الأكبر على صدقها.
ولقد ولد ناجي العلي عام 1938 في قرية الشجرة، التي تقع في شمال فلسطين، بين مدينتي طبريا والناصرة. نشأ العلي في كنف أسرة فلسطينية أصيلة وبسيطة تعمل في الزراعة، فتشكل وعيه الأول من خلالها. وحين بلغ من العمر 12 عاما، ومع بدء تمكنه من إدراك حقائق الأمور، اندلعت حرب فلسطين عام 1948، والتي انتهت بـ”النكبة” وفرض العصابات الصهيونية سيطرتها على أراضي الفلسطينيين؛ دمرت الصراعات قرية الشجرة فهُجّرت عائلته منها ولجأت إلى جنوب لبنان، بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا.
لقد كان الاستقرار بالنسبة للعلي مصطلحا بلا معنى، فحياة النزوح واللجوء كانت تطارده وعائلته، كبقية الشعب الفلسطيني، مع بداية النكبة الفلسطينية.
ولم يحظ ناجي العلي بفرصة للتعليم الجيد، فحياته المشتتة وترحاله الدائم أحال دون تحقيق ذلك. لكنه كان كثير الاطلاع، ومحبا للقراءة، ما يعني إنه (بشكل ما) علّم نفسه بنفسه، أما عن دراسته الأكاديمية فقد بدأت في مدرسة اتحاد الكنائس المسيحية في لبنان، ولكنه لم يستمر بها بسبب حاجته إلى المال؛ التي اضطرته لترك المدرسة والاتجاه إلى العمل في المزارع. وبعد انتقاله إلى طرابلس التحق بمدرسة الرهبان البيض المهنية، ثم استكمل دراسته في بيروت وحصل منها على دبلوم الميكانيك، ثم انتقل إلى السعودية ليعمل بها في بعض الورش، وفي خضم كل هذه الأحداث المتلاحقة، لم ينس العلي موهبته أو أهملها.
لقد كان حريصا على ألا تدفعه حاجته للمال إلى التخلي عن مبادئه. عمل بعد ذلك في عدد من الصحف والمجلات العربية، منها جريدة “السياسة” الكويتية، وجريدة “السفير” اللبنانية، و”القبس الدولية” وغيرها.
رفيقة الرحلة
تعرف ناجي العلي على السيدة وداد النصر، التي كانت تربطه صداقة بأخيها وأقاربها، وأعجب بأفكارها وتجربتها النضالية وإيمانها بالقضية الفلسطينية؛ فتقرب منها وسرعان ما نشأت بينهما علاقة حب، على رغم أنه كان يكبرها بـ11عاما.
ثم أعلنا زواجهما، ورُزِق الزوجان بأربعة أبناء هم خالد، وليال، وجودي، وأسامة.
ولقد رافقت وداد زوجها في جميع تنقلاته، وصمدت معه واستمر زواجهما، واستمرت في دعمها له حتى وفاته في 1987. لم تتزوج وداد بعد رحيل العلي وعاشت على ذكراه، ولا زالت حتى اليوم تتحدث عنه بكثير من الامتنان وتعبر عن افتقادها له.
وتقول عنه «أنا وناجي من المخيم نفسه؛ عين الحلوة. كان صديقا لأخي. وصار النصيب. وبعد الزواج أحببته، لأنه كان إنسانا ممتازا. سارت حياتي معه من منفى إلى منفى حتى وصلنا إلى لندن. ويبدو أنهم استكثروا علينا المنفى أيضا. غاب وترك فراغا كبيرا، لا في هذا البيت فحسب؛ بل في أكثر من مكان. وكل من يمسك جريدة يفتقد (حنظلة)، خصوصا بعد تطورات الأحداث وقيام الانتفاضة. أتخيل كيف كان ناجي سيؤدي لها التحية وسيدعم برسومه سواعد الرجال والنساء وحجارة الأطفال… كيف كان سيستمر في كشف المنافقين الباحثين عن ملء الجيوب. هؤلاء هم أعداء الانتفاضة. فلو عاد الوطن إلى أبنائه؛ إلى الأرامل واليتامى وعوائل الشهداء، حينها يروح الانتهازيون دعْوَسَة.
لما أطلقوا النار عليه ورأيته فاقدا لوعيه في المستشفى، انهارت أعصابي وقلت كلاما كثيرا لا أذكره. وفي اليوم التالي نقلت عني الصحف أنني صرخت: قتلك الجبناء… إن الذي طاف بنا في المنافي حتى أوصلنا هنا، هو الذي قتل ناجي.
كنا في الكويت، أوائل السبعينات، وخشي ناجي أن نتعلم الرفاهية وننسى حياة المخيم، فجاء بـ(حنظلة) وأوقفه في لوحاته واتخذه صديقا وشاهد عيان. و(حنظلة) ولد من دون ملامح. يشبه الملايين من أبناء هذه الأمة. يعيد تذكيرنا، كل يوم، بقضيتنا حتى لا تلهينا عنها مباهج الحياة والترف. وكان الناس يسألون زوجي: لماذا يدير (حنظلة) ظهره لنا؟ فيجيب: بل أنتم الذين تديرون له ظهوركم. إنه ينظر دائما إلى أمام. كان صريحا إلى درجة الجسارة. يُدعى إلى مجالس الناس الأبّهة فيحب أن يقول إنه من أبناء مخيم عين الحلوة، وإنه، حين ترك فلسطين، لم يكن يملك لباسا. تقصّ والدته أكياس الطحين الفارغة وتخيط منها سراويل له ولإخوته. وكم كان يسخر من أولئك الذين يخرجون للدراسة في أوروبا وأمريكا، معتمدين على عرق الأمهات والآباء، حتى إذا حصلوا على الشهادات الكبيرة تنكروا لأمهم الفلاحة وخجلوا من أبيهم الذي لا يقرأ ولا يكتب.
وبقدر ما كان حادا في رسومه، كان رقيقا مع أبنائه. آه… كم كان مجلسه لطيفا وحضوره قويا! ويدهشني أن حضوره بعد غيابه صار أقوى، حتى إنني أقول لنفسي إن من قتل ناجي العلي كان غبيا، رفعه إلى مرتبة الرمز، مثل كل الشهداء. أما الموت الفعلي بالنسبة له فهو أن يضطر لبيع ريشته لتنظيم أو نظام. لهذا لم يجيّر ريشته إلا للناس. ولم يكن هناك من يشبهه بين الآخرين. كانوا مربوطين، وكان فالتا يغرد خارج السرب».
لناجي العلي أكثر من 40 ألف لوحة كاريكاتورية ساخرة، ومؤثرة وجريئة جدا، تعبر عن الحالة السياسية السائدة في المنطقة، والتي تعكس الرأي العام العربي والفلسطيني، وتنتقد حكومات عربية وفلسطينية. وبقي حنظلة.. أيقونة الثورة التي لا تموت !

إعداد محمد الماطري صميدة

*عن صحيفة الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *