صالح البياتي : رواية نزف المسافات
الفصل الخامسح 1حكاية في رواية

رواية نزف المسافات
صالح البياتي
الفصل الخامس
ح 1
حكاية في رواية

تحدت أمي مرضها بشجاعة قل مثيلها، وتسامت فوق الآلام الفظيعة، لم يند من فمها كلمة تذمرأو شكوى.
شعرت بغضب لم أستطع كبحه، فذهبت فوراً، للجراح الذي اجرى لها العملية، أنبته على عدم استئصال الثدي كله، الأمر الذي أدى لتلك الآلام الفظيعة.. كنت غاضبا، ولكن تمالكت نفسي وهدأت، عندما شرح لي الخطر المؤكد الذي كان يهدد حياتها، في حالة الاستئصال الكلي للثدي، لم أقتنع بكلامه، ولكني سلمت أمري الى الله.
عندما كانت سيناء تقوم بتمريضها، وترى امي الدموع في عينيَّ، كانت تقول بلهجتها الميسانية المحببة:
” ابني دموعك غسلني”
فتقول سيناء:
“عمرك طويل خالتي”
اتمت سيناء تنظيف ما تحت ثديها وحوله بشاش ومعقمات طبية، شكرتها امي، قالت سأحكي لكَ حكاية لم تسمعها من قبل، وطالما سيناء معنا، ستسمعها ايضا، اعترضت لأعفيها مشقة الكلام، وقلت في الغد متسع من الوقت لسماعها، ورجوتها أن تنام.. ولكنها اصرت بأن الوقت قد لا يكون مواتيا غدا، وبأنها ستحكي جزء يسير، وقالت انها ستعجب سيناء، فإشترطتُ عليها ان تتوقف، عندما تشعر بالتعب. وافقت لأن الحكاية طويلة، وأنها تحتاج لوقفات للراحة والتأمل.
اتفقنا على حقنا ان نوقفها إذا لم تعجبنا، واشترطت علينا بالمقابل ان لا نتظاهر بالنعاس والتثاؤب اثناء سرد الحكاية.
هكذا تبدأ حكاية البنت المسكينة..
كانت أبنة تاجر ثري، أما انا فابنة فلاح قاس معدم. انا وهي اشتركنا بالمظلومية، واختلفنا بالفقر، والفقر كما تعلمان، أشد وطأة وقهرا، فكيف أذا إقترن بالظلم كما كانت حالتي.
” كأنك تعقدين مقارنة بينك وبين بطلة القصة.”
” نحن الاثنتان من طينة واحدة، صنعوا منها تنورا يستعر بالنار..”
هربت المسكينة ذات يوم من زوجة ابيها القاسية، وهامت على وجهها طوال النهار…
مرة أخرى يتداخل تاريخ حياة امي بالقصة..
” لم تكن في حياتي زوجة أب قاسية بل أب قاس..”
تاهت البنت في البرية حتى جن الليل، جاعت، عطشت، خافت وبكت، جرح الشوك قدميها، تمزقت ثيابها، فآوت الى حفرة في الأرض، طلبا للأمان من الضواري المفترسة..
مرة أخرى تحدثت امي عن نفسها:
” لم أخف من شيء في حياتي أبدا، بقدر ما كنت أخاف أن يزوجني أبي من رجل قاس مثله، ولحسن حظي الذي لم يدم طويلا.. كان زوجي مختلفا تماما، ولكنه قُتل في معارك الجيش مع الأكراد في الشمال، وتركني أرملة شابة.. قاطعتها:
” ولماذا لم تفكري بالزواج مرة أخرى.”
” لهذه قصة أخرى، ستعرفها عندما يحين وقتها.”
” قولي لنا، هل أنت تحكين قصتك أم قصة البنت …؟”
” ألم أقل نحن الاثنتان من طينة شقاء واحدة.”
” حسنا لنتركها تروي قصتها بنفسها.”
تدخلت سيناء
” تفضلي ماما لن اسمح لنوح أن يقاطعك مرة أخرى، تفضلي أحكي لنا القصة كما يعجبك، لقد أثارت البداية إهتمامي.
” سأتكلم بلسان حال البنت المظلومة، اتفقنا ؟
“هكذا أحسن، اتفقنا؟”
لم انم تلك الليلة، كانت الأصوات تمزق صمت الليل، تتناوب بين عواء ونباح وزئير، أجلت نظري في أنحاء المكان، لم أر شيئاً سوى الظلام، ولم أسمع سوى زمجرة الأصوات المشحونة بروح العداء، كنت أزداد رعبا كلما شعرت بأجفاني تثقل وتنطبق، فأفز مرتعبة أفتح عيني في حلكة الظلام، متكورة على نفسي، التمس الدفء والأمان، حتى أشرقت الشمس بنور بارئها، قمت فأجلت النظر حولي.
“لا أنس ولا جنس، ولا آن ولا ودان”*..
وقع نظري فجأة على قصر منيف، صرخت لدهشتي عندما رأيته، يا إلهي، هل أنا في حلم أم علم، فركت عيني، كان ينتصب وحيدا، اين كان هذا البارحة
يا إلهي، ولماذا لم أره، كأنه أنبثق فجأة من أعماق الرمال، ليس في محيطه شيء آخر سوى الخواء والخلاء، على مدى البصر..
سرت نحوه حتى صرت عند سوره العالي، وقفت مذهولة أمام بوابته الكبيرة، أحترت هل أطرقها، تغلبت رثاثة حالي على خوفي، فطرقتها فانفتحت، وانتظرت مترددة، سمعت نداءً يدعوني للدخول، ترددت، كدت أعود أدراجي، وأجري لحفرتي، تكرر النداء من داخل القصر يحثني على الدخول.. إقتربي لا تخافي.. تقدمت خطوة، خطوتين، وقفت، فكرر الصوت النداء إقتربي أكثر لا تخافي، مشيت بين صفين من الأشجار الباسقة، ملأ حفيف أوراقها والحان اطيارها المغردة أذني بأروع الألحان، هدأ روعي قليلا وسكنت مخاوفي، واطمأنت نفسي، وأسلمت مصيري لمشيئة الله، وقلت مهما سيحدث لن يكون اسوأُ من حياتي مع زوجة اب شريرة..
إقتربي.. اقتربي يا فتاة، حتى وجدت نفسي أقف تحت شرفة تطل على حديقة غناء، تتطلع من أعلاها إمراه عجوز بشعة المنظر، ولكن بالرغم من بشاعة منظرها لم اشعر بالخوف، سألتني من أنا ومن أين أتيت، ولم تزد شيئا آخر، فأخبرتها، قالت ستكونين خادمتي في هذا القصر، وتطيعينني ولا تعصين لي أمرا، وسأكافئك جزاء ذلك بكل ما تحلمين.
نزلت من الشرفة وأخذت يدي وقادتني في أرجاء القصر، صالاته الكبيرة، ردهاته العديدة، وأروقته الخافتة الضوء، فتحت الغرف وأرتني ما فيها من أثاث وتحف ورياش وزخارف ونقوش وجواهر وذهب يخطف البصر، واسرة نوم من خشب الأبنوس المطعم بالفضة، وكنبات وكراسي ذوات اذرع مذهبة، واشجار من المرجان مزدانة بالياقوت واللآلئ والدرر.. أشياء لم أرها في حياتي، ولم تخطر ابدا على بالي أو في خيالي، حتى ايقنت أنني في قصر مسحور، وان قصر أبي لا يسوى شيء، أمام هذا القصر العجيب..
توقفت أمي هنيهة، تسترد أنفاسها، قامت سيناء للمطبخ وأتت لها بكأس ماء، شربت نصفه، وضعته أمامها، على المنضدة الصغيرة، وقالت: الحمد لله، بعد أن مسحت شفتيها بطرف شيلتها السوداء، التي كانت محلولة وتغطي مؤخرة رأسها، فانكشف شعرها الناصع البياض، تحت ضوء مصابيح الفلورسنت المتوهجة بالضوء الأبيض، فترة صمت قصيرة… قبل أن تعاود السرد..
” الله يلعن الشيطان، هو دوما سبب النسيان.. ها.. أين وصلنا بالسالفة* مع البنت المسكينة. ها.. تذكرت..
فتحت العجوز كل غرف القصر، إلا واحدة قالت هذه الغرفة محرم عليك فتحها، أو حتى الاقتراب منها.. لم أسأل لماذا، بل خفضت رأسي وقلت سمعا وطاعة، بعدها قادتني إلى غرفة، وفتحت خزانة كبيرة، وقالت اختاري ما شئت من هذه الملابس كلها لك، وفتحت صندوقا آخر من الأبنوس الأسود المطعم بالفضة، وأخرجت محتوياته من حلي ذهبية، وأحجار كريمة نادرة، عقد ألماس وخواتم فيها فصوص من عقيق، وأقراط لؤلؤ، وقالت وهذه كلها لك ايضا، لا أريد منك شيئاً، سوى ان تكوني من الآن رفيقتي، في هذا القصر الكبير، تؤنسين عليَّ وحشة عزلتي الطويلة..
كانت العجوز كريمة جداً معي، عوضتنني عن الحرمان الذي عشته في بيت أبي، كانت لا تكلفني بشيء فوق طاقتي، نجلس معا على مائدة طعام فاخرة تتوسط صالة كبيرة، معدة لنا بكل اصناف الطعام والشراب، دون أن أعرف من يعدها كل يوم.. كانت تغيب عن القصر يوما أو يومين، وتعود محملة بالهدايا، متلهفة للغرفة السرية، تدخلها وتمضي ساعات طويلة فيها.
مرت الأيام والأشهر، ومضت سنة تلتها أخرى، كما تمر كلمح البصر في القصص، ونحن على انسجام تام لا ينغص عيشنا شيء، حتى جاء اليوم الذي أخبرتني أنها ستغيب لبعض الوقت، ولا تعرف متى ستعود، وحذرتني من دخول الغرفة السرية، وفي الصباح ودعتني واختفت، بكيت أول ليلة فارقتني فيها، كتمت خوفي في البداية، على أمل أن تعود كما كانت تفعل كل مرة، كنت كلما تذكرت معاناتي مع امرأة أبي، أتذكر لقمة الطعام التي أغص فيها مغموسة بدموعي، خفت غدر الزمن وقسوة البشر. انتظرت عودتها بفارغ الصبر، ولكن الأيام مضت ببطء، ثقيلة وكئيبة، ولم تأت، حتى يئست من عودتها، وبدأت مؤنة القصر تنفد شيئا فشيئا، أشفقت على نفسي من الهلاك، وحيدة في هذا القصر الكبير، أيقنت أن حادثا قاهرا منعها من العودة، وإلا فهي شغوفة بغرفتها السرية لا تصبر على الابتعاد عنها طويلا..
فقدت الأمل بعودتها، قلت لا بد أن العجوز قد هلكت، ولن تعود أبدا، فقررت أن أفتح الغرفة، لعلي أعثر على السر الدفين الذي اخفته عني، فتشت على المفتاح فوجدته في مياه النافورة التي تتوسط الحديقة، عثرت عليه تحت صخرة صغيرة، ذهبت من فوري للغرفة، وفتحتها، وجدت سريرا كبيرا يتوسطها، ينام فيه شاب وسيم، لم يشعر بدخولي، كأنه في غيبوبة، لا يحس بمن حوله، أو ربما كان مسحورا، وعلى منضدة جانبية كومة من المراوح اليدوية الصغيرة، تناولت واحدة، وشرعت أحركها فوق رأسه، وأهوي بها وجهه، وبقيت على هذا المنوال طوال النهار وشطرا من الليل، حتى اهترأت المروحة وتنسل نسيجها بين يدي، فرميتها، وتناولت آخرى، تعبت فنمت بجانب السرير، واظبت على عملي لا أبرح الغرفة، إلا لقضاء الحاجة، أو لتناول قليل من الطعام الباقي الذي إدخرته، حتى هزلت وبرزت عظام وجنتي ووهنت حركتي، كنت في الليالي التي يكتمل فيها القمر بدراً، وينير أرجاء القصر وسوره وحديقته الساحرة، أخرج للحديقة لأتنسم الهواء العليل، وأتملى بطلعة القمر البهية، كان يؤنس وحدتي، بين بزوغه وأفوله في الليالي الداجيات.
كنت أعد الأيام بعدد المراوح التي استهلكتها، نفدت جميع المراوح المائة إلا واحدة، والشاب راقد في سريرة كالأموات لا يتحرك، خرجت من الغرفة، نظرت للسماء، رأيتها كصفحة كتاب مفتوح، قرأت فيه كل ما مر على حياتي حتى تلك اللحظة.
سمعت طرقا قويا على بوابة القصر، فتوقف قلبي عن الخفقان، تجمد الدم في أوصالي، خطر على بالي أن العجوز قد عادت، وأنها ستعاقبني أشد عقاب عندما تعلم ما فعلت، حتى وأن حاولت الاختفاء أو هربت من القصر فستطالني، ستنتقم مني للمعصية التي ارتكبتها، ولكنني لشدة ذهولي، لم أفكر بأن العجوز الساحرة لا تحتاج لأحد يفتح لها الباب.. تجدد الطرق على الباب بقوة أكبر، وسمعت نداء استغاثة:
يا سامعين الصوت انا خائفة.. على حب النبي إفتحوا لي الباب..
قلت في نفسي، هذا صوت فتاة، وتذكرت أول مرة وقفت فيها أمام البوابة الكبيرة، قلت ربما هي في وضع صعب الآن، مثلما كنت انا من قبل، ولكنني ترددت، خفت أن تكون العجوز قد تنكرت، وأخفت شخصيتها بهيئة فتاة مسكينة، لتكتشف أمري، تكرر الصوت المنادي مرة آخرى، كان فيه توسل ويأس وخوف وعجز ورجاء.. على حب النبي انا جائعة، أفتحوا لي الباب..
حين سمعت نشيجها يأتي متقطعا، رق قلبي لها وتجرأت ففتحت لها الباب.. وإذا بي أمام بنت كفلقة القمر جمالا واكتمالا، رغم سيماء الفقر ورثاثة الثياب، قلت سبحان الخالق، ما أجملك قولي للقمر غب وأنا أطلع مكانك..
ابتسمت تلك الابتسامة الساحرة، وخفضت رأسها خجلا، قلت أدخلي، مشت تتعثر بأسمالها المتسخة، قدمت لها الطعام والماء، واغتسلت وأعطيتها ثيابا نظيفة، وقلت لها أنت متعبة نامي الأن وسنتكلم غدا صباحا.. وأرشدتها للمكان الذي تنام فيه..
كنتُ متعبة ومرهقة وأشعر بصداع شديد، لذا تركتُ باب غرفة الشاب مفتوحا، ونمت تحت سماء تلك الليلة، يحرسني قمرها، وتهمس لي نجومها، بأسرار ليست ألغازا أو طلاسم، ولكنها السر الدفين في سرة الكون، قبل أن تولد النجوم وتنتظم في أفلاكها، وتجري الكواكب في مجراتها، السماء كانت غطائي والأرض فراشي، نمت وأنا في أمان الله وحفظه، غافلة عما كان يجري حولي.
قطعت أمي سردها وطلبت مني أن آتي لها بشيء تأكله لأنها شعرت بالجوع فجأة، فأسرعت سيناء للمطبخ وعادت وبيدها صحن فيه تفاحة وبرتقالة وبسكوت، وقالت سيجهز الشاي بعد دقائق، ريثما أقشر لك الفاكهة.
” كلي خالة السالفة* طويلة، كلي حتى تقوين وتقصينها علينا. فأجابتها أمي.
” سوده عليَّ* يمه تعبتك وياي.. قالت سيناء:
” تعبك راحة ..”

أكلت شيء من يد سيناء واستأنفت قصتها..
• يراد به المكان المقفر من الناس
• سوده علي: تقال باللهجة العامية العراقية، عند التعاطف مع الآخر.
• السالفة: تعني القصة

… يتبع

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| شروق حمود : “عن المعاناة” للشاعر: شو جيانغانغ.

المعاناة شاعر يمشي على الطريق الشائك متلفحآ بصليب المعاناة صلاة الشاعر اليومية قبل العشاء شكرآ …

حيدر الحدراوي: الشعوذة والموروث الشعبي

توارثت الشعوب عادات وتقاليد اعتبروها بديهيات مسلم بها ، لا يحق لفرد نقدها او مناقشتها …

2 تعليقان

  1. صالح البياتي

    آسف لوقوع خطأ إملائي في السطر الأول ، كلمة ( فضيعة) ، الصحيح ( فظيعة ) وشكراً.

  2. تم تصحيح الخطأ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *