أ.د. إخــلاص بـاقـر النـجــّار : رصاصة في الرأس (ملف/6)

المشهد الرابع عشر
شارفت السنة الثالثة على الإنتهاء وعاود بارق الحديث مع والديه حول طيف عثمان القبسي ، وفي صباح يوم جميل مشمس توجه بارق مع والدته إلى كلية الهندسة … وهناك شعور عميق بالسعادة يسيطر عليه وهو يمشي مع والدته إذ دخلا الكلية وراحا يمشيان بين جموع الطلبة في أروقة الكلية متوجهين إلى قسم الإلكترون … إلا ان عينيه تبحث عن طيف القبسي بين الطالبات والأم متشوقة تنتظر رؤيتها … بيد أنها غير موجودة مع زميلاتها صديقاتها فاطمة وإستبرق وهديل ورؤى وآمنه … اقتربا حيث الطالبات واقفات وألقى التحية … وراح يقدم أمه لزميلاته … والأم تنظر بعين الإستغراب … ترى أين طيف …
وبينما هو كذلك جاء هاشم وهمس في إذن بارق بان طيف القبسي الآن في مكتبة الكلية فقد كنت للتو في المكتبة ورأيتها معتكفة هناك وذلك بسبب حدوث توتر وزعل بينها وصديقتها رؤى ، سأله بارق ألم تعرف سبب الزعل ، أجابه كلا للأسف ، وحال ما عرف بارق بالأمر حتى أستاذنا وتوجها صوب المكتبة ، ودخلا بحجة الاستعارة من المكتبة … ورافقهما هاشم قائلاً … طبعاً أنت أدخل وأجلس وكأنك لا تعرف بوجوده … أبتسم بارق وقال هذه من المسلمات يا أخي فنحن هنا لغرض التعارف اولاً ومعرفة رأي أمي وبعد ذلك نرى ماذا يحضر لنا القدر …
كانت طيف في المكتبة وقد استعارت كتاب رحلة مع الرقم سبعة لكنها تشعر بألم من المشكلة التي حدثت بينها ورؤى … وكيف أنها لم تفسح المجال لصديقتها ان تبرر لها سوء الفهم أو لتعتذر حتى … مما دفعها للتخاطب معها بالرسائل النصية … وابرز ما كتبت رؤى رسالة … قرأتها طيف أكثر من عشر مرات …. وقد كتبت … أيتها العزيزة ….
على الرغم من كل الذي حدث بيننا من أمور قد تكون أشبه بالجنون … إلا إنني أراك أكثر تمسكاً بي وأكثر صموداً أمام غروري وعجرفتي … أعلم تماماً بأنك لم تغفري لي بعض الأشياء التي لا يمكن التغاضي عنها … لكنك تحاولين جاهدة إخفاء ما تحمله نظرات عينيك من عتاب وعلامات استفهام عن ما مضى … وقد أكون عاجزة فعلاً عن تفسير كل ذلك … لكني على يقين بأن كل ذلك قد انتهى … لأني لا أريد ان اخسر المزيد … قد يكون امراً مخجلاً بالنسبة لي بان أجاهر بحبي لأحد أو أشعره باهتمامي نحوه … لان ثمن كل ذلك الكبرياء والكرامة … صديقتي العزيزة … فقط أردتك ان تعلمي بأني أدرك تماماً الآن…ان الشمس ستشرق من جهة الشرق فقط…فقط … وسأصرخ أمامك صرخة عج فيها صدري …. أحبك …….
وما هي إلا خطرات حتى دخلا المكتبة وألقيا التحية على الموظفين متوجهين صوب الطاولة … إذ كانت طيف القبسي تجلس في الزاوية اليسرى من الطاولة … لكنها انتبهت ونظرت إليهم نظرات استغراب وتساؤل … ثم ألقت التحية عليهم … فنهض بارق باسماً وقال طيف … أقدم لك والدتي جاءت هنا للاطلاع على المكتبة … وحالما سمعت طيف ذلك نهضت لتحي الوالدة والفرحة والبشر طفح على وجهها بشكل مفضوح وقد أرتسم على وجهها شعور وعلامات الإيحاء بالحقيقة … نهضت طيف من مكانها وهي ترجع الكرسي إلى الخلف بسرعة محدثة صريراً اثر ذلك أستدارت نحوهما مندهشة … وبعد ان رمقتها بنظرة إندهاش قالت بصوت خافت رقيق جذاب ذوبّ عجرفتها … لقد تشرّفت بمعرفتك سيدتي … ثم قال بارق لأمه متظاهراً … سأذهب وهاشم للبحث في رفوف الكتب نهضا متوجهين إلى الرفوف ليفسحا المجال للتعرف بين طيف والأم …
الأم : أن ولدي بارق كثيراً ما يحدثني عن زملائه وزميلاته … وعن المواد وبعض الصعوبات … التي تواجهكم في التطبيق العملي لبعض البرامج …. وهو يدرس كثيراً مع هاشم …
طيف : حقيقة ان علاقة بارق بهاشم علاقة قل نظيرها … كثير من الأحيان أرى هاشم وكأنه يحرس بارق بنظرات الحارس اليقظ .
الأم : هذا أمر طبيعي جداً لأن بذرة صداقتهما نمت مذ نعومة أظفارهما وقد شاء القدر أن يكون لهما التخصص ذاته … ثم صوبت طيف ببسمة رضا أشعرتها بالاهتمام ودقت أبواب قلبها …كانت بسمة معبّرة بنظرات ثاقبة … كبسمة أفلاطون … يتناثر نصفها في ثنايا شواربه الطويلة ولحيته الكثة المتصلة مع شواربه … ثم أردفت قائلة :أراك تقرئين … هل عنك امتحان ؟
طيف : كلا انه كتاب رحلة مع الرقم سبعة وهو كتاب رائع جداً يضم كل ما في الكون من مواضيع لها علاقة بالرقم سبعة وأبرزها عجائب الدنيا السبع والسموات السبع وأيام الأسبوع ….. والخ ، وتتمثل العجائب بـ ( جنائن بابل المعلقة ، الإهرامات ، منار الإسكندرية في مصر ، تمثال زيوس ، ضريح هاليكارناسوس ، تمثال رودس معبد ديانا بتركيا) ، وعندما سمعت ذلك سألتها الأم بإعجاب حدثيني عن السموات السبع وماذا يقصد بمصارف الزكاة .
طيف القبسي : نعم لقد قرأت ان السموات السبع هي ( ان السماء الأولى مكونه من دخان وأسمها الرفيعة وفيها النبي إسماعيل ، والثانية مكونه من حديد وأسمها الماعون وفيها النبي عيسى ويحيى ، والثالثة مكونه من نحاس وأسمها المزينة وفيها النبي داود وسليمان ، والرابعة مكونه من فضه وأسمها الزاهرة وفيها النبي إدريس وعزرائيل ، والخامسة مكونه من الذهب الأحمر وأسمها المنيرة وفيها مالك خازن النار وفيها جهنم والقفل الذي فتح بقول النبي (ص) لا إلا الله محمد رسول الله ، والسادسة مكونه من ياقوتة خضراء وأسمها الخالصة وفيها ملك عظيم جالساًَ على كرسي من نور نصفه من ثلج ونصفه من نار ، فلا النار تذيب الثلج ولا الثلج يطفئ النار ، وهو ينادي سبحان الذي ألف بين الثلج والنار ، اللهم ألف بين قلوب عبادك المؤمنين على طاعتك ، والملائكة تقول أمين وكذلك فيها النبي موسى ، أما السابعة فهي مكونة من درّة بيضاء يقال لها العجيبة وهي العالية لم يسمع فيها سرير الأقلام وفيها أبونا أدم ) ، لقد أعجبت الأم كثيراً بثقافة طيف قائلة لها بارك الله فيك يا أبنتي … وماذا عن مصارف الزكاة … وبالطبع المقصود فيها المستحقين …
طيف : نعم أكيد هم مستحقو الزكاة في القرآن الكريم ، وهو إقرار ألهي بهذه الأصناف بقوله تعالى : (( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم )) سورة التوبة الآية 60 ، والآية واضحة وضوح الشمس .
الأم : ما هو رأيك بجو الكلية … أليس هو أجمل من الإعدادية …
طيف : مطلقاً هناك اختلاف كبير جداً ما بين السماء والأرض … الكلية عالم غريب … لإختلاطه بالرجال ومشاكلهم … والإعدادية عالم حبيب تسكنه الذكريات والعنفوان .
الأم : حقيق ما قلت … ولكن منظارك الضيق لا ينطبق على جميع الرجال سيما ولداي بارق وهاشم .
طيف مبتسمة : بارك الله فيهما أكيد إذا خليت قلبت … خطرات حتى جاء الطلبة للمكتبة لا سيما صديقات طيف … كمحاولة منهن لكسر الزعل بينها ورؤى … وقد رحبن تارة أخرى بأم بارق … ونظرات التساؤل الموجهة إلى طيف تطفح على وجوههن بإبتسامات جميلة …وبينما هن كذلك رن نقال الأم … فنهضت متوجهة خارجة لترد على النقال لئلا تحدث صوتاً عالياً في المكتبة … ثم انهالت الأسئلة كالوابل على طيف ماذا حدث … اخبرينا … ماذا قالت … لماذا جاءت ….الخ .
طيف : لا شيء البتة أنها كانت مصادفة رائعة جداً … وحقيقة كنت احلم بها واليوم تلقيها على طبق من ذهب الحمد …. كانت رائعة جداً وقد تعلق قلبي بها منذ الوهلة الأولى التي رأيتها … بعد ان كنت متعبة مرهقة من رؤى …
فاطمة : أما رؤى فهي تنتظر إنتهاء فترة الحداد التي حددتيها لها لتعود المياه إلى مجاريها … وأما إعجابك بالأم فذلك من المسلم به … فهي أم من تكنين له المشاعر … ووجودها اليوم مائة بالمائة لأجلك فهذا تكهني … وستبرهن لك الأيام صحة تحليلي واستنتاجي …
إستبرق : وهل كلمتك عن بارق مثلاً .
هديل : كلا كلا … اليوم لا نخرج حتى تعيدي تشغيل شريط لقائك بها من جديد … لنكون قادرين على التحليل والإستنتاج …ثم ضحكن …. ثم أبرقت آمنه قائلة … تعالي يا طيف لقد استعرت دفتراً شعرياً رومانسياً من هاشم ، ووجدت لك قصيدتين جميلتين اسمعيها فهي مهداة لك … واسمح لك في إهدائها إذا أحببت … إلى …
الليل
قل لي يا قمر
هل من الحب مفر …
وقولي يا نجوم
هل للحب فخر …
تكلم يا هدوء وقل لي
هل القلوب حجر
تجمعي يا حروف …
وشاركيني حفلة السهر
واحضري معك الصبر
لان الصبر هو المنتظر
دوري حولي يا قصائد …
لنستقبل نحن الأثنان القدر
تساقطي يا أمطار الربيع
واسقي الحب والأزهار والشجر
ساعدي القلم يا حروف …
واملئي مخزنه بدر مسطر
انقشع يا سواد كفاك ظلمة
دعني أرى الصباح وماذا سيحضّر ….
أشتكيك يا ليل ان تغمض عيوني
وتحملني في الحلم لمن أحب على ذات ألواح ودسر
……………………………………

أهواك ولكن …

احبك ولكن .. حباً صامتاً …
تائهاً بين أحشائي
حبك يسير في عروقي
وهو علتي الكبرى ودائي
ظمآن بحبك ….
ولا اعرف من أين يكون إروائي
سأكبل نفسي …
وأواجه كل رزايا بلائي
وسأكون جبلاً عالياً …
مهما حاولت إغوائي
حتى لو مزقني هواك ….
ستلملم كرامتي أشلائي
لأنك لا تبادلني الحب
ولا تسعى من اجل إرضائي
أود ان أموت بحبك …
ولا أتنازل وأقدم لك رجائي
…………………………………
المشهد الخامس عشر
انتهى العام الدراسي … وقد كان بارق وهاشم من مجموعة العشرة الأوائل على الكلية … وها هما معاً ينتقلان إلى المرحلة الرابعة بتفوق ساحر … وها هو ذا بارق يبحر في عام الكومبيوتر كما تمنى من تخصص … وها هو ذا يشار له بالبنان في كليته … وهو الآن يضع بصماته على حاضره ومستقبله المرتقب الحافل بالنجاحات الكبيرة التي اعتاد عليها … حتى أصبحت صفة من صفاته ….ومثلاً يضرب به … على الرغم من اتصافه بالغرور العلمي الذي لا يعترف به … والان لابد لبارق ان يختار من تشاركه الحياة … لا سيما وقد حدث نوع من التعارف بين من يحب وبين والدته … إذن لابد من تحقيق حلم حياة والديه في زواجه وان يملأ البيت بأطفاله …
وبينما هما في حديقة المنزل جالسان يتأرجحان في الأرجوحة أطلع بارق صديقه هاشم على قراره النهائي في خطبة طيف القبسي … لا سيما بعد ان تأكدت من صدق مشاعرها … هذا فضلاً عن ان أمي أعجبت فيها ايضاً … وسأتصل فيها اليوم ان شاء الله تعالى … لنحدد موعد لزيارة الوالدة لها والتعرف على ذويها …. ثم بعد ذلك التحدث حول الخطبة … أتعرف يا هاشم أتمنى ان نتزوج في اليوم نفسه ما هو رأيك … أليست فكرة جيدة .
هاشم باسماً : أكيد فكرة جيدة … إلا إني لا أفكر الآن بالتأهل لمسؤولية الزواج والعائلة … ثم إني انتظر زواج اخوي علاء الدين وعبد الرحمن … ثم يأتي هاشم بالدور الثالث … ولعلي أتزوج عندما أحصل على وظيفة … واعتمد على نفسي …
بارق : أوه … هذا يعني إني لا اعتمد على نفسي الآن … ولا زلت اتكئ على أهلي … كلامك دائماً يسبق تفكيرك يا فتى …
هاشم : كلا يا فتى … لا تفهم الأمور هكذا …. انك الوحيد لوالديك … فالأمر أيسر من الناحية المادية والمعنوية … من عائلة تريد ان تزوج ثلاثة أولاد … ثم ان بينك وبين الوظيفة قاب قوسين أو أدنى من ذلك … لا تهتم … يا فتى … واسمع أخر قصيدة لي لعلها تعجبك ….
بارق : غرد بألحانك … وأكيد ستعجبني …وأعلق عليها تعليقاً نقدياً … كالمعتاد … أحب ان اسمعها بصوتك … أفضل من ان أقرأها …. فراح هاشم يقرا كالمعتاد … وهو معجباً بما خط يراعه ….
ثلوج باردة
كنت أشكو للجليد يوماً
من هموم حارقة ليطفئها بنوره الدفين …
فقلت له كل ما أصابني
فاستمع … وهمس لي همسة حنين …
فاخذ يهدأ من روعي
ويبعدني عن الناعي الحزين
فقبلته قبلة دافئة تثلجت
شفتي عندما لامست الجبين
فرفعت فمي مسرعاً خجلاً
ماذا فعلت يا قلبي الأمين
قد أسأت التصرف
ودب فيّ الندم والأنين
واليوم جاء الموعد المرتقب … وتم الاتفاق حول الخطبة … بعد ان تعرفت كلتا العائلتين على بعضهما ، مع رفقة الأقارب والأصدقاء وكل المحبين … كان يوماً سعيداً حافلاً بالمفاجآت السعيدة الحلوة والبالونات الملونة … التي تحمل معها الأمل والتفاؤل والحب واللحظات السعيدة … التي يعشقها الإنسان وهو يرى أن أهدافه المستقبلية … وأحلامه تتحقق تخرج من عالم الخيال وتلتبس ثوب الحقيقة والواقع وتتوج بتاج الأمل وتستنشق عبير الحب الذي يجري في أوداج الحياة … فتجعل لها قيمة وشعور رائع بجمال الوجود وروعة الحياة …
كان حفلاً بهيجاً تألق به المخطوبان … وسط زحمة الأصدقاء … والمحبين … أقترب هاشم قائلاً لبارق ممازحاً … تعال يا بارق أبارك لك أمام الكاميرا … حتى تتذكرني دائماً إذا ما فرقتنا الأيام … على الشاشة … وأنت ايضاً يا ألاء أبارك لك وأتمنى لكما كل سعادة السموات والأرض …. إجابته ضاحكة ممازحة … أتعرف يا هاشم بأني كنت أغار منك على بارق … ولعلي اليوم اشدّ غيره … فيا ويلك مني ….
وهكذا جرت الحفلة بجو رومانسي بهيج … حيث الكيك … والعصير … والبالونات الجميلة الملونة … والنغمات الرائعة … والتبريكات والتهاني … والأماني القلبية … والتقاط الصور الرائعة … التي تخزن في الذاكرة قبل ان تراها العين وتقبلها اليد …
ثورة في محراب صمت
هدوء خيم على الكون….
وحاصر الذات في دوامة كابوس الأشرار ….
وأنا … لا زلت موثوق قابع خلف متاعبي
التهمها كمثلث برمودا … الذي يبتلع الكائنات …
والسفن وكل الأشياء …
وانكفئ على نفسي كالموجة أكابد هضمها …
واقتل أعصابي إن هاجت …
كما تفعل الشمس بغرائز الأحجار …
وأوصد الأبواب الحديدية المطلة على العالم بألف رتاج لامتلك الدير … كقديس دون منازع …
وسط هذا الصمت المطبق …
تهدج صوت خفيّ من الأعماق …
هنيهة حتى مارت السماء … وسجّرت البحار …
وتناثرت على رصيف الذاكرة حصباء الرمال …
هتفت الروح منتفضة في عتمة نفسي وراء القضبان مميطة اللثام عن فمها قائلة : –
سأرفع الستار المسدول على حقيقتي …
وأمزق الأوداج المحتقنة بالدماء
التي تحاصرني بأسلاكها الشائكة الهوجاء ….
امقت ناموس الكون الذي كبلني في قارورة الجسد …
أريد الخروج … أريد الارتقاء … أريد الاختيار …
على سلم اللهفة وجناح الشوق …
أريد أن أهز أعطافي مع ريح الصبا مع الآلق …
مع حبات المطر على رموش الفؤاد بزهو واختيال ….
لأني … أنا … التوهج في النفس أنا بيت الأسرار …
وأنا … التي يعزف عليها القدر بغير أنامل ولا أوتار ….
للقياك … ولو … لهنيهة … أتوق …
في لحظة طيف لارتشف من نهرك السلسبيل القراح
شربة تطفئ لهيب الشوق …
ولكن الباب مؤصد … والمصابيح مطفأة … والغراب ينعق …
لكني سأبحث عنك … سأسير الدرب مدلج …
و لكل باب اطرق …
اسأل عن ثمة عنوان … لنافذة اطل منها إليك …
دلفت عند كل باب اسأل …
غير إني لم أجد سوى طرش …
ومس من الجنون أصاب الناس وغش …
لا أحد يجيب … والإجابة قابعة ملء شدقيه …
ولسان الحال يشهد بمئة مصداقية …
كيف إن الأرض أصابها الجدب وهي في أحضان الشتاء
وكيف إن الدار داهمتها حلكة السواد ومصباح النهار مسروج
وكيف إن الجبال الشم ماجت في فم الأخدود …
ولا زلت اسأل واسأل الناس ؟؟؟؟؟؟؟؟
لكنهم في كل مرة يدعّوني …
وأمامهم على الطاولة شذى الخبز فواحاً إن خرج من التنور
فلم يبق لي غير مقصد ولعل السماء به تمور …
وان كلت قدماي واستحالت خطوات كسل …
وان صارعني الحب والخوف والخجل …
سأدخل في حلبته العظيمة …
ففتحت نافذة هنا … عند ابتهالاتي …
وأزدهت … عندها ألوان الطيف السبعة على بساط الأفق
وإزدانت بالصوت السماوي المتألق …
وانفجرت كل لغات العالم في فم الأبكم …
مزدحمة تتسابق للخروج محتفية بمجيء من أحب …
تفتّح الأقحوان بمئة إكليل بض متبسم …
وأمطرت الورود من مقلها قطرات لؤلؤية …
متوجة بتاج البهجة الوردية …
عندها … سجد خافقي في محراب جوانحي ألف صلاة شكراً لله وأعلنت بساتين الروح ربيعاً اخضر …
سأوقف عقارب الساعة حين ألقاك
وارجع القهقرى … سنين عديدة …
إلى ضجيج طفولتي … شقاوتي … أياماً جديدة …
بكائي على دمية ويد واسعة … سعة الفضاء تربت على كتفي
مرحى لكرنفال ….
وبحر عميق … بلا شطــآن … ومرح …
وحيتان تتراقص مع الآهلة المدعوة في دياجير الظلام على أنشودة القمر فرح …
سأجمع لك من كل بستان زهرة فواحة …
ومن كل لون سماوي … وأنثرها على أقدامك …
يا من تصاغرت الجنة صاغرة خجلة تحت أقدامها…

… يتبع

شاهد أيضاً

ابتسام ابراهيم الاسدي: شطرنـج… 

أقـُـتلُ المـَلك في لعبة الشطرنجِ أقتلهُ…. فتصابَ الرقعةَ بالذهول أحـركُ الوزيرَ قليلاً أدعـَـكُ وجـْهَ الفـــّيلة …

أسرجك خلف السطور
بقلم: سميحه فايز ابو صالح

نثرك الغافي بيقضة حلم يستفيق حين تهفو أختلج موجة العتم وأوقد جمرات الحروف الصقيعة بموقد …

ليس الْحُزْنُ بِهَذَا السُّوءِ الذي أنت تَظُنُّ
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

في ساعة مُتَأَخِّرَةٍ من اللَّيْل يُطْرَقُ الْبَابُ بِقُوَّةٍ أَفْتَحُ فإذا هو جارنا الذي لم أره …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *