الرئيسية » ملفات » مريد البرغوثى ينشر حوار رضوى عاشور مع الشهيد ناجى العلى قبل اغتياله (ملف/11)

مريد البرغوثى ينشر حوار رضوى عاشور مع الشهيد ناجى العلى قبل اغتياله (ملف/11)

مريد البرغوثي والشهيد ناجي العلي

مريد البرغوثى ينشر حوار رضوى عاشور مع الشهيد ناجى العلى قبل اغتياله
كتب بلال رمضان

نشر الشاعر الفلسطينى مريد البرغوثى، اليوم، فصلا من كتاب “لكل المقهورين أجنحة”، للكاتبة رضوى عاشور تزامنًا مع ذكرى اغتيال الشهيد ناجى العلى، فى مثل هذا اليوم، 22 يوليو، ومن المزمع أن تطرح دار الشروق للنشر، فى القاهرة، خلال الأيام المقبلة، هذا الكتاب الذى يضم مقالات رضوى عاشور.

وأوضح مريد البرغوثى، فى تدوينة عبر صفحته على منصة التواصل الاجتماعى “فيسبوك”، أن “هذا الفصل يحتوى على المقابلة الكاملة، التى أجرتها رضوى عاشور مع الشهيد ناجى العلى فى منزلنا فى بودابست سنة 1984″، وذلك “قبل 3 سنوات من اغتياله بلندن فى مثل هذا اليوم 22 يوليو”.

وأشار مريد البرغوثى إلى هذه المقابلة النادرة نشرت للمرة الأولى فى مجلة “المواجهة”، التى تصدرها لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، العدد الخامس، القاهرة، سبتمبر، أيلول 1985 قبل عامين من اغتيال ناجى العلى بكاتم صوت فى لندن.. وقد اختارت رضوى عاشور أن تترك المساحة كاملة لحديث ناجى، فكان غياب الأسئلة حضورًا لها.. وسيدرك القارئ(ة) الأسئلة التى وجهتها له من سياق إجاباته.

وهذا هو نص المقابلة الكامل:

أنا من مخيم عين الحلوة: مقابلة مع الفنان الفلسطينى ناجى العلى

أجريت هذه المقابلة قبل 10 أشهر، ولكن للأسف لم نتمكن من نشرها قبل ذلك، كما أن العدد السابق من “المواجهة” كان مخصصًا لأحداث معرض القاهرة الدولى للكتاب.

وإذ نعتذر للفنان الفلسطينى الكبير عن هذا التأخير نرى أن توقيت النشر له الآن دلالة خاصة فى ظل الأحداث الفاجعة التى دارت مؤخرا فى بيروت، وفى المخيمات الفلسطينية تحديدا، يقدم ناجى العلى عبر شخصيته وتجربته الحياتية ومواقفه ورسومه نموذجًا مشرقًا للعلاقة التاريخية الحميمة ‏والأصيلة بين الشعبين الفلسطينى واللبنانى، التى تحاول قوى مشبوهة تخريبها.

إن ناجى العلى ابن مخيم عين الحلوة ينتمى للجنوب اللبنانى تمامًا كما ينتمى لفلسطين.. ووفاؤه لهذا الجنوب ‏لا يقارن بوفائه لأرض فلسطين وللمقهورين فى هذا العالم.. ولكنى أتساءل لماذا هذا الفصل؟ أليست هذه القضايا الثلاث قضية واحدة يؤمن ويدافع عنها ناجى العلى؟

رضوى عاشور

‏أنا من مخيم عين الحلوة

س…………

‏منذ زمن بى رغبة فى التواصل تحديدا مع من يعنوننى فى مصر وأنا لا أعتبر هذا حديثًا، بل أعتبره وصية لك شخصيا ولكل نفس طيب يتحسس الهم الكبير، الهم الوطنى، ليس فقط فى فلسطين- فليست فلسطين وحدها هى المغتصبة- ولكن أيضا فى كل الأرض العربية، حيث حقوق الجماهير مغتصبة فى رزقها وحرياتها وأحلامها.

‏من أين أبدأ؟ ربما من دخول وجينا من فلسطين إلى مخيم عين الحلوة بجنوب لبنان، ومن تلك النظرة فى عيون أمهاتنا وآبائنا.. لم يكن لديهم بيانات، ولكن الحزن فى عيونهم كان لغة تعلمنا وتملؤنا بالغضب، الذى يعبر عنه مرات بالصوت ومرات بالفعل.. معظم أبناء وبنات تجى لى بال خمسينيات تعرض لحالة قهر وكنا فى مخيم عين الحلوة فى لبنان نتطلع عبر سجننا الصغير، هذا ونستنجد بأى قوة خير.. ‏ولما قامت ثورة دولية انتشينا واندفعنا فى شوارع المخيم نهتف للثورة، ونكتب على الجدران نحييها كنا عاجزين عن تقديم شىء غير ذلك ولكننا شاركنا بنفَسِنا وحياتنا

وحين استرجع هذه الصورة أفكر كم أننا نفتقدها الآن فى وقت صارت فيه المنطقة العربية بحيرة أمريكية عمليا وضربه الثورة الفلسطينية. يحاول المرء ليس تعزية نفسه ولكن الوقوف وقفة أمام تجربته، أشعر أن لا أحد يقف. تكال لنا الضربات من كل الاتجاهات فى قصف ليس عشوائيا بل بقصف سياسى مدروس وموجه، يهلكوننا من كل الجهات.

س……………..

‏ولدت عام 1937 فى قرية الشجرة بين طبرية والناصرة قضاء الجليل ولجأت عام 1948 إلى أحد مخيمات الجنوب اللبناني، هو مخيم عين الحلوة، بالقرب من صيدا وكغيرى من أبناء المخيم كنت اشعر بالرغبة فى التعبير عن نفسى فأمشى فى المباراة وأشارك فى المناسبات القومية وأتعرض كما يتعرض سواى للقهر والسجن. وفى تلك المرحلة تشكل عندى الإحساس بأنه لابد أن أرسم وبدأت أحاول أن وعبر عن مواقفه السياسية وهمى وقهر من خلال رسوم على الجدران.

فلسطين باختصار

وكنت أحرص أن أحمل معى قلمى قبل أن أتوجه إلى السجن وبالمناسبة كان أول من شجعنى هو المرحوم غسان كنفانى الذى مر على المخيم للمشاركة فى إحدى الندوات. وكان لدينا ناد بسيط أقمناه من الزنك. والتفت غسان إلى الرسوم الكريكاتورية التى كانت ‏على الحائط وتعرف علي. وأخذ منى رسمتين أو ثلاثا ونشرها فى “الحرية”، مجلة التقدميين العرب، التى كان يعمل فيها فى ذلك الوقت ورغم إننى كنت قد حصلت على دبلوم فى الميكانيكا والكهرباء كنت اعمل بشكل موسمى فى البساتين، فى قطف فى البرتقال والليمون ولم يكن هناك عمل آخر متاح ولم يكن مسموحاً لأى فلسطينى أن يكون موظف بلدية.

الشهيد غسان كنفاني

حاولت أن أتابع دراستى وأعبر عن نفسى بالرسم فالتحقت بالأكاديمية لمدة سنة إلا أننى فى تلك المرحلة تعرضت للسجن ست أو سبع مرات. وعملت مدرساً للرسم فترة بسيطة بالكلية الجعفرية فى صور ثم أتيحت لى الفرصة السفر الى الكويت للعمل فى مجلة “الطليعة الكويتية” وهى مجلة ‏للتقدمين الكويتيين.

‏فى الطليعة كنت أعمل كصحفى ومخرج للمجلة وسكرتير تحرير. ثم بدأت احتل مساحة فى المجلة أعبر فيها عن نفسى بلغة الكارياكتور، وتدريجيا اتسعت هذه المساحة فأصبحت أقدم عدة رسوم ثم من صفحة كاملة ثم صفحتين إلى أن اكتشفت أن العمل الأسبوعى لا يفى بحاجتى وأى راغب فى التواصل مع الناس بشكل يومى فاخترت صحيفة يومية . ولما لم يكن هناك انسجام بين خطها وتفكيرى اشترطت ألا يتدخل أحد فى عملى . وكنت قد بدأت أدرك دور الكاريكاتير. وكنت ألاحظ أن رسامى الكاريكاتير فى مصر (المدرسة القديمة ) يستخدمون الحوار بكثرة مما لا يعطى فرصة للقارئ لإعمال ذكائه، فاتجهت إلى عكس ذلك ورحت أخلق رموزا يصير تكرارها نوعا من اللغة المشتركة بينى وبين القارئ.

عندما ذهبت الى الكويت كان همى أن أدخر “قرشين” كأى شخص يتوجه إلى مجتمع استهلاكى من هذا النوع وأذهب بعد ذلك الى دراسة الرسم فى القاهرة أو فى روما ثم اكتشفت أن الكاريكاتير يرضينى و أنه بدلا من أن أقيم معرضاً كل عام أو عامين يصل إلى شريحة معينة من رواد المعارض اقتنعت بدور الكاريكاتير وأجلت طموحى الشخصى بالتعبير عن نفسى وقلت حين ترجع البلاد ولو كنت ما زلت على قيد الحياة أكون قد تقدمت فى العمر فأجلس فى ركنى أعبر عن نفسى بلغة التشكيل والألوان.

فى الكويت عانيت كثيرا، وحياة الفنان فى مجتمع إستهلاكى ليست مسألة بسيطة. لى أصدقاء كثيرون كنا نناضل معاً وسجناً معاً. سنة واحدة فى الكويت وأغرقهم المجتمع الاستهلاكى “تَمْسحوا” (أى صاروا عديمى الإحساس). زال عنهم الإحساس بالواجب تجاه جماهيرهم ومخيماتهم. بتلك المرحلة ولدت شخصية حنظلة ويومها قدمته للقراء بشرح وافٍ:

“أنا حنظلة من مخيم عين الحلوة، وعد شرف أن أظل مخلصاً للقضية وفياً لها…إلخ”. والحق أن هذا العهد كان عهداً أقطعه على نفسي. شخصية هذا الطفل الصغير الحافى هى رمز لطفولتي. أنا تركت فلسطين فى هذا السن وما زلت فيه. رغم أن ذلك حدث من ٣٥ سنة، إلا أن تفاصيل هذه المرحلة لا تغيب عن ذاكرتى وأشعر أنى أذكر وأعرف كل عشبة وكل حجر وكل بيت وكل شجرة مرت على فى فلسطين وأنا طفل. إن شخصية حنظلة كانت بمثابة أيقونة حفظت روحى من السقوط كلما شعرت بشيء من التكاسل أو بأننى أكاد أغفو أو أهمل واجبى أشعر بأن هذا الطفل كنقطة ماء على جبينى يصحّينى ويدفعنى إلى الحرض ويحرسنى من الخطأ والضياع. إنه كالبوصلة بالنسبة لي، وهذه البوصلة تشير دائماً إلى فلسطين. وليس فقط إلى فلسطين بالمعنى الجغرافى ولكن بالمعنى الإنسانى والرمزى أى القضية العادلة أينما كانت فى مصر أوفى فييتنام أو فى إفريقيا الجنوبية.

وأنا شخصياً، إنسان منحاز إلى طبقتي. منحاز للفقراء وأنا لا أغالط روحى ولا أتملق أحداً. والقضية واضحة ولا تحتمل الاجتهاد: الفقراء هم الذين يموتون وهم الذين يسجنون وهم الذين يعانون معاناة حقيقية. هناك طبعاً من تاجر بقضايا الفقراء، وهناك من يمر بمرحلة النضال مرور ترانزيت ويطالب بعد ذلك بأن يصبح نجماً أبدياً. المناضل الحقيق دائم العطاء يأخذ حقه من خلال حق الآخرين وليس على حسابهم.

ويلاتنا كثيرة ومرارتنا كثيرة وأنا لا أتحدث كفلسطينى فقط ولكن كابن مخيم فى لبنان وأشعر أننى مدين لأبناء مجتمعي. هناك كثيرون ضمن مواقع السلطة والمؤسسات لا يرضيهم عملي. الأنظمة تحب أن يكون الفنان أو المثقف أو الصحفى أداة من أدواتها فيعلّقوا له النياشين والأوسمة ولكن بتقديرى أن على الفنان أن يكون مخلصا لجماهيره.

أنا من مخيم عين الحلوة، وعين الحلوة مثل أى مخيم آخر. أبناء المخيمات هم أبناء أرض فلسطين. لم يكونوا تجاراً ولا مُلاّكاً. كانوا مزارعين فلما فقدوا الأرض فقدوا حياتهم فذهبوا إلى المخيمات. كبار البرجوازيين لم يأتوا للإقامة فى المخيمات، أبناء المخيمات هم الذى تعرضوا للموت ولكل المهانة ولكل القهر. وهناك عائلات كاملة استشهدت فى مخيماتنا، وهؤلاء الفلسطينيون هم الذين يعنوننى حتى حين أتغيب عن المخيم بحكم ظروف عملي.

س…………

كنت أعمل بالكويت حين صدرت جريدة السفير فى بيروت. ولقد اتصل بى طلال سلمان، وطلب منى أن أعود إلى لبنان لكى أعمل بها. شعرت أن فى الأمر خلاصاً، فعدت. ولكنى تألمت وتوجعت نفسى مما رأيت. فقد شعرت أن مخيم عين الحلوة كان أكثر ثورية قبل الثورة. كانت تتوفر له رؤية أوضح سياسياً، يعرف بالتحديد من عدوه ومن صديقه. كان هدفه محدداً: فلسطين، كامل التراب الفلسطيني. لما عدت كان المخيم غابة سلاح، صحيح، ولكنه يفتقد إلى الوضوح السياسي، وجدته أصبح قبائل. وجدت الأنظمة غزته وعرب النفط غزوه ودولارات النفط لوثت بعض شبابه. كان المخيم رحماً يتشكل داخله مناضلون حقيقيون ولكن كانت المحاولات لوقف هذه العملية. وأنا أشير بإصبع الاتهام لأكثر من طرف، صحيح هناك تفاوت بين الخيانة والتقصير، ولكنى لا أعفى أحداً من المسؤولية. الأنظمة العربية جنت علينا، وكذلك الثورة الفلسطينية نفسها. وهذا الوضع الذى أشير إليه يفسر كثيراً مما حدث أثناء غزو لبنان.

س…….

عندما بدأ الغزو كنت فى صيدا. الفلسطينيون فى المخيمات شعروا أنه ليس هناك من يقودهم. اجتاحتنا إسرائيل بقوتها العسكرية، انقضت علينا فى محاولة لجعلنا ننسى شيئاً اسمه فلسطين. وكانت تعرف أن الوضع عموماً فى صالحها، فلا الوضع العربي، ولا الوضع الدولي، ولا وضع الثورة الفلسطينية يستطيع إلحاق الهزيمة بها. والأنظمة العربية حيدت نفسها بعد كامب ديفيد.

فى الماضى كانت الثورة الفلسطينية تبشر بحرب الأغوار، بالحرب الشعبية، العدو جاء باتجاهنا وكل قياداتها العسكرية كانت تتوقع الغزو. وبتقديري، ورغم أننى لست رجلاً عسكريا، ولم أطلق رصاصة فى حياتي، أنه كان من الممكن أن تجتاح إسرائيل لبنان بخسائر أكبر بكثير. وهنا تشعرين أن المؤامرة كانت واردة من الأنظمة ومن غير الأنظمة، أقصد مؤامرة تطهير الجنوب والقضاء على القوة العسكرية الفلسطينية وفرض الحلول “السلمية” وتشعرين أنه مقصود أن تقدم لنا هذه “الجزرة” لكى نركض وراء الحل الأمريكي. هذا هو الوضع العربى والوضع الفلسطينى جزء منه. بتقديرى أنه كان يمكن أن نسدد ضربات موجعة لإسرائيل ولكن مخيماتنا ظلت بلا قيادة. وكيف لأهاليها أن يواجهوا الآلة العسكرية الإسرائيلية، الطيران والقصف اليومى من البر والبحر والجو، بالإضافة إلى أن الوضع كان عملياً مهترئاً. قيادة هرمت، ومخيمات من زنك وطين، اجتاحها الإسرائيليون وجعلوها كملعب كرة القدم، ومع ذلك وصل الإسرائيليون إلى بيوت وحدود صوفر والمقاومة لم تنقطع من داخل المخيمات وبشهادات عسكريين إسرائيليين وشهادتى الشخصية- اعتقلت أنا وأسرتى كما اعتقلت صيدا كلها وقضينا 3 أو 4 أيام على البحر.

بعد أن تم الاحتلال كان همى أن اتفقد المخيم لأعرف طبيعة المقاومة والقائمين بها. أخذت معى ابني- وكان عمره 15 سنة وذهبنا بالنهار. كانت جثث الشهداء ما زالت بالشوارع والدبابات الإسرائيلية المحروقة على حالها على أبواب المخيم لم يسحبها الإسرائيليون بعد. تقصيت عن طبيعة المقاومين فعرفت أنهم أربعون أو خمسون شاباً لا أكثر. كان الإسرائيليون قد حرقوا المخيم، والأطفال والنساء كانوا فى الملاجئ، وكانت القذائف الإسرائيلية تنفذ إلى الأعماق، وكان قد سقط مئات الضحايا من الأطفال فى المخيم وفى صيدا. وبشكل تلقائى عاهد هؤلاء الشباب أنفسهم وبعضهم أنهم لن يستسلموا وأنها الشهادة أو الموت. وفعلاً لم تستطع إسرائيل أن تأسر أى واحد من هؤلاء الشباب. بالنهار فى ضوء الشمس كانت إٍسرائيل تنقضّ عليهم، وفى الليل يخرجون بالآر بى جى فقط.

هذه صورة مما حدث فى مخيم عين الحلوة، وأنا شاهد ولكنى أعرف ان هناك صوَراً أخرى بمخيمات صور والبرح الشمالى والبَصّ والرشيدية.

إن الناس فى الملجأ وفى الشارع يدعون الله، يسبّون الأنظمة وكل القيادات ويلعنون الواقع ولا يبرئون أحداً، ويشعرون أن ليس لهم إلا الله ويتحملون مصيرهم.

جماهير الجنوب بما فيها جماهيرنا الفلسطينية المعثرة (الفقيرة) هى التى قاتلت وهى التى حملت السلاح ووفاء لهذا الشعب العظيم الذى أعطانا أكثر مما أعطانا أى طرف آخر وعانى وتهدم بيته لا بد من أن يقول المرء هنا أن مقاومى الحركة الوطنية اللبنانية قد جسدوا روح المقاومة بما يقارب الأسطورة. وفى رايى أن الإعلام العربى مقصر فى عملية توضيح روح المقاومة الحقيقية.

فى عين الحلوة تبعثر الناس بين البساتين مع أطفالهم، أما إسرائيل فلمت كل الشباب (أنا مثلاً انفرزت 4 أو 5 مرات) ثم اعتقلت ونقلت معظمهم إلى أنصار. وهنا بدأ دور النساء. ولا أعتقد بإمكان أى فنان أن يجسد ذلك الوضع الذى عاش فى ظله أهالى الجنوب. على الفور بدأت الناس- والجثث فى الشوارع- تعود إلى بيوت الزنك الذى انصهر وتعمل مع أطفالنا على إصلاح البيت بالأحجار، بالخشب، تظلل أولادها من الشمس، تعمل كالنمل تعيد بناء عششها التى تهدمت. وكان شاغل إسرائيل والسلطة اللبنانية أيضاً أن تختفى هذه المخيمات لأنها هى البؤرة الحقيقية للثورة ولكن النساء والأطفال فى غيبة الرجال فى معسكرات الاعتقال أو المختفين ممن الرصد الإسرائيلى قاموا بإعادة بناء مخيم عين الحلوة.

شاهدت كيف كان الجنود الإسرائيليون يخشون من الأطفال (الشبل ابن العاشرة أو الحادية عشرة كان لديه القدر الكافى من التدريب الذى يمكنه من حمل مدفع الآر بى جي، والمسألة ليست معقدة، دبابتهم أمامك وسلاحك فى يدك) كان إسرائيليون يخشون من دخول المخيم، وإن دخلوه فلا يكون ذلك إلا فى النهار.

عندما تركت لبنان من أكثر من سنة كان مخيم عين الحلوة قد عاد… الحائط الذى ينهدم يعاد بناؤه ويكتب عليه “عاشت الثورة الفلسطينية” المجد للشهداء. وفى تقديرى أن هذا العمل لم يكن بتوجيه من أحد بل جاء تلقائيا وكنوع من الانسجام مع النفس. كبرياء الناس وكرامتهم هى التى تملى عليهم تلك المواقف. لأنه فى حالات كثيرة كان الإنسان يتمنى الموت. الإسرائيليون أوصلونا إلى حالة نفسية من هذا النوع. كنا قد تجاوزنا مرحلة الخوف والهلع. وكان الخط الفاصل بين الحياة والموت قد سقط.

س…………..

انصابت ابنتنا الصغيرة “جودي” من قصف عشوائى من جماعة سعد حداد، وكان ذلك سنة 1981 قبل الاجتياح. كنت نائماً وسمعت الصراخ ثم حملتها وهى تصرخ وأجرينا لها عملية جراحية، ولا نزال نعالجها.

ولكن مصيبتنا تتضاءل أمام مصائب الناس فهناك عائلات فقدت خمسة وستة شباب من أبنائها وأصبح البيت خاوياً، همنا الشخصى لا يذكر. وكان يؤرقنى طوال الوقت إحساسى بالعجز عن الدفاع عن الناس، فكيف أدافع عنهم برسم؟! كنت أتمنى لو أستطيع أن أفدى طفلاً واحداً. إن ظروف الاجتياح من قسوتها، أفقدت الناس صوابهم. مرة وأنا عائد إلى البيت مع ابنى خالد وجدت رجلاً عارياً. كان الناس ينظرون إليه باستغراب، ناديت على وداد، زوجتي، طلبت منها أن تنزل لى قميصاً وبنطلوناً. كان الرجل حجمه كبيراً فأحضرت قميصاً من عندى وبنطولناً من عند جارنا وألبسناه. كان الرجل فى وضع مأسوى جداً، حاولت أن أسأله ولكنه لم يتكلم. سألت عنه فعرفت أنه من صيدا، وأنه عندما استمر القصف عدة ليال اضطر للخروج ليحضر لأولاده خبزاً أو أى شيء يأكلونه، على أمل أن يجد دكاناً مفتوحاً، لأن صيدا القديمة شوارعها مسقوفة وبالإمكان أن يسير فيها الإنسان بقدر نسبى من الأمان. لم يجد الرجل أى دكان مفتوح فعاد إلى بيته. ولكنه وجد البيت وقد تهدم على زوجته وأطفاله السبعة أو الثمانية ففقد توازنه.

وعندما أخذنا الإسرائيليون باتجاه البحر مررت من أمام هذا البيت فوجدت لافتة صغيرة مكتوباً عليها بالفحم “انتبه هنا ترقد عائلة فلان” (للأسف نسيت اسم الشخص). وهذه اللافتة هو نفسه كتبها لأن الجثث كانت ما تزال تحت الردم. فقد الرجل عقله وسار فى الشارع عارياً.

هذه صورة من صور المآسى وهى عديدة. كان البعض يسير أمام الدبابات الإسرائيلية ويهتف “تعيش الثورة، تسقط إسرائيل، يسقط بيغين” فى حالة فقدان للتوازن.

بجوار بيتنا هناك ساحة، جاءت جرافات كبيرة وتصورنا أن الإسرائيليين سيقيمون مواقع دبابات ولكنهم كانوا قد لملموا الجثث من الشوارع وأتوا بها لدفنها فى هذا المكان الذى أصبح مقبرة جماعية.

كل من عاش هذه التجربة رأى حجم المأساة، البعض استطاع استيعابها والبعض الآخر فقد اتزانه. ومع ذلك لم يعد هناك خيار. كانت المرأة تدافع عن زوجها، تعيد بناء بيتها، تؤمن ماءها، تطمئن على الأولاد فى أى معتقل، تخرج فى المظاهرات، تطالب بالإفراج عن الرجال المعتقلين. وكانت إسرائيل تحصدهم حصداً بالرصاص. وهناك صديقة إيطالية صورت مشهد النساء اللاتى سقطن برصاص الجنود واستشهدن ولاحقها الإسرائيليون ومرغوها فى الوحل، ولكنها استطاعت الهروب وجاءت إلى البيت عند وداد زوجتى وغسلت الكاميرا ونشرت الصورة التى التقطتها بمجلات غربية.

فى هذه المرحلة كان الجيش الإسرائيلى يأتى بصحفيين إلى صيدا ويجعلهم يشاهدون كيف أن الجيش الإسرائيلى يقدم مياها للشرب للأطفال. ولم تكشف الصحافة المجازر التى جرت فى صيدا. صحيح أن بعض الصحفيين كشفوا الذى حدث فى صبرا وشاتيلا ولكن حتى هذا تم جزئياً فى سياق هدف سياسي. لم يكن الهدف من هذه المجازر البشعة قتل آلاف من الفلسطينيين إنما كان الهدف جزرنا بالمعنى النفسى أى أن نيأس إلى حد التنازل عن حقنا فى فلسطين. ولكنه حتى إنْ مل البعض النضال فهناك أجيال آتية وكما كنا نتعلم من الحزن فى عيون آبائنا سوف تلتقط منا من بعدنا الرسالة. جيلنا أعطى ولكن حجم المؤامرة علينا كان أكبر. والواقع العربى خدم أعداءنا، والواقع الدولى ومسائل أخرى كثيرة. شعبنا لا ينقصه قيادة بل حزب، حزب يملك دليلاً نظرياً كاملاً يبدأ من نقطة الصفر. إن تفهمى من كلامى أنى غير راض عن الثورة سأقول لك نهم، أنا غير راض. أشعر أن فلسطين بحاجة إلى ملائكة، جند الله، ألف جيفارا، أنبياء تقاتل، قيادات حقيقية واعية تعرف كيف ترد. وبتقديرى أن الأنظمة العربية أجهضت ثورتنا وبتقديرى أيضاً أن المقولة القائلة إن الفلسطينيين وحدهم هم الذين عليهم تحرير فلسطين هى مقولة خائنة، فكلنا يعرف ما هى طموحات إسرائيل بالنسبة لمصر ولبنان وسوريا.

بعد الاجتياح بقيت شهراً فى صيدا، حاولت، مثلى مثل غيري، أن أرمم البيت وأن أواسى الناس وأعزيهم، أملأ ماء، أنقل أشياء للناس إلخ. ولكنى كنت أفكر ماذا أفعل وانتهيت إلى ضرورة الذهاب إلى بيروت حيث جريدة السفير وحيث بإمكانى أن أرسم.

مر وقت ظن فيه الناس أنى مت، إلى أن مرّت إحدى البنات بصيدا واكتشفت أنى موجود فأعطيتها رسومات لى لكى يطمئنوا فى السفير ويتأكدوا من أنى ما زلت حياً.

وكنت طوال الوقت أفكر: ماذا أفعل؟ وأنتهى بى تفكيرى إلى ضرورة الذهاب إلى بيروت، فودعت زوجتى وأولادى وذهبت. كان من الصعب أن اصل، ليس فقط بسبب الإسرائيليين ولكن أيضاً بسبب الكتائب الذين كانت معرفتهم بأنى فلسطينى سبباً كافياً لقتلى.

بدأت رحلتى ذات صباح باكر فى سيارة ثم نزلت بين أشجار الزيتون فى مَنزَل اسمه الشويفات واتجهت إلى بيروت مشياً ويومها التقيت بالكاتب المسرحى السورى سعد الله ونوس الذى كان طالعاً باتجاه دمشق وكانت لديه أخبار بأنى ميت. ثم وصلت السفير.

وفى بيروت التقيت بالكاتبين الفلسطينيين حنا مقبل (رحمه الله) ورشاد أبو شاور وكانا يصدران مجلة اسمها المعركة، فصرت أرسم فى السفير وأرسم فى المعركة وأتساءل ما الذى بإمكان المرء أن يفعله فى مواجهة هذا القصف من الجهات الست (من الجهات الأربع ومن الجو والسيارات المفخخة). وكما يقول الفلسطينيون “هنا يكون الموت موجب كثير” كان المواطن منا يشعر بالتقصير والعجز ويرحب بالموت.

وعشنا معاً نحن العاملين فى السفير فى تلك الفترة (وحتى البنات مرة طبخن لنا مكرونة بلا لحم طبعاً ولا أى شيء ولكننا وجدناها أشهى أكلة. وكان معنا شاب مصرى يعمل فى الكانتين ويظل ساهراً معنا يأتينا بالشاى والقهوة). كانت تجربة خاصة وحميمية، وكان شاغلنا هو رفع معنويات الناس بالكلمة، وبالمانشيت، وبالرسم.

السفير قدمت من شبابها، والشاعر على فودة استشهد وهو يوزع مجلة “الرصيف” التى كان يصدرها. كانت المسألة قدرية، القذائف تصل الأطفال فى الملاجئ…وهكذا يشعر الإنسان أن بقاءه حياً محض صدفة، إذا جاءت القذيفة جاءت وإن لم تأت فذلك مجرد صدفة، لم تكن هناك فرصة أمام أحد ليحزن أو ليبكي. وأنا بكيت مرة واحدة بعد خروج المقاومة ومجزرة صبرا وشاتيلا.

ولم يكن بكائى قهراً بقدر ما كان إعلاناً أنى فلسطينى وأنى أبكى الشهداء وأبكى الوضع. كنت أشعر بالوحشة. كثير من أصدقائى الحميمين كانوا قد ذهبوا وكنت أشعر أن البيوت من حولى فارغة. قبل ذلك كنت تلتقى فى نفس تلك الشوارع بالمناضل المصرى مع المناصل اللبنانى مع المناضل الفلسطينى مع المناضل العراقي. والمرء يشعر بوجودهم ويتحامى فيهم ويستظل بهم. ومع ذلك صار لبيروت بعد خروج المقاومة معزّة خاصة فى نفسي.

وكنت أسأل نفسي، كيف أعبّر؟ كنت أشعر بالعجز وأتصور أنه لا يوجد أى شاعر يقدر على تجسيد أى مشهد و لحظة واحدة من لحظات بيروت ومع ذلك كنت أرسم.

وفى يوم كان القصف عنيفاً جداً على بيروت، من الجهات الست، وتوقفت كل الصحف ما عدا السفير. وأين نلجأ؟ إلى الدور الأرضى محل المطابع. واستمر القصف طوال الليل ولم يتركوا زاوية أو بيتاً إلا وقصفوه. وعندما خرجت وجدت كل البيوت مصابة من فوق ومن تحت وانضافت إليها شبابيك جديدة! رسمت زهرة مقدَّمة لبنت-رمز بيروت- من الفجوة التى أحدثتها القذيفة مع عبارة “صباح الخير يا بيروت”. إن “صباح الخير” لليلة حالكة بهذا الشكل تكستب معنى خاصاً. تصوري، القارئ، بعد كل هذا القصف والموت، يفتح الجريدة فى الصباح، فيرى الرسم، يرى أحداً يصبّح على بيروت. كان ذلك كلقائنا فى الشوارع بعد القصف نقبل بعضنا بعضاً ونبتهج أننا ما زلنا أحياء وكل شيء يهون ما دمنا ما زلنا أحياء!

وعندما بدأ الرحيل- وبالمناسبة، لم أستطع رؤية هذا المشهد الذى ربما يكون فيه مقتلي…لم أستطع الخروج لتوديع المقاومة ورؤية الناس وهى ترش الزهور والأرز على المقاتلين. أقول عندما بدأ الرحيل مع أول سفينة غادرت الميناء رسمت فدائياً يترك السفينة الراحلة ويسبح عائداً إلى الشاطئ وهو يقول “والله اشتقنا يا بيروت!”.

س………….

الرسم بالنسبة لى مهنة ووظيفة وهواية ورغم أننى أعمل رساماً منذ عشرين سنة إلا أننى لم أشعر أبدا بالرضا عن عملي. أشعر بالعجز عن توظيف هذه اللغة التعبيرية فى نقل همى لأن همى كبير، هل ترين كيف؟ والرسم هو الذى يحقق لى توازنى الداخلي، هو عزائى ولكنه أيضاً يشكل لى عذاباً. أحياناً أقول إن هذا الكاريكاتير الذى أرسمه يجعل حظى أفضل من غيرى أنه يتيح لى إمكانية تنفيس همى وأن الآخرين قد يموتون كمداً وقهراً من ذلك الهم الذى يجثم على قلوبهم وينفث سمه اليومى فيهم. أنا أعرف أن الرسم يعزينى.

وأشعر أيضاً أن الكاريكاتير لغةُ تخاطبٍ مع الناس، لغة تبشير وهو للنقد وليس للترفيه، وأعتبر نفسى جرّاحاً من نوع ما. أرى أن حزنى ومرارتى وسوداويتى التى أعبر عنها هى حالة نبيلة ومشتركة بينى وبين المواطنين الذين يحزنهم ويوجعهم هذا الواقع العربي. قلت لك إننى فى الكويت خلقت شخصية حنظلة خوفاً من التلوث بالمجتمع الاستهلاكى وإنى حاولت أن أرسم بدون تعليق وأن أخلق رموزاً مشتركة بينى وبين القارئ، ومع ذلك فإننى أشعر مرات عديدة أننى أريد أن أكتب تعليقات وأحكى كثيرا ، أعمل منشورا، مانيفستو، أريد أن أؤذن فى الناس أن أوصل رسالتى بوضوح وبأى شكل، وأشعر أحيانا أن ذلك يتم على حساب فنية الصورة، ولكنى أشعر أنى لا أستطيع أن “أتمرجل” وأتعالى على القارئ. أحاول أن أستخدم أدواتى الرمزية ولكنى أيضاً مشغول بقضية التوصيل الواضح للشخص العادى الفقير والذى يعنينى فى المقام الأول.

س………

كنت أتابع مجلتى صباح الخير وروز اليوسف أيام أحمد بهاء الدين وصلاح جاهين ورجائى وإيهاب وحجازى وبهجت ورؤوف. ويبدو لى أننا نشأنا فى نفس الوقت ولكنهم سبقونى قليلا- ربما لأنه توفرت لهم الفرصة. كانت المادة التى يقدمها هؤلاء الفنانون بها موقف ومتعة ذهنية وصفات مميزة. الْهَمّ الذى كان عندى كان يختلف بعض الشيء. وعندما أسأل بمن تأثرت أقول إننى تأثرت بكل نَفَس طيب إن كان كلمة أو رسمة أو لقاء.

وعندما أرصد دور الكاريكاتير فى مصر أتوقف أمام المواقف المشرفة والمحفوظة ليس فى ذاكرتى فقط ولكن فى ذاكرة كل الناس لفنانين كحجازى وبهجت ورؤوف. وأنا أتابع، إلى حد ما، جريدة الأهالى وأرى رسوم عز العرب. ثم أن هناك أيضاً نبيل السلمى وجورج البهجوري، ورغم أن تعاملهما مع الكاريكاتير محدود إلا أن المرء يعرف مدى معاناتهما يقدر مواقفهما فى برلين أو فى باريس يعلم أن مجرد إحجامهما كان موقفاً يرفض المشاركة فى عمليات التدليس والتزييف والجو الإعلامى المبرمج لجعل كل أدوات الثقافة موجهة لخدمة التطبيع وعلى حساب حقوق شعبنا وحقوق الشعب المصرى وكرامته.

س………

بالنسبة لأعدائى لا أفرق بين عدوى الإسرائيلى وعدوى العربي. لا فرق بين أن يكون اسمه محمد أو إلياس أو كوهين. لست عنصرياً. لقد اتخذت موقفاً ضد حرب لبنان لأنها حرب “مفبركة” وترتبت بأدوات لخلق كل هذه المصائب. الفقير المارونى وُظف ليقاتل من أجل طبقة برجوازية مارونية ضالعة مع إسرائيل وأمريكا وضالعة مع عرب أمريكا. والفقير الفلسطينى أو الفقير المسيحى يموت وعلى بصره وبصيرته غشاوة تجعله يفشل فى تحديد أعدائه الحقيقيين. هذا القضايا أحاول شرحها وألح عليها كثيراً.

المؤامرة على المنطقة إذن مستمرة، وأدوات القمع تزداد، والقبلية تكثر وهذا لا يجعل المرء يستسلم بل لا بد أن يستنفر قواه الذاتية وهذا واجب كل القوى الديمقراطية، واجبها أن تشكل نسيجاً واحداً. ولا أعتقد أن هناك اختلافاً أساسياً بين المواطن المصرى والمواطن التونسى مثلاً. هناك حقوق مهضومة وواقع تجزئة.

وما أراه أن أمريكا تقاتل من خلال أنظمتها-عرب أمريكا- وأجهزتها البوليسية والإعلامية. ورغم شعورى أن هذا زمن رمادى وزمن داكن فما زلت أبشر بالثورة، ثورة حقيقية مهما كانت التضحيات. إن هذا التمزق الضيق والضغوط والمعاناة لا بد أن يولد منها شىء.

س…….

ما هو واجب المثقف…هل ينتظر أن يركب دبابة؟! ليس المطلوب منه سوى أن يظل ملتصقاً بهمّ الناس ويعبر عن هذا الهَمّ. والديمقراطية بحاجة لشهداء أيضاً وبتقديرى أن هناك المئات من السلاطين الجائرين وأن كلمة حق واجبة وضرورية وعلى المرء أن يؤذن فى الناس.

ورغم أنى شخص غير مثقف إلا أننى أحب قراءة الصفحات الثقافية فى الجرائد وأتابع الظواهر الثقافية وأظل قلقاً لأنى أعرف أن المثقفين يتعرضون لكثير من الضغط والإغراءات وأن هناك أموال نفط أثرت وما زالت على المئات منهم. لذلك عندما أسمع صوتاً كصوت أحمد فؤاد نجم أو أرى رسما لبهجت أو لحجازى أفرح وأنتعش. وعندما أرى مثقفاً كبيراً، أستاذا جامعياً أو كاتباً، يستخدم لحساب هذه الجهة أو تلك أغضب وعندما أرى شاعراً يحبه الناس ويصنعون منه نجماً يركب الناس أحزن وأبتئس. إن لم يكن من يتغنى بالزيتونة يحب الفلاح الذى غرسها ومستعداً للموت من أجله فأنا لا أريد شعره ولا شاعريته.

هناك ناس تخسر روحها، بلغة المسيح، وإن كسب الإنسان كل الدنيا وخسر نفسه فما هى قيمته؟ والمثقف الذى يستخدم لحساب الأنظمة وإسرائيل والإمبريالية هل يولد من بطن أمه خائناً؟ إنه يبدأ بضمير رخو، ثم يقدم التنازل تلو التنازل ويتحول إلى أداة من أدوات الإعلام الرسمي. ويفكر أنه ناجح وكبير ومهم وهو فى الحقيقة مجرد صامولة، مسمار أداة، لا شىء.

س………

منذ طفولتى وأنا متأثر بشخصية المسيح، ولقد قرأت التوراة والإنجيل والقرآن وأحمل صليباً داخلى وحججت مرتين. إن أول رسم كاريكاتير فكرت فيه هو أن أصلب نفسي، ليس أن أرسم نفسى مصلوباً بل أن أذهب إلى الأمم المتحدة حاملاً صليبي، نوع من التعبير عن وضعنا وحقنا المهضوم، كان عمرى 13 أو 14 سنة. البوذيون يحرقون أنفسهم احتجاجاً وهذا نوع من التعبير السياسى والعطاء.

س………….

المسيح يعنينى كقيمة للفداء ولقد رسمته كثيراً ليس لأنه فلسطينى بل لأنه كان مطارداً أو مغلوباً وهو النبي. أرسمه كجنوبى من لبنان أو كفلسطينى من أبناء المخيمات.

س……….

أتوق إلى زيارة القاهرة، لم أزرها منذ سنوات عديدة. أريد أن آتى ليس للسياحة ولكن كنوع من الوفاء لمصر وحباً لشباب على لسانهم كلمة فلسطين، ما زالوا يرفعون العلم الفلسطيني. أريد أن آتى لأشمهم وأحضنهم وأقول لهم إن كل هذا محفوظ ومقدر وإن شعب فلسطين لن ينسى الخونة ويستحيل أن ينسى من قدموا وأعطوا وظلوا أوفياء للقضية، وأشعر أن من يرفع علم فلسطين ليس وفياً لفلسطين وحدها بل أيضاً لشهداء سيناء.

المبدعة الراحلة رضوى عاشور

س………..

فى الحرب وأنا فى الملجأ قلت لزوجتى إننى أنذر نذراً لو بقيت على قيد الحياة فسوف “أفضح” هذا الواقع العربى بكل مؤسساته وبكل أنظمته على حيطان العالم العربى كله، إن لم أجد جريدة. وما زلت عند نذري. عندى رغبة فى الاستمرار وفى الإيفاء بالنذر…. المعركة مفتوحة وما زال عندى أمل. وعندى إحساس أنه لا بد من الحصول على حقوقنا المهضومة مهما كان الثمن. وأشعر بالضعف أمام الناس البسيطة. أما النجوم فليس عندى نجوم. شيء طبيعى أن يكون المرء ثورياً وأن يكون محترماً…وليس طبيعياً فى المقابل أن يركب على أكتافنا!.

*عن موقع فالصو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *