الرئيسية » ملفات » غدي فرنسيس : البحث عن ناجي العلي في عين الحلوة (ملف/9)

غدي فرنسيس : البحث عن ناجي العلي في عين الحلوة (ملف/9)

البحث عن ناجي العلي في عين الحلوة
غدي فرنسيس
“اسمي ناجي العلي.. ولدت حيث ولد المسيح، بين طبرية والناصرة، في قرية الشجرة بالجليل الشمالي، أخرجوني من هناك بعد 10 سنوات، في 1948، إلى مخيم عين الحلوة في لبنان..”. (*)
لا تمثال لناجي العلي على مدخل عين الحلوة. التمثال الذي نحته شربل فارس بعد استشهاده لم يصمد لأكثر من عام 1987… ضاق به المخيّم! أطلق مجهولون النار عليه تحت عينه اليسرى، ثم أنزل وسحل. أعاده أصدقاء ناجي العلي إلى مكانه، ثم ما لبث أن اختفى نهائياً بعد ذلك.
يبتعد الحاجز في المرآة، ويرقص حنظلة المعلّق في السيارة التي تنزلق في وعورة الطريق. يتضاءل الضوء تدريجياً وصولاً إلى الأزقة الضيقة. تزدحم الزواريب بالأولاد من مختلف الأعمار، بعضهم شبه حفاة في برد كانون وبعضهم أوفر حظاً… يطلّ حنظلة من كل مكان، رغم غياب صاحبه صورة وجسداً. يقف مكتوف اليدين على زجاج السيارات، في محلاّت التذكارات، في واجهات غرف الضيافة في البيوت، على سلاسل المفاتيح والهواتف والكوفيات.. ورغم ذلك، انتقالاً بين مفارق السوق الهادئ ظهر الجمعة، عشرات الوجوه الشابّة والمسنّة لم تعرف من هو ناجي العلي. حتى بعض من علّقوا حنظلة على سياراتهم لم يملكوا إجابة للسؤال.
لو لم يغتل ناجي العلي في لندن عام 1987، لكان اليوم عمره حوالى 73 عاما. أين منزل ناجي العلي في عين الحلوة وكيف كانت حياته فيه، وأين هؤلاء الذين عاصروه وعرفوه، وتكلموا معه وتألموا معه؟
“كنت صبياً حين وصلنا زائغي الأعين، حفاة الأقدام، إلى عين الحلوة.. كنت صبياً وسمعت الكبار يتحدثون.. الدول العربية.. الإنجليز.. المؤامرة.. كما سمعت في ليالي المخيم المظلمة شهقات بكاء مكتوم.. ورأيت من دنت لحظته يموت وهو ينطلق إلى الأفق في اتجاه الوطن المسروق، التقط الحزن بعيون أهلي، وشعرت برغبة جارفة في أن أرسمه خطوطاً عميقة على جدران المخيم.. حيثما وجدته مساحة شاغرة.. حفراً أو بالطباشير..”.
بين لوحات ورسوم وتذكارات فلسطينية وكوفيات كثيرة للبيع، تجلس عدلة منصور، وتدير محل العائلة. “بنت الجبهة الشعبية” كانت طفلة حين سمعت أن ناجي أتى وعائلته من الكويت، وسيزورهم. فزوجته وداد كانت صديقة أختها، وهي كانت تعرف من هو ناجي العلي. “جيل اليوم لا يعرف ناجي.. كل شيء تغير في عين الحلوة”. تحكي عن التمثال الذي لم يصمد. أزالوه بحجة أنه كالأصنام، محرّم في الدين، تقول. ورغم معارضة البعض، مرّ الموضوع من دون ردة فعل، فالحالة كانت متوترة في المخيم. تختم عدلة بحاجبين مرتفعين فوق عيون مستديرة: “كان بدنش يعملو وقتها مشاكل بالمخيّم”.
ترشدنا عدلة إلى عنوان البيت الذي سكن فيه ناجي العلي، وبيت أخته البكر التي كانت كأم ثانية بعد فاطمة، بطلة رسومه الكاريكاتيرية هي ووالده أبو حسين. بعد بضع خطوات بعد المسجد التابع لحركة حماس، محل تجاري مقفل الأبواب لدواعي صلاة الجمعة. لون جرار الحديد البني وطلاء جدرانه البيضاء لا ينبئ بزمن قديم.. أصحاب البيت تغيّروا، ولم يبق أحد من عائلة العلي هنا. البيت الذي تهدم في اجتياح المخيم، ثم أعيد تشييده تغيّر مع زمانه. ذهبت معه الجدران التي رسم عليها ناجي أولى رسوماته. اليوم، لا شيء في الحي يخبر عنه سوى واحد من جيرانه.
“متهم بالانحياز، وهي تهمة لا أنفيها.. أنا لست محايداً، أنا منحاز لمن هم “تحت”.. الذين يرزحون تحت نير الأكاذيب وأطنان التضليلات وصخور القهر والنهب وأحجار السجون والمعتقلات.. أنا منحاز لمن يقرؤون كتاب الوطن في المخيمات..”.
مروراً تحت صورة لجمال عبد الناصر، تطل عدة أبواب لعدة بيوت خلفية. خلف الباب الوحيد الذي فتح، أب وابنته وثلاثة رجال. الأكبر سناً كان في جلسة قهوة أمام شاشة “المنار”. كان طفلاً حين كان ناجي الشاب الرسام المختلف الغريب الأطوار الذي يثير فضول الأطفال فيراقبونه. “نحن نعرفه. فهذا منزل أهل صلاح صلاح، كانوا رفاقاً في النضال ونحن كنا صغارا نلعب حولهم”.
صورة ناجي من ذاكرته رجل نحيل يتكلم في السياسة مع الكبار، والسيجارة لا تفارق أصابعه. “كانوا يجتمعون هنا، أبو وائل وصلاح وناجي وكثيرون، بعضهم استشهد وبعضهم شاخ وبعضهم رحل عن المخيم. كانوا يمضون ساعات طويلة في المساء يتحدثون عن فلسطين والثورة والنكبة والمقاومة والجبهة الشعبية والقومية العربية التي جمعتهم”.
هذا بعض ما تمكن فنجان القهوة مع عائلة صلاح أن يحصده من قصص. لا يذكرون عنه الكثير. فالرسام الثائر كان يمضي نهاره في بيروت في جريدة “السفير”، وقبل ذلك كان مهاجراً في الكويت حين عمل في مجلّة “الطليعة” وصحيفة “السياسة” و”القبس” الكويتية. وقبلها كان يتنقل بين السجون ومراحل الاضطهاد والمشاكل مع “المكتب الثاني”.
كانت صلابته تستفز الكثيرين، حتى بعض الفلسطينيين. “كامل التراب الفلسطيني”، هذا أكثر ما كان يردده. لم يسلم ناجي حتى من المضايقات الفلسطينية، ولم يتراجع عن حدة رسومه رغم كل شيء. حمل حنظلة دمه على كفه وأمضى أيامه ذهاباً إياباً إلى المخيم الذي كان شغله الشاغل.. ورسم عين الحلوة امرأة تبكي صباح اجتياح 1982.
“كنت أعمل في الكويت حين صدرت جريدة “السفير” في بيروت. ولقد اتصل بي طلال سلمان وطلب مني أن أعود إلى لبنان لكي أعمل فيها. وشعرت أن في الأمر خلاصاً، فعدت ولكني تألمت وتوجعت نفسي مما رأيت، فقد شعرت أن مخيم عين الحلوة كان أكثر ثورية قبل الثورة، كانت تتوفر له رؤية أوضح سياسياً، يعرف بالتحديد من عدوه وصديقه، كان هدفه محدداً، فلسطين، كامل التراب الفلسطيني”.
الطريق من منزل ناجي العلي إلى “جبل الحليب”، حيث بيت أخته البكر زهرة، يحتاج إلى نحو خمس دقائق سيراً على الأقدام. بيوت التلة هذه التي تسمى جبل الحليب، تختلف عن الأزقة الأخرى في عين الحلوة. تفصل بينها بعض الفسحة، وحولها الضوء والهواء أكثر.. بنيانها وسياراتها توحي بأحوال اقتصادية أفضل، بالمقارنة مع الأحياء الأخرى، مثل “اللوبياء” و”الصفصاف” و”الشارع التحتاني”.
في مبنى ثلاثي الطوابق، يعيش أولاد أخت ناجي العلي، كل مع عائلته. أمام المنزل، شاب أربعيني يترجل من سيارته ليسأل من نحن. بعد الاستيضاح، يدقّ الجرس، فيطلّ من شرفة الطابق الثاني رجل مسن بلباس إسلامي.
– يا عمي الحاج، عم يسألوا عن خالي ناجي..
– يتفضلوا!
لا صورة لناجي ولا لحنظلة حيث جلسنا في بيت الحاج ياسين ياسين، ابن أخته الذي يصغره بخمس سنوات. عايشه طفلاً ومراهقاً، ثم شاباً متزوجاً وصديقاً يزوره في منزله في أبو ظبي. “إذا سألت من هو الفلسطيني، أقول إنه ناجي العلي..”.
يروي أول وقفات ناجي الطفل للدفاع عن أهله ووطنه، ويدور على وجهه التباس الابتسامة مع عيونٍ من ألم:
“حين كان طفلاً، كان القائد باسم الدرك والمكتب الثاني اسمه أبو مرعي. كان الحاكم الذي يعاقب ويسجن. أول قدومه، جمع أبو مرعي الناس في المدرسة، أطفالاً وكبارا وشيوخا وأخذ يهيننا في استعراض لسلطته. أنتم الفلسطينيون كذا وكذا وكذا. الوحيد الذي تصدى له كان ناجي. وقف الطفل النحيل وقال له: “أنت لا يحق لك أن تهيننا”. ردّ عليه ألفاظه: “أنت الكذا… وواحد مثلك كذا”. ومنذ ذلك الوقت، حكم ناجي على نفسه بالاضطهاد، فكان أبو مرعي يأمر بسجنه وتوقيفه كلما شارك في احتجاج أو تظاهرة أو مسيرة، ويتهمه بالشغب وبالتخطيط للتحركات التي كانت تحصل”.
أيامها كان المخيم رحماً للمثقفين الثائرين والمناضلين، كما يروي الحاج ياسين. في هذا المخيم التقى غسان كنفاني بناجي العلي وأعجب برسومه، حمل ثلاثة منها تحت إبطه، ونشرها لاحقاً في “مجلة الحرية” من دون أن يعلمه. كانت تلك أول ما نشر لناجي العلي. “أما أول رسم له فكان على جدار منزل جدي”، يقول الحاج ياسين. “رسم بالفحم صورة رجل يحمل رأسه في يده. كانت رسمة تهز الكيان.. دمّرت مع المنزل في الاجتياح”.
“لما عدت، كان المخيم غابة سلاح، صحيح. لكنه يفتقد إلى الوضوح السياسي. وجدته أصبح قبائل، الأنظمة غزته ودولارات النفط لوثت بعض شبابه، كان هذا المخيم رحماً يتشكل داخله مناضلون حقيقيون، وكانت المحاولات لوقف هذه العملية. أنا أشير بإصبع الاتهام لأكثر من طرف، صحيح أن هناك تفاوتا بين الخيانة والتقصير، ولكني لا أعفي أحداً من المسؤولية، الأنظمة العربية جنت علينا، وكذلك الثورة الفلسطينية نفسها..”.
كانت وصية ناجي أن يدفن في عين الحلوة، بجانب والده، لكن عائلته استأجرت له قبراً لأربعين سنة، ودفنته في لندن. قيل حينها أن زوجته تعرضت لضغط منعها من إعادته، يشرح الحاج ياسين. “لكنني اعرف أن نفسه لن ترتاح إذا لم يوارَ الثرى في تراب هذا المخيم..”.
تحت منزل الحاج، تعيش أخته سميرة في منزل يضجّ بصور ورسومات ناجي العلي. “خالي ناجي كان الفلسطيني النموذجي الذي لا يقبل المهادنة. لو كان حياً لكان ترك أثراً في الوعي، ولما سمح بأن يذهب الشعب الفلسطيني إلى ذبّاحه بجهل”.
من سميرة، نصل إلى رقم هاتف خالد ناجي العلي في البحرين. ومن البحرين، عبر الهاتف، يشرح خالد لماذا لم ينقل جثمان ناجي العلي إلى المخيم كما أراد. “وقتها، كان الوضع في لبنان، داخل وخارج المخيم، متوتراً. كنا نخشى استغلال الاستشهاد والتشييع من البعض، والتسبب بإشكالات أمنية ودماء ورصاص.. كانت لدينا أيضا ظروف عائلية. نحن كنا هناك، في لندن، وبقي قريبا منّا”.
لكن لماذا لم ينقل الجثمان لاحقا، ليدفن في المخيم؟ برأي ابن ناجي العلي البكر “الظروف لم تتغير”! وبانتــظار تحــرير “الشجرة” الفلسطينية.. يبقى السؤال في عهدة القيمين: هل تتحقق وصية ناجي العلي بعد نحو 23 عاما على استشهاده في لندن، ويعاد جثمانه ليرقد قرب أهله في مخيم عين الحلوة؟

(*) النصوص بالخط الأبيض هي مقتطفات من كلام ناجي العلي في مقابلة أجرتها معه الدكتورة رضوى عاشور.

*عن صحيفة الأيام المصرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *