حوار مع الفنان المعروف برهان صالح (القسم الثاني)

الفنان برهان صالح مع الفنانة الشهيدة "ليلى العطار"

حاوره الفنان والكاتب/ فاضل ناصر كركوكلي

سؤال /    لقد انتشرت فى السبعينيات القرن الماضى بيانات فنية لتجمعات متعددة للفنانين العراقين لطرح ارائهم واساليبهم الفنية الجديدة ضد الفن الاستهلاكي.
ماذا كانت توجهاتكم واهدافكم الفنية فى بيان انشاء جماعة  الافق الفنية وكيف ظهر تلك الجماعة في الساحة الفنية العراقية ؟

ج –  منذ اقامتي المعرض الشخصي الاول عام1981 و بعد المشاركات العديدة فى المعارض الفنية واقامة المعارض الشخصية والمشتركة والحضور الواسع فى الساحة التشكيلية العراقية وبعد التعرف على الفنانين التشكيليين الرواد والشباب والمتابعة الواسعة لاخبار الفن والفنانين عُرض علي فكرة تكوين جماعة فنية عن طريق احد الاصدقاء وهو الفنان والناقد التشكيلي ( عامر فتوحي ) وبعد التفكير بالموضوع ومن جميع النواحى استطعنا ان نكون خمسة فنانين شباب ( عامر فتوحي ) , (برهان صالح ),( محمد حسين عبداللة ) ( محمد مهذول ) (هيمت محمد ),وكان كل واحد منا يحمل رؤية معينة التقينا وتحاورنا بصدد تشكيل الجماعة وتبين فيما بعد ان كل واحد منا

الفنان فاضل ناصر

كان يفكر بتشكيل جماعة ويحمل نفس الرؤيا

.فنحن جميعا نحمل فى داخلنا ودا وحبا عميقا لكل ما هو انساني وجميل ومبدع ولكن تعبير كل واحد منا عن هذا الحب يعتمد على طبيعة الفنان واسلوبه الخاص, فالرؤيا التى توحد هذة الجماعة هى المحبة ونحن كنا نؤكد على الفردية والتعبير عن الذات لانه شىء ثمين واعتمدنا فى العمل خاصية الاستفزاز بصريا وذهنيا. وهناك لوحة تعتمد الفكر وهناك لوحة اخرى تحمل فنا خالصا ولكن فى الحالتين كانت  كل لوحة تعبر عن قيمتها التشكيلية الخالصة . اكدنا على صدمةِ المشاهد وشدّهِ الى اللوحة والدخول فى حوار ذاتى ,واخترنا للجماعة اسم الافق لانه يحمل العديد من الدلالات الاسطورية والميثولوجية والنفسية كما انه يعنى من ناحية ثانية انفتاحا ازليا على عوالم نائية مجهولة  محملة ضمن نوع من الدعوة التحدي في سبر الاغوار وكشف الخفايا وتحت شعار بياننا الاول ( اتبع حلمك ) اقمنا معرضنا التاسيسي في قاعة الرواق ببغداد 1987 والمعرض الشامل على قاعة جمعية التشكيليين العراقيين وكنا نود ان نعيد الى الاذهان الاضافات التى ُقدر للفن العراقي ان يشهدها على يدي جماعات طليعية شبابية كجماعة بغداد للفن الحديث وجماعة المجددين وجماعة الرؤيا الجديدة وجماعة الاربعة

سؤال /  لقد ظهر للوجود فى تلك الفترة بالذات كتيبا فنيا يحمل توقيعكم واعمالكم الفنية بالاسود والبيض لقى ترحيبا استثنائيا من قبل النقاد عن محنةِ الانسان المأزوم ممكن الحديث عنه فى محطاتك الفنية الحافلة بالابداع ؟

ج –  بعد اقامتي للمعرض الشخصي الثاني على قاعة المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد والذي تضمّن اكثر من 25 عملاً فنياً بالاسود والابيض كان جميعهُ أعمال ٌ كرافيكية  ُحفرت على الخشب كانت أصداء المعرض واضحة من إهتمام الجمهور والنقاد التشكيليين وكتب عن المعرض فى الصحف الفنية والمحلية وكتب المقدمة عن المعرض الفنان الكبير( شاكر حسن ال سعيد ),واقترح عليَّ بعض الاصدقاء التشكيليين بأن اعمل كتلوك صغير لكي احتفظ بالحدث الفني , كتب عن اعمالي  الناقد التشكيلي ( فاروق يوسف ),كانت الاعمال الفنية تتناول شتى المواضيع الانسانية وباسلوب تعبيري عن الواقع العراقي الاليم , واخترت اللون الاسود والبيض والبني لذكرى شهدائنا من الشباب فى الحرب العراقية الايرانية. حاولت ان ارسم ذلك الحزن والمرارة التى تركوها فى نفوسنا هؤلاء الاحباء والاعزاء . واستعمال الحفر على الخشب اضاف الى اعمالي بعداً اخراً وبتقنيات مختلفة حتى يكون بإستطاعتي ان اوصل تلك المشاعر والاحاسيس المؤلمة للمشاهد المتلقي .

سؤال /   البحث والتجريب سمة اعمالك الفنية..اين استقرت اعمالك التعبيرية في معرضك الاخير؟

ج –   .خلال السنوات الاخيرة وخاصة بعد الاحتلال العدواني  للعراق وفقداننا للاعزاء من العراقيين الابرياء ومن الاقرباء والاصدقاء بسبب هذا العدوان اللاأخلاقي وتدمير بلدنا بحجة او باخر وبمساعدة عملاء الامريكان . حاولت ان اجسد هذه الاحداث  فى اطار اعمالي الفنية بشكل مباشر او غير مباشر ضد هذا العنف اللاإنساني والذى يمر به العالم من حولنا ايضا وخاصة بلدنا ولكي اقول لكل هذا قف ايها العنف الاعمى الذي لا يحمل في طيـّاته اية احاسيس إنسانية !

تالمت لما جرى ويجري لبلدي وبدات افكر كيف استطيع عمل شيء ضد كل هذا العنف وارفع صوتي عاليا للعالم وللكون حتى اخفف من  تلك النار المتاججة فى  كياني وحتى لا اجلس ساكنا تجاه كل ما يحصل بدأتُ  افكر طويلا الى ان وجدتُ نفسي وبشكل لا ارادي اميل الى الافكار الصوفية وبعد التعمق بهذة الفلسفة الانسانية اكتشفت بانه يجب علينا ان نشن حربا ضد هذا الحرب الاجرامي , بأن يكون سلاحنا هو السلام , والبحث عن الذات وعن التحرر من جميع قيود العبودية والاستعمار فى عصرنا هذا.. وهذا ياتئ بالوعي والادراك والرجوع  الى الخالق والى مراجعة الذات والتعمق فى اعماق النفس والكف عن الكراهية. والرسم بالنسبة لى هو نوع من العبادة ما دام هناك بحث عن الذات..لان الانسان الذى يعرف نفسه ويتحكم  ذاته هو البدايه الاولى لاكتشاف ما يبحث عنه فى ذاته. وهذا ليس هروباً الى الخالق لطلب الغفران او العفو بقدر انه الحقيقة بذاته . لان كل بحث او اي خطوة للتوصل الى الحقيقة هو سيكون عبورا من الذات وتجد نفسك فى قمة الراحة والطمئنينة وايضا يفتح امامك الكثير من الحلول بما تفكر بة من صدق وايمان راسخ بعيدا عن كل الفوضى وما يعكر تفكيرك ,هذا إذا اصبح الرسم بالنسبه للفنان جزء من شخصيته , يحاوره فى كل ما يعانيه ويشعر به , فهذا ينعكس على العمل الفني مباشرة او غير مباشر من دون ان يحس به ..

             
هذا ما جعلني ان اجد نفسي امام هذه الاعمال الصوفية والدراويش وهم يرقصون ضد كل ما يجري فى عالمنا لجلب السلام والمحبة الى عالمنا الصغير..وانا اعتقد هنا بان تغير الاسلوب فى بعض الاحيان هو خروج الرسام من بعض القيود حتى يعبر عما يريده باكثر حرية فى التعبير او البحث فى استعمال مواد اخرى تجريبية فى نظري ويكون عامل مساعد بتطوير التقنية فى استعمال خامات متنوعة وهذا لا يعتبر بأنـّي خرجت من اسلوبي الكرافيكي التعبيري بقدر ما هى رسالة كما ذكرت اود اطرحها باكثر  من اسلوب معين . عشت هذة التجربة فى بداية التسعينات بعد الحرب العراقية الايرانية وحرب الخليج استطعت انا والفنان  (عامر فتوحي ) ان نقيم اول معرض  فني في العراق بعد حرب الخليج وعلى مركز صدام للفنون  في 16 – 05 – 1992  وسميناه  باسم الحصار عرضت سبعة عشر عملا فنيا وتناول جميع الاعمال وجوه الناس من الشارع العراقي  لما عانوا من ويلات الحروب وبشكل تعبيري  ولقى المعرض نجاحا كبيرا وافتتح المعرض الفنانة المرحومة ليلى العطار, ومن ثم تلقيت دعوى رسمية   لإقامة تلك المعرض فى عمان سنة 1993 .

سؤال / هل اضاف المهجر او بالاحرى المنفى القسري معطيات فنية جديدة لرؤيا الفنان برهان صالح ؟
.
ج –    خرجت من العراق 1995 حاملا معي الذكريات والتي ترنو بالافراح والاحزان لتبدأ رحلة المعانات والكد والعمل من اجل مواجهة الظروف الحياتية الصعبة الاتية , تبدا مرحلة الاستقرار نوعا ما , وبعد احتكاكي مع الفنانين التشكيليين الهولنديين من خلال زياراتي للمعارض والمتاحف بدأت الدخول الى الوسط الفني  من خلال اقامة المعارض الشخصية او المشتركة .
والفن الاوروبي وبالأخص الفن الهولندي يتميز بقدر من الهدوء والتعامل مع اللوحة بكل عقلانية ورتابة , والمدارس التجريدية هي الاكثر من جميع المدارس . ان الاعمال الفنية التي ينجزها الفنانون المهاجرون فيها من  اساليب وثقافة جديدة هى تلك الافكار او الثقافة التي حملها معهم من الوطن ولم يستطيعوا فى نفس الوقت التكيف بتلك الثقافة الجديدة انا لا اؤمن بان الاقامة فى الخارج تسلب الفنان الشرقي رؤياه لان الرؤيا فى داخلنا نحملها معنا دائما الاقامة خارج الوطن تضيف لرؤيانا بعدا جديدا..   الاطلاع على التجارب الفنية الكثيرة والتقنيات المختلفة والاهتمام المفرط من قبل الانسان الاوروبي العادي الى جانب الدعم الكامل من قبل الدولة للفن  والفنانين عامة والتشكيلي خاصة كل هذا يمنحك فرصة العمل والانتاج وهذا يؤدي الى استيعاب المزيد لاجل التواصل الى انجاز اعمال فنية . المهجر او المنفى اضافت الى ذاكرتي والى حياتي التاكيد على عراقيتي والحنين ومدى الالتزام بالوطن , الغربة اشبه بوباء مزمن لو لم تقي نفسك منها بطريقتك الخاصة لقضت عليك عاجلاً ام آجلا ً,الفنان فى الغربة يعيش بكامل جسده وبنصف روحه لان النصف الاخر ممتلىء بحب الوطن وهذا الاحساس بالفراق دائما يضعك فى مفترق الطرق يحسسك دائما لا انت اوروبي ولا انت عراقي , وكل هذة الحيرة ربما تظهر فى اعمالنا لكي نستطيع ان نتنفس الصعداء ونبقى على قيد الحياة لابد ان ننشر كل ما نعانيه على قماش ناصع البياض حتى يكون بمكانه تحمل ما سنرسمه.

سؤال / لقد اقمت معارضا فردية وجماعية وثنائية كثيرة داخل الوطن وخارجه ؟ , هل تفكر باقامة معرض مشترك مع الفنانين التركمان فى الخارج  ؟  ماهى معوقات هذة المبادرة الفنية التى طال انتظارها ؟

ج –   عند زيارتي لكركوك سنة 2009 التقيت مع بعض الفنانين التشكيليين التركمان واطلعت على نشاطاتهم الفنية والظروف الصعبة التي يواجهونها فى الاستمرار والتواصل فى مجال مزاولة الفن عموما والفن التشكيلي خاصة , اتضح  بان هناك ايجابيات , برغم من قساوة الظروف الحياتية مثل اقامة المعارض المحلية والمعارض خارج الوطن مثل تركيا وانا اتذكر حضرت معرضين تشكيليين لفنانين شباب فى كركوك ووجدت عدد كبير من زوار المعرض برغم من حرارة الجو وانقطاع الكهرباء . ومن اهم الايجابيات المهمة اكتشفت لدى جميع الفنانين تلك الحماس والإندفاع  في مزاولة الرسم واقامة المعارض واقامة الدورات الفنية واعطاء الدروس المجانية للراغبين فى تعلم قواعد الرسم وانا حضرت تلك الدروس والتى  كان بإشراف الفنان الاستاذ ( نورالدين عزت ) والاخ الفنان ( جمال ابراهيم ) وبعد مناقشات فى امور الفن اقترحت عليهم بان اقيم لهم معرضاً للفنانين التركمان خارج الوطن مثل هولندا والجميع رحب بالموضوع  وتكلمنا فى تفاصيل إرسال الاعمال , وبعد رجوعي الى هولندة انقطعت اخبارهم واتصلت ببعض الاصدقاء الفنانين  وابلغتهم باني انتظرالرد لاقامة مثل تلك المعرض فى هولندة وبقيت الامور على حالها لم اسمع اى رد .
فى اعتقادي ان هناك كثير من السلبيات وهذا يؤدي الى كثير من المعوقات امام هولاء الفنانين , ومن اهمها الظروف الحياتية القاسية التى يمر بها العراق وخاصة كركوك   من ناحية الامان والاستقرار والخلل فى البنية التحتية وعدم وجود الدعم المادي والمعنوي للفنانين التشكيليين وخاصة الشباب منهم من قبل الدولة وان  ُوجد فهو قليل  ,كل هذه تعتبر من المعوقات الاساسية في مواصلة ومواكبة الفن التشكيلي العراقي والعالمي .ايضا من ناحيتي انا مستعد ان اقيم معرضاً مع الفنانين التشكيليين التركمان فى كركوك او خارج العراق , ومستعد ان اقدم لهم كل المساعدة فى هذا المجال وبقدر ما استطيع اليه , كما اني مستعد ان  ُالبـّي اية دعوى لإقامة معرض فني فى كركوك.

سؤال / بعد هذه الاعمال الفنية المليئة بالتجارب الفنية  وبمراحل عطاءات لا زالت مستمرة بانواع التقنيات … باختصار ماهي وظيفة الفن التشكيلي لديك ؟

ج –     عندما تحس بان الرسم اصبح كل شىء فى حياتك , هوسعادتك ومعانتك وفى بعض الاحيان. هو الذي يحدد مصيرك . اصبح علينا بان نرسم دائما وفى كل الاوقات والظروف والزمان فهذا يعني بأن الرسم اصبح جزءً من شخصيتك تحاوره فى كل ما تعانيه وتشعر به فهذا ينعكس على العمل مباشرة او غير مباشر من دون ان تحس به .الفن يمنح متلقيه ومتذوقيه عدة حالات الانتماء والتلاقي بصريا وحسيا والفن التشكيلي كان وما زال له صفاته المالوفة كواحد من اوجه النشاطات الانسانية الاكثر توثيقا لحركة حياة البشر وقرباً من مؤشرات تاريخهم فهو صورة مرئية وصورة حسية مختلفه تظهر دائما عبر وسائط من المواد وتقنيات اظهارها لذلك كان له مواقع زمانية ومكانية معا ً.
اكثر الاحيان عندما ينتابني الرغبة فى الرسم او الهرب الى الرسم احاول ان اكون مسترخياً ومتماسكا ولكن بعد لحظات أرى نفسي نسيت كل شى واصبحت جزء من مادة الرسم . وفن الرسم ليست مهنة او وسيلة لبلوغ مآرب او تحقيق هدف بل الرسم جزء من وجودي وخفقة فى قلبي وانا ارى ما وراء العمل الفني حقائق مستقرة وغير مرئية وهي مطلقة خالدة . ولكي تحب نفسك تمام الحب , عليك ان تركز على بعد جديد لشخصيتك وشخصيتي حسب ما اعتقد تمكن فى اعمالي الفنية , ولاشىء يمكنه ان يصبح جزء من تجربتك مالم تستدعيه  عبر افكارك المستديمة والملحة .                

سؤال  / ماذا اضاف جيلكم للفن الرافديني بعد جيل الرواد وجماعة الفن الحديث والتكعيبيون الاوائل وجماعة البعد الواحد ؟

ج –   استطيع ان اقول ان عقد الثمانينيات تعتبر الفترة الذهبية بالنسبة للفنانين التشكيليين الشباب في العراق بعد الاجيال الفنية التى سبقتها. لان الحركة التشكيلية كانت فى اوج نشاطاتها , لما مر عليه العراق من انفجار سيكولوجي اجتماعي عبر الاحداث السياسية . وهى ايضا ضرورة من ضرورات اهتمام الانسان بالعالم عبر الفكر الفني نفسه وهذا ينعكس تاثيرها فى النشاط التشكيلي العام وكما قال الفنان التشكيلي الراحل ( نزار سليم ) ان الحركة التشكيلية فى العراق بدات فى اوائل القرن العشرين من خلال جهود مجموعة من رسامي الهواة . كنا ايضا خمسة  شباب هواة نحاول السير على خطى الذين سبقونا من الفنانين ونقلد افكارهم وليس اعمالهم ونعمل بها من اجل البحث وايجاد فن خاص بنا يمثلنا نحن الشباب من عمل فني يليق بالساحة الفنية العراقية . وكنا دائما نبحث عن كيفية تجاوز المفاهيم الساذجة والانطلاق نحو الجديد وعبر التقنية الحديثة . وظهر من جيلنا فنانون شباب متميزون استطاعوا ترك بصماتهم الفنية على الفن العراقي المعاصر وهم ما يزالون يمثلون العراق فى المحافل المحلية والدوليه.

سؤال / كيف تقيّم الاعمال الفنية فى كركوك والاقليم التركماني ؟

ج –  كانت العاصمة بغداد دائما تاخذ القسط الاكبر قياسا للمحافظات العراقية من الاهتمام من قبل الدولة فى مجالات عدة عموما  وخاصة فى مجال الفن التشكيلي مثل انتشار قاعات العرض واقامة المهرجانات المحلية والدولية حصة المحافظات من هذة النشاطات قليلة قياسا للعاصمة بغداد . نعلم ان هناك بعض الصعوبات يواجهها فناني المحافظات طبعا سيكون هناك رد فعل سلبي على النشاطات لفناني المحافظات.وبجانب هذه الصعوبات نعرف بان كركوك وبالذات التركمان تعرضوا لسنوات من التهميش والظروف الامنية الصعبة تجاه كل انسان صاحب فكر او لأنه تركماني . وبالرغم من ذلك استطاع الفنان الكركوكلي وبالذات التركماني ان يصمد امام الصعوبات ,مع ذلك كانت لهم حضوراً واسعا في جميع المعارض التشكيلية المقامة فى كركوك وبغداد لعرض تجاربهم ورؤياهم الخاصة . اتذكر عام 1981 حاولت إقامة اول معرض شخصي لي فى كركوك علما اني كنت اعيش حينها فى بغداد كان بامكاني ان اقيم تلك المعرض فى بغداد وبدون ايّ مانع ولكني كنت قررت الإقامة لمعرضي الاول فى مسقط راسي كركوك .عندما ذهبت الى المسؤول الاعلامي وطلبت اقامة معرض شخصي ارسلني الى قاعة التاميم ( كازينو النصر سابقا ) ومن ثم الى المحافظة لأخذ الموافقة وبعد الحصول على الموافقة رجعت الى المسؤول الاعلامي ,قال لي اذا تريد ان تعمل معرض هنا عليك ان تنظـّف المكان وتدهـّنها بالصبغ  وعلى حسابك الشخصي لان المكان متروك منذ فترة !! فعلاً عملت كل ما عليّ واصرّيت بأن ُاقيم هذا المعرض الى ان تحقق ذلك وجاء يوم الافتتاح حضره السيد المحافظ ( زهير القادري ) والمسؤول الاعلامي وجمهور من المشاهدين . لم يثيرني اهتمام الجمهور باعمالي بقدر ما بذلته من اقامة هذا المعرض وبإصرار .عندها عرفت بأن الفنان التشكيلي التركماني رواداً او مبدعين ظهروا بشكلٍ يثير الاعجاب لما لاقوا من الصعوبات الجمة . ومن خلال قراءتنا لمجمل الحركة التشكيلية فى كركوك نرى ان هناك فنانون مبدعون ينتمون الى مدارس متميزة فمنهم خريجوا معاهد واكاديمية الفنون ومنهم من مارس التشكيل على موهبة ونرى ان اعمالهم يتوزع فى اساليب واتجاهات فنية مختلفة الطبيعة والتجريد والتعبيرية والواقعية والخ.. لا بد ان ينتبه المسؤولون في الدولة والمسئولون التركمان بالاخص لهؤلاء المثقفون ويديروا  لهم الاهتمام المطلوب لكي يحتلوا مكانتهم اللائقة بهم وخاصة الشباب منهم . وهناك اسماء لامعة من الفنانين التشكيليين الرواد والشباب استطاعوا ان يضيفوا اسمائهم بكل جدارة مع اسماء التشكيليون العراقيون . ومن هذة الاسماء الفنان  الرائد محمود العبيدى ,  خالد رمضان , نورالدين عزت. فخرى جلال , عبد الرزاق شيخلر, عباس اره ناي , والفنانون التشكيليون جمال مدد صديق الدراسة من ايطاليا,.فاطمة بيراقدار , يونس كلو ,جلال بولات, شاهين احمد, نجاة واحد ,عماد جوبان , فاروق فائق عمر, فاضل ناصر, نورالدين ناصر,عباس شكرجى وفنانون كثيرون اخرون اعتذر اذ لم اذكرهم.

سؤال / ماهى توصياتك للجيل الفني الناشىء ؟

ج –   عندما كنت رساما شابا كنت ارسم كثيرا وازور المعارض واتابع النشاطات الفنية من معارض وندوات ثقافية ومهرجانات فنية والمطالعة , وابحث عن صداقة الفنانين الرواد لطلب المساعدة اواعطاء رأي حول اعمالي وهكذا.اتذكر لم ينقصني ايّ شىء وخاصة كنت اعيش فى بغداد فى حينه.ولكن وللاسف برغم من ان جسدي كانت فى العراق ولكن روحي فى مكان اخر وهى فى بلاد اوروبا كنت احس بان الفن الحقيقي هناك فى اوربا ولكي اكون فنانا معروفا لابد ان اعيش فى اوربا.انا الان اعيش خارج العراق منذ 15 عام ولكن فرضت عليّ  ,توصلت بعد هذة الغربة القاسية بانـّي لم اكن على صواب .اتذكر فى اواسط الثمانينات تعرفت على الفنان التشكيلي الرائد ( جميل حمودي ) قال لي  بانه عندما سافر الى فرنسا للدراسة تعرف الى الفنان العالمي بيكاسو وعندما ساله بيكاسو من اى بلد انت قال من العراق واجابه بيكاسو ولماذا انت هنا اذهب الى بلدك لان جذور الفن هناك فى بلدك.والان انا أعيش هنا وارسم هنا,أعيش وروحي هناك فى العراق ارسم وكل موضوعاتي ومفرداتي مستلهات من بلدي وخاصة كركوك.اقول للفنانين الشباب الوطن اهم من كل شىء لان حب الوطن هو الذى يجعلك فنانا اصيلاً . الموسيقي الجيد يمتلك اذن مدرب جيدا لإستماع الاصوات التي لايحس بها الانسان العادي والرسام الجيد بحاجة الى عين خاص لكي يرى ويكتشف ويحس كل شىء  من حوله , وبلدنا لها تأريخ عريق بلد الثقافة والفن. والعمل المستمر والبحث الدائم واخذ ملاحظات الفنانين اكثر خبرة . وحالياً المصادر وجميع المدارس الفنية واعمال اكثر الفنانين التشكيليين على النطاق العالمي والعربي اصبحت فى تناول الايدي وعن طريق الانترنيت يمكنهم من الاطلاع عليها لأن فيها كنز من المصادر الفنية.
الفنان التشكيلي
برهان صالح
www.burhansaleh.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حوار بين الأديبين عبد الله المتقي وحسن سالمي .

بداية ماذا تقول عن حسن سالمي ساردا تونسيّا؟     قبل كلّ شيء أقدّم لك جزيل شكري …

| عباس محمد عمارة : حوار مع الشاعرة الجزائرية الدكتورة  عفراء قمير طالبي .

 شاعرة جزائرية، تكتب قصيدة النثر و الهايكو. أستاذة بمدرسة الفنون الجميلة، دكتوراه في الفلسفة ٠ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.