الرئيسية » ملفات » فتحي خطاب : بندقية ناجي العلي: «فاطمة» لا تهادن..و«حنظلة» لا يساوم (ملف/3)

فتحي خطاب : بندقية ناجي العلي: «فاطمة» لا تهادن..و«حنظلة» لا يساوم (ملف/3)

بندقية ناجي العلي: «فاطمة» لا تهادن..و«حنظلة» لا يساوم
فتحي خطاب

المبدعون لا يرحلون..ستظل أرواحهم تحوم حولنا بما أعطوا وأبدعوا، وبمقدار ما كانت إبداعاتهم تحرّض على الكبرياء والنضال، وترفض الانحناء والانكسار، بل وتستشرف لنا المستقبل، بعد أن تعبر عما نود أن نقوله أو نفعله، وكأنها تغزو أسرار النفوس..وكان الفنان صاحب «الريشة البندقية» ناجي العلي واحدا من هؤلاء الذين لا يعرفون الموت..وبقيت رسوماته الكاريكاتورية توجعنا بالدموع والضحكات حتى اليوم، وبقيت كلماته القليلة أيضا، ترسم روح فيلسوف حارب روح الإنهزامية العربية، وسخر من بطش عدوه (دولة الاحتلال)، وتحدى الصمت العربي «الرسمي»، وعرف زنزانات السجون، التي رسم على جدرانها شهادات إدانة للواقع العربي بلوحات فنية تميزت بالنقد اللاذع الذي يحرك الانتباه العربي.

وسيظل ناجي العلي من أهم الفنانين الفلسطينيين الذين عملوا على ريادة التغيّر السياسي باستخدام الفن كأحد أساليب التكثيف.. له أربعون ألف رسم كاريكاتوري.

البداية كانت في قرية الشجرة الواقعة بين طبريا والناصرة، وبعد النكبة العربية الأولى واغتصاب دولة الاحتلال لفلسطين، في العام 1948 ، هاجر مع أهله وهو في العاشرة من عمره إلى جنوب لبنان، وعاش في مخيم عين الحلوة، واعتقلته القوات الإسرائيلية وهو صبي لنشاطاته المعادية للاحتلال، فقضى أغلب وقته داخل الزنزانة يرسم على جدرانها، وقام الجيش اللبناني أيضا باعتقاله أكثر من مرة، وكان هناك أيضاً يرسم على جدران السجن.. وحالفه الحظ لأول مرة حين شاهد الصحفي والأديب الفلسطيني غسان كنفاني ثلاثة أعمال من رسوم ناجي في زيارة له في مخيم عين الحلوة فنشر له أولى لوحاته وكانت عبارة عن خيمة تعلو قمتها يد تلوّح، ونشرت في مجلة «الحرية» في 25 سبتمبر/ أيلول 1961، وسافر إلى الكويت في سنة 1963 ليعمل محررا ورساما ومخرجا صحفيا ..في الطليعة الكويتية، السياسة الكويتية، القبس الكويتية، والقبس الدولية.

أبدع الفنان الفيلسوف، ناجي العلي، ومنفردا في «تجسيد» شخصياته وكأنها من لحم ودم .. ومن أبرزها «حنظلة»، صبيا في العاشرة من عمره، ولد حنظلة في 5 يونيو / حزيران1967على صفحات صحيفة السياسة الكويتية ، ثم أدار «حنظلة» ظهره في سنوات ما بعد 1973 وعقد يديه خلف ظهره، وأصبح حنظلة بمثابة توقيع ناجي العلي على رسوماته، وحظي «حنظلة» وصاحبه بحب الجماهير الفلسطينية و العربية كلها، فقد كان حنظلة رمزا للفلسطيني القوي رغم كل الصعاب التي تواجهه فهو شاهد صادق على الأحداث ولا يخشى أحداً.. ويقول ناجي العلي: إن حنظلة هو بمثابة الأيقونة التي تمثل الانهزام والضعف في الأنظمة العربية.

ولد حنظلة في العاشرة من عمره، وسيظل دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين، وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة، ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء.. وأما عن سبب تكتيف يديه فيقول ناجي العلي: كتفته بعد حرب أكتوبر 1973 لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو «ثائر وليس مطبع».. وعندما سُئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة أجاب:عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته.

وبقي «حنظلة» بعد ناجي العلي، ليذكّر الناس بناجي العلي « ناجي سليم حسين العلي».

الشخصية الثانية التي تتكرر في العديد من رسومه، شخصية المرأة الفلسطينية «فاطمة»..وشخصية فاطمة، هي شخصية لا تهادن، رؤياها شديدة الوضوح فيما يتعلق بالقضية وبطريقة حلها، بعكس شخصية زوجها الذي ينكسر أحيانا، فيكون رد فاطمة قاطعا وغاضبا: «الله لا يسامحك على هالعملة».

كانت كلمات ناجي «ما قل ودل».. حادة وساخرة حينا.. قاطعة حاسمة وتستشرف المستقبل حينا آخر :

اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حالو: ميت

هكذا أفهم الصراع: أن نصلب قاماتنا كالرماح ولا نتعب.

الطريق إلى فلسطين ليست بالبعيدة ولا بالقريبة، إنها بمسافة الثورة.

أن نكون أو لا نكون، التحدي قائم والمسؤولية تاريخية.

وفي لقاء تليفزيوني نادر جداً للفنان المبدع ناجي العلي ، يُعتقد أنه لم يجر غيره، كشف من خلاله أسرار (حنظلة)..وحين سأله المذيع عن سبب إطلاقه اسم (حنظلة)؟ أجاب: حين يُرزق الناس بطفل يفكرون بإطلاق أسماء جميلة عليه، لكني كنت قد سمعت باسم حنظلة من أسمائنا القديمة، واستدركت معناه، أنه من المرارة، والحقيقة دائماً مُرة، اسم يناسب شكله، ليس «زوزو وسوسو»، و «اسمه على كسمه كما يُقال».. وفاجأه المذيع بسؤال: هل تُحبه هذا الطفل الصغير؟ – قاصداً حنظلة – فأجاب العلي: «هذا أنا».

وعن انتمائه السياسي، قال العلي: أنا كنت مثل أي شخص في العالم، قبلي من قبيلة عربية موزعة جغرافياً، لدينا دولة ولدينا علم، كنت فلسطيني.. وأضاف: عشت 20 عاماً في مخيم، ولا أحد التفت إلي، عانيت كثيراً حين كنت أرى هيئة الأمم بكل ذل تعطينا كرت الإعاشة كهوية، هذه هي هويتنا !!.

وأكد «ناجي» أنه لا يصلح أن يكون منتمياً لأي حزب، وقال: ليس من منطلق أنني فنان وحر طليق، لكني إنسان أؤمن بالالتزام، أنا ملتزم بقضية أكبر من كل هذه الجموع السياسية، ملتزم بفلسطين، وحين تعود فلسطين قد أصبح مزاجياً قليلاً، ويتم وضعي بقالب سياسي، لكن طالما فلسطين محتلة، لن يكون ولائي لا لجماعة ولا لأي حزب، ولا تنظيم ولا نظام ولا أي قوة.

في 30 أغسطس/ آب 2017، وبعد 30 عاماً على رصاصات الغدر التي اغتالت «الريشة البندقية»، أعلنت الشرطة البريطانيّة فتح التحقيق مُجدداً في قضية الاغتيال، ثم لف الصمت كل شيىء، رغم أن أيادي الموساد لم تكن خافية في العملية الإرهابية، خاصة وأن ناجي العلي كان ينتمي إلى حركة القوميين العرب التي قامت إسرائيل باغتيال بعض عناصرها..كما تشير بعض المصادر أنه عقب فشل محاولة الموساد لاغتيال خالد مشعل في العاصمة الأردنية، عمّان، في 25 سبتمبر / أيلول 1997 قامت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية بنشر قائمة بعمليات اغتيال ناجحة ارتكبها الموساد في الماضي وتم ذكر اسم ناجي العلي في القائمة.. ونقلت معلومات إلى رئيسة الحكومة البريطانية ـ وقتئذ ـ مارغريبت تاتشر، أن السلطات الإسرائيلية كانت على علم مسبق بعملية الاغتيال، مما أثار غضبها، وقامت بإغلاق مكتب الموساد في لندن !!

*عن صحيفة الغد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *