كريم الثوري: يا لهذا الفتى السومري…

( تأملات في الرؤية الكونية لقصيدة (عجز) للشاعر أسعد البصري )
من منا أكثر جنونا منه ، يريد أن نصدقه لنحصد الخراب ، أن نقترب من حافة الجنون التي اثقلت كاهله فتسرّبت هذياناً محموماً ، كذلك هو الحديث عن أسعد البصري ، عن نفس تواقة إلى محو ما تكدس في ذاكرتها دون جدوى ، ليس لأن أسعد البصري هو ذلك الفتى الجسور المُقطّع بين يسارية أبيه وسلفية جده ، ولا لأنه المشنوق في حارات السيدة زينب يوم اقتحم الملجأ فوجد شريك تسكعه صلاح البصري مشنوقا يتطوح أسفل المروحة السقفية ، ولا لأنه كان يزرع الشك في  المقدسات وهو شريك مشكوك ولاؤه، ولا لأنه المخذول عاطفيا في أول منازلة غير منصفة سنحت له ، الحديث عن أسعد البصري حديث غير شيق فهذا الرجل الماثل بجريرته ،  يريد أن يهدم كل شيء من أجل أن  يزرع  – ولا شيء – بذور حبهُ الحقيقية في أرض ليست صالحة للزراعة لكن ما سيقوله ستهدمه العقول التي لا تريد أن تصدق أن زمنا ينتج كل هذا القدر من اللامعقول. 
هو في أحد شقيه خرافة ماضوية تبحث عن حاضنة حداثوية تستجيب، فأنتظروه ماذا سيقول لكم
لنتعرف الان على حبه الذي يشكك به في تقلب مسعور، ما بين الاثبات والعدم ، حبه الذي خانته الموازين والشرائع والطرق فصيرته مختلفا ، فهو من جهة يؤكده ابتداءا لكن المعادلات الغير متفاهمة بين طرفي الصراع تطيح به :

(الحبّ ليس الباب الذي فتحه صاحب الحانة وأغلقه السكارى ، الحبّ ليس البخور الذي أحرقته أمي 
على قبر أبي ، الحب ليس نهد الفتاة الوحيدة في شارع القبلة القديمة ، حيث مددتُ يدي على قميص
المدرسة الأبيض لأدرك أن الحب ليس هكذا ، الحبّ ليس العلم الذي رفعناه في ساحة المدرسة
ألف مرة ، الحبّ ليس ضريح الحسين والنقود التي في داخله ، الحب ليس عباءة أمي التي ابيضت
من البكاء ، الحب ليس زجاجة عرق يسكر بها أبي ويصحو بسببها أخوتي من الموت ، الحب ليس لمعان الراجمات
في القادسية الثانية ، الحب ليس شوربة رمضان وسجادة جدي ولا غضب سورة البقرة من المنافقين ، الحب ليس هؤلاء
المراهقين والمراهقات الذين يكتبون شهوتهم وخوفهم من المجهول ، الحب ليس حديث جدتي إلى دجاجاتها ، الحب ليس الشتاء
وفاكهته ، الحبّ ليس ضجة البساتين في الصيف )
 
تفكيك بنية النص :
الملاحظة التي يمكن تسجيلها في استبصارات الشاعر أسعد البصري ، تخطيه أبعاد السائد ، خرائط ماعادت تصلح لإستدراجه ، فها هو ينسفها في ذات الوقت التي فرضت حضورها ، كونها الممهدات التي تشكلت في حركة وعيه الخصب ، حرائق أشد نفوذا فاشتعالاً 
ما يجعل القارىء – الأقل جنونا – يتساءل لكننا مازلنا نغترف من مداد أسعد البصري لدرجة الأنين ، فخالف بعض ما جاء في استرسال النص فتشاجر مغتاظا مع  – ليس – فحدوده لم تستطع استيعاب رفض البصري لها ، فكيف لا يكون الحب ، بل منتهى الحب ، هو : البخور الذي أحرقته أمي على قبر أبي ، وكيف لا يكون  نهد الفتاة الوحيدة في شارع القبلة القديمة ، وليس عباءة أمي التي ابيضت من البكاء ، وليس حديث جدتي إلى دجاجاتها ، كل هذا وغيره دعانا إلى التماس طريقة نفكك بها تلك الشفرة العصية ، عبر تداولية صراع الأضداد داخل البيت الشعري أو ما يمكن توصيفه ب- سادية الموت حبا في تعارك الأضداد – سنحاول التطرق إلى ذلك لنتعرف كيف اجتمعت على كفتي الميزان وما هو المعادل الموضوعي سواء في وعي الشاعر أو في لاوعيه لنخرج بمحصلة قد تقربنا درجة في ماوراء( ليس أو بدونها ) : 
يقول أسعد البصري الحب ليس عباءة أمي التي ابيضت من البكاء ، في واحدة من الصور الموحية ، يقف على طرفي المعادلة الحب في حيرة من امره فهو ينتفض على  – ليس – من جهة فيقلبها اثباتية بالرغم من قواعد المتعارف في النحو( وكأنه نفي بلاغي أسلوبي يقصد التوكيد) ، فالحب يصطف مع وفاء – الأم العباءة – التي ابيضت من البكاء ، ينقلنا المشهد كذلك إلى ابيضاض عيني يعقوب وهو يبكي يوسف ، بالرغم من الاختلاف في الكيمياء بين عباءة يعقوب وعباءة الأم ، كون ما يوحد الأثنين هو البكاء الأزلي على عزيز غاب مهضوما فأبيضت له العيون – العباءة – لكن النكتة هي في ( ابيضت من البكاء )  لاحظوا الرمادية على طريقة – ومن الحب ما قتل  – ،  كذلك في صورة أخرى : الحب ليس لمعان الراجمات في القادسية الثانية ، طرفي الصراع بين لمعان الراجمات – جانب قوة يباركها الحب إذا ما أحسنَ توجيهها   ، فهي من الرجولة في صد الأعداء  – ، تقف القادسية الثانية ، موضع إشكال لدى الشاعر البصري ، كإشكال العراقيين بين مد وجزر إزاء حروب اختلفوا في كيف الأصطفاف مع أو ضدها ، وهي تحصد الأخضر واليابس ، الملاحظ هنا ذكر القادسية الثانية وتخطي القادسية الأولى  ، دالة  على ًأن الثانية هي امتداد للأولى أسما ومضمونا ، كذلك شكلت انعطافا خطيرا في تاريخ العراق  الحديث ، وفي صورة ثالثة اشركنا في حبائل أسئلتها المقلقة فهو يقول :
الحب ليس
 الرئيس العراقي
المشنوق وجثته التي يُحلّق فوقها طائر الثأر
ولا نجد في هذا السياق سوى الإلتفات إلى نكتة مهمة ربما تساعدنا كثيراً في توضيح عام وشامل إنطلاقا من حدية تصويب سياق المقطع الشعري أعلاه ، كأنه يقول أريد أن اخرج من كل هذه المعمعات ، لقد جزعت انشطاري بين نصفين ، في حرب الأخوة الأعداء ،  وهي إشارة إلى حالة الإنقسام بين مبادئة بإعتباره يساري النزعة  كما أن الظرف الحالي قد فرض حالة توهان وضبابية بين صفوف اليسار في تكوين معادلة حياة علاوة  على انشقاق بات في عرف المثبطات في  تراجع حركة الوعي البشري إنسجاما مع النزعات البدوية والقومية والطائفية…
 إلى بقية الصور التي نرى بعضها يتطابق في الشكل والمضمون مع استرسال السياق التوظيفي والآخر يحتاج إلى وقفة تأملية لمعرفة المعنى الذي جعل ( ليس ) تتركنا في حيرة من امرنا ، حماّلة امرين.
 
( الحب ليس خرير الجداول فوق وجه البصرة ، الحب ليس رائحة جارتنا التي
راودتني وخفتُ حتى شُقّ حيائي من خلاف ، الحب ليس ندمي على نكهة تلك الجارة الطيبة كل هذه السنين ، ولا حزني على زوجها
المفقود ، ولا لوعتي وأنا أتلصّصُ عليها بأفخاذ عارية تغسل الثياب
بطشت أكبر من عطشي . الحب ليس الحنين إلى أهلي ، ولا زوجتي التي
طلقتني وأكلت ابنتي ، الحب ليس الساعة الثالثة فجراً حين يطرق الحزن بابي ، الحب ليس البكاء الذي لا أحسنه
لأنني تعلمته مؤخراً ، الحبُّ ليس المشيب الذي يتفتح في جسدي ليُعلن آنتصار التراب على روحي . الحبُّ ليس…
أولادي الذين ماتوا في السفر ، الحب ليس أصدقائي الذين لم أعثر عليهم بعد . الحب ليس ليلة القدر وصلاة التراويح . الحُب ليس الرئيس العراقي
المشنوق وجثته التي يُحلّق فوقها طائر الثأر . الحب ليس الفتاة التي أحبتني حتى هربتُ من جمالها بسبب عجزي . وليس الفتاة التي أحببتها
حتى شنقت نفسي بملابسها الداخلية البيضاء . الحُب ليس الموبقات التي كل مساء أحدث بها نفسي . الحُب ليس العصافير
التي تخرج من فمي حين أكون بمزاج رائق . الحب ليس المرأة التي طرقت بابي وأطعمتني وعلى رأسها يرفرف علم العراق . الحب ليس أختي التي
تنتظرني كما تنتظر البدويات أخوتهن بعد الغزوات ) .
 
توحد بالمعنى الذي يطارده :
سرعان ما يخفف عن نفسه قليلا وهذه حالة تعصف بنا جميعا في حالات الضيق والشدة ، فتلمح في الأفق إشارات سماوية تجعلنا في طريق الإيثار نسترخص الكثير ونقلل من أهميته إزاء ماهية أكبر حجما وأشد اشراقا ،  فخروجه من الحالة المحلية في حدود خريطة الجسد إلى كونية يسبح في غمراتها متخطيا حواجز الرؤية الضيقة ، ليكتشف عالمية القرية التي انضجته ، فالباب  ، الحانة ، البخور ، نهد الفتاة الوحيدة ، أمي ، أبي ، زوجتي ، أبنتي  ، لوعتي ، أفخاذ …. الخ لم تعد تشكل في معياره النقدي الجديد أي إشارات ، بعبارة أخرى لم تعد تحرك فيه ساكنا ، وهذا مرده توسع بُعدّي الزمان والمكان ، سيما وأنه على أبواب مقاربات إنسانية وسعت في مداركه ، وهذه خصلة واضحة المعالم قليل ما استطاع شاعر من الشعراء أن يتلمسها بهذا القدر من الوضوح ، بإيجاز مختصر ماعاد يطربه التحليق المختصر على ثنائيات موجعة كممته ، يريد أن يرى الكرة الأرضية كلها ، ليُخلص الحب مما علق به ، هو قلبه بين ثنايا قفصه الصدري ، أبعد ما يكون : 
 
 (الحُب هو المساء الذي جرحتُ فيه نفسي بعذاب البشر . الحب هو النهار الذي كشفتُ
عنه الغطاء وأبصرت حقيقتي . الحب هو القبلة التي لا تنتهي حتى لو شربتُ كل لعابها و شربتْ كل لعابي لأن الحُب خيال
والجسد مجرد حقيقة . الحب هو اللحظة التي وقعتْ عليها عيني فعرفتُ أن يوسف أجمل من أن تأكله زليخة . الحب هو اللون
والرائحة وصفاء الجلد وذكاء اللغة . الحُب هو دمي الذي يتبدل مع كل حبيبة . الحب هو عجزي التام عن
الحب ) .

ضربة النص :
الحب هو عجزي التام
عن الحب
في المقطع الأخير يعيدنا الشاعر إلى المربع الأول ،  بإيهامنا أنه عاجز عن الحب لكن عجزه وقد سقط في الحب ، كالضائع وقد وجد ظالته مُتأخراَ ، لكن من أين له تلك اللهفة التي صاحبته طوال تلك السنين  وقد اختفت اليوم ؟
في المقطع الأخير  ( الحب هو عجزي التام عن الحب )  وكأن الشاعر يريد أن يوحي لنا بأنه لا يستطيع العيش وهو مقيد بكل ما سلف ، ذلك ديدنه ، فناء أو فداء ما تبقى من عمره ، غاية تلح عليه، فصيرته كائنا سوبرمانيا ، يبحث عن حب بمواصفات أسطورية ، تُجمِل فيه كل ذلك الخراب ، وهيهات عودة عقارب الساعة إلى الوراء ، هذا يحيلنا إلى مدرسة التحليل النفسي في وقفة تحتاج إلى متخصص يشرح لنا كيف تحمل هذا الفتى السومري كل هذه المعاناة في وقت مبكر من حياته وهو اليوم إبن الأربعين ، في ريعان شبابه ، مرة بعد أخرى لا يستطيع البصري أن يستبدل أو يلغي من قاموسه كل تلك الإستدعاءات ، ثقيلة الأثر بعدما امتصته في سني حياته المبكرة ، أرهقته ، فشكلت بصمته في طريقة تعاطيه مع الحب ، وما كل ما سلف  ( ليس الحب أو الحب هو )  على ما يبدو سوى فرجة بالمجان على حالات الصراع الإنساني التي تعصف به ، بين منظومة قديمه الجديد ، وجديده القديم  الذي يراوح في محله .
… الم يقل على الوردي : كلنا كذلك
شكرا أسعد البصري

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.