إبراهيم داود الجنابي : فوضى الجسد ومعتقل الحواس .. في جسدها في الحمام للشاعرة ابتهال بليبل

فوضى الجسد ومعتقل الحواس
في جسدها في الحمام للشاعرة ابتهال بليبل
إبراهيم داود الجنابي

علم الاركيولوجي يهتم كثيرا في عمليات البحث والتقصي عن المكنونات والاثار التي تختبيء في ادراج غير مرئية ولعل هذا الاهتمام ينصب حول معرفة حيثيات الاثار ابتداء من المخلفات القشرية وانتهاء يالاعماق الستراتيجية لهذا الفعل البحثي, مستقصيا من خلال الادوات البحثية الولوج بشكل افقي تارة واخرى بشكل عمودي لتحديد الملامح المهمة للبحث وصولا الى المرتكزات المنشودة ..هذا ما يخص علم الاثار الذي يذهب الى اخراج واستنطاق الاثار من جوف الارض والاستدلال عن ماهية اللقى الاثارية بعناوينها ودلالاتها التاريخية . ولان النصوص والاثار الادبية تشبه الى حد ما ذهبنا اليه بوصفها كنوزا لا بد سبر غورها والغوص في فضاءاتها من اجل الوصول الى كنهها وما تحمل من علامات ودلالات تفضي الى اكتشاف المخزون الذي تحمل
ولكي نلج الى نصوص الشاعرة ابتهال ابليبل من خلال كتابها (جسدها في الحمام ) والذي صدر عام 2018 وحمل في متنه ثمانية عشر نصا لابد من ايجاز الفارق بين الحفريات وادواتها في ما ذهبنا اليه في المقدمة وبين عملية الرصد المعرفي والكشف عن الانزياحات في العمق الداخلي للكتابة الذي يتبناه المفهوم الاركيولوجي والذي يسعى من خلاله الى تبني عمليات البحث والتنقيب في الهامش عن المتخفي والمسكوت عنه في اتون النصوص الحديثة من خلال كشف النقاب عن المتحولات وتفكيك الوحدات الباثة وتحديدها في المسارات التأويلية المنتجة .اذن يمكن القول ان الاركيلوجيا ليست مهمتها النبش والتحري عن الماضي فقط فغالبا يكمن فعلها في الحاضر والراهن اي انها عكس الجينالوجيا التي تهتم بالماضي وتبحث في اروقته .
لست هنا مدافعا ومحاميا لحق المراة كون هذه الورقة تخص شاعرة وانما لا بد من التذكير على اقل تقدير بالاجحاف الذي اصاب الانثى بوصفها مبدعة على مد العصور التاريخية وهناك الكثير من الاقوال والدراسات التي تبنت هذا الموضوع وباسهاب ودافعت بكل ادواتها وعلى كل الاصعدة التاريخية فهناك من يرى اللفظ فحلا (رجل) والمعنى (انثى )وهذا يعني ان اللغة هي نتاج ذكوري اما المراة فهي نتاج عرضي للكتابة 1* (فالرجل عقلا والمراة جسد وهذا ما اعلنت عنه كتابات الفحول مثل سقراط وافلاطون وداروين وشوبنهور والمعري والعقاد .واختلافها عن الذكورة يجعلها رجلا ناقصا والكلام ل فرويد .. في حين يصفها بودلير في احدى قصائده مليكة الخطايا حيث يقول :
ايتها المراة
يا مليكة الخطايا
ايتها العظمة الدنيئة
ايتها الخزي الرفيع .)
اذن يمكن القول بعد كل هذه الهيمنة الذكورية لقرون عديدة استطاعت الانثى ان تفلت من هذا الطوق وتأسس لثقافة وكتابة فاعلة ادت من خلالها فعلا ابداعيا معبرة عن خوالجها وان تكون معادلا موضوعيا لتلك الثنائية وهذا ما اكدته مي زياده (ماذا لو كان هناك تبادلا للادوار وقُمع الرجل وجرد من حريته الا يحصل ما حصلت عليه المراة من جور ) والكثير من النساء ذهبت مذهب زياده ك نوال السعداوي واخريات .
اذا يمكن القول ان ابتهال ابليبل استطاعت ان تؤسس لها (كوجيتو )
خاص بها وان تعمل وتجتهد وتاخذ مسارا كتابيا استطاعت من خلاله ان تضع بصمة مهمة في تاريخ التدوين الكتابي الانثوي المعاصر- ان صحت تلك العبارة – وعلى اقل تقدير في المشهد العراقي .
المتابع لما تكتبه الشاعرة وبنظرة فاحصة يستطيع ان يرى ان كل ما تنشره من كتابات لا يكاد يخلو من مفردة (الجسد) وهذا يحيلها ان مشغلها وشاغلها هو تلك المفردة ولعل كتابها موضوع الدراسة (جسدها في الحمام ) يمكن الجزم انه لا توجد صفحة من صفحاته لا تشير الى الجسد ان بالمفردة ذاتها او بجملة اشارية . فالجسد بمفهوم ابتهال بليبل وما تنبيء به تدويناتها ليس هو ما يتكون من اعضاء ووظائف بايلوجية تؤدي فعل الديمومة انما هو كتلة من الاحاسيس والمشاعر ففي النص الذي حمل العتبة الاولى (جسدها في الحمام ) ص 14 نقرأ*2
(هكذا كنت لحظة بلحظة اتلاشى ,حين أدرك النهر عند مدخل معبد باسويتيان,انه يطفح بجسدي ,وحين تغافل عن خطوات رهبان اصيبوا بالخرس.. الرهبان الذين يقودون الخطايا الى ضفة , بأجماتي .كانها نوتات لعميان )
لللللل اللغة الاشارية كانت حاضرة لتدون لغة الجسد استنادا وتوظيفا لما هو ينتمي الى المثيولوجيا , فاشارات التوتر والاشارات الاحباطية تسللت الى النص بعفوية وبغير تكلف وغرفت من المعين المعرفي والقرائي .فالجسد لديها(اي الشاعرة ) سلالات من التوتر والدفاع والهجوم والشك والطمانينة والكتمان والاحباط والثقة,, فهي توجه المتلقي ابتداء من ما يشبه الاهداء (الى رجل سينشغل بالمرايا :لا مشوهة غيري ,فلا تنظر,والا تملصت ) لتقابلها ثلاثية ,,,
مشوهة ــــــــــــــــ احباط
لا تنتظرــــــــــــــ هجوم
والا تملصت ــــــــــــ توتر
النصوص التي حملها الكتاب استفحل فيها السرد بشراهة باستثناء بعضها ..حتى انك تكاد ان تكتشف انك ازاء روائية من طراز خاص وهذا لا يعني ان الشعر او تحديدا الجمل الشعرية لم تكن حاضرة فهناك بوتقة انصهرت فيها جميع اشكال الكتابة لكن السرد كان حاضرا بكل ثقله , نقرا في نص ((بنات المدرسة)) ص 131*4 (تقول جدتي ان هذه المراة دفعها العنف الاسري وغياب الاب للانفلات ,وهي تتلصص من النافذة على كوافيرة الحي ,افكر في هذه الفتاة, كيف اغتصبها جمالها ..)وبحسب التعريف الديكارتي انا افكر اذا انا موجود يبدو ان (الكوجيتو )تسلل الى النصوص من خلال الفعل الانساني للكتابة الذي يجتهد في البحث والتنقيب عن أسرْ عقل وسلوك المراة الذي يؤدي غالبا الى الانحراف *3 (فالجسد وفقا لمفاهيم الحداثة لم يعد ملكا لقوى الاصالة والتقليد منذ ان تفرد وانفك من قيود العشيرة.لقد اصبح هذا الجسد خاضعا لاسس ومقاييس جديدة تلك المعايير التي وصفها فوكو بالقمعية اللطيفة الناعمة اذ انها لم تنه عهدا للقمع لهذا الجسد الا لتبدا عهدا اخر بوسائل جديدة من القمع والاكراه والهيمنة ) وهذا بكل دلالاته يشي لنا ان الهم المتراكم والمعاناة الجسدية والسايكلوجية تاتي ليس فقط مما هو شخصي وانما هي بث من خلال الذاكرة الجمعية .
ذكرنا في المقدمة انه لا تكاد اي صفحة من صفحات الكتاب تخلو من مفردة الجسد وهذا بدوره يحيلنا الى اكثرمن راي . فالمراة وهاجس الجسد وايروسية النص هو مبعث للذة التلقي من قبل الجنسين والسبب هو التكتم والحرمان لذلك يمكن القول ان تناول موضوعة الجسد والجنس تجعلنا ازاء مشغلين ,الاول يذهب الى ان الكتابة حول الايروتك هو من اجل جلب الانظار حول تلك المدونات لانها تخترق وتنتهك الثوابت اما المشغل الثاني فيحاول ترسيخ الثقافات الجنسية بوصفها جزء مهما من ثقافة الشعوب .والحقيقة ما دونته الشاعرة ابتهال ابيبل كان فعلا ابداعيا ينبثق مما هو شخصي لينتمي الى ما هو اشمل واعم .
نص(غرفة شرسة ) يبتدأ من ص98 الى ص 119 يكاد يكون اطول نصوص المجموعة وقد تبنى اغلب التحولات في النفس الشاعرة .مستهل النص في الفعل المضارع (يربكني ) ليأتي الفعل الاخر (يرعبني ) فبين الارباك والرعب تنهال صور بالوان متعددة (وكانني قطعة معدنية مثقلة بعار الصدا .بثقة عاشقة تتمرن كل ليلة على ارتياد فستانها .فستانها الذي فصلته على مقاسات تصطاد المواعيد المؤجلة )ص 99.عنوان النص (غرفة شرسة )هو عنوان صادم وجريء تحولت كواليسه الى بث استودعته الغرفة لكنها لم تستطع التحمل الى ابعد من هذا لتتسلل هذه الجراة بكل منعطفاتها فالشاعرة تارة تتحدث بضمير الانا واخرى لضمير الغائب ل ذلك تحضر شبكة الافعال (تتحول .تظهر .اتوغل .يساقط ……) لتدلي لنا عن حالات الحب واللهو والالم والعلة لتكون علامات شاخصة تؤكد كل المتناقضات والتضادات التي تؤسس الى العجز والقصور وعدم القدرة على استيعاب الصدمات .
اللون ايضا حضر في تلافيف النص فكان بريقا يفصح عن اشكالات رجراجة تشكل مشاهد عبر اليات الزمن وتحصد من ايقوناته ما جرى ويجري في حلبة الحياة فكانت ارهاصات الابيض والاسود تتجلى على مرمى نظر ..* 5(الدخان الذي هرع توا من سيارة بيضاء ,لا اعرف نوعها , صادف مرة ان كنت جاسة بداخلها )ص 108 في حين يكون الاسود متلبسا في كل الاماكن مع المراثي .. فالملابس تتوشح بالاسود وحمالات الصدر والوسائد البيضاء ترتدي الاسود بعيدا عن عذرية الابيض * 6(الوسادة البيضاء تصيبني بالذهول ,وافكك ذاتي فكرة فكرة دون الشعور باي شيءلفرط الاعتياد هذا …اخترت تغطية كل وسادة بيضاء بقميصي الاسود ) ص109 .
الفعل الايروسي النهم يرواد حلقات مبعثرة ويزود تلك الطاقة السلبية بحُزٙم مستدعاة من الكتل النائمة ربما في طبقات الذاكرة الحافظة التي تؤدي ادوارا مشتتة تستدعي سلوكا خاملا من اجل تادية فعل بلا ذائقة متعاليا على ارومات تحدد وتقنن السلوك العائم (كنا نرتدي القمصان ببساطة الابيض والنيلي ,لسنا عارضات ازياء نعاني الاكتئاب بسبب الحمية القاسية مجرد فتيات او ربما جميلات .بكعوب عالية ,نشارك شعورا وننتظر عشاقا لا يرتدون البدل الرسمية ………ثمة جثث تغطيها الثياب امامنا ..) لعل هذه الجمل المتلاحقة بايحاءاتها واشاراتها تؤدي فعلا اشارايا تارة وتارة اخرى تفصح عن مكنونات ..جسد / انثى ..في سلوك ياخذنا الى مسرحة النص بالوان (الابيض والنيلي ) ليتشكل امام المتلقي فعل تجسيدي لمشاهد تشي لنا اننا ازاء ممارسات بلا معنى وبعيدا الشبقية الانثوية لانها ترسم نياسم بعدم القناعة .ريما سنجد اجابات وارهاصات اكثر عمقا في كتابها الاخير الذي صدر مؤخرا (نيكروفيليا بشريط ملون ).
خلاصة القول ان هذه الورقة ربما لن تفي بكل ما تبنته افكار النصوص – وما حملته من تلويح ومباشرة -و التي حفل بها الكتاب والحق يقال ان كل نص من هذه الكتابات يحتاج الى قراءة فاحصة وواعية كونها حبلى بالمعاني والجراة بلغة رشيقة ادت طقوسها على احسن وجه .
وختاما لا بد من الاشارة الى العنونة (جسدها في الحمام ) فقد تطابقت حرفيا الى حد ما مع كتاب الكاتبة والباحثة التونسية خولة الفرشيشي والتي جاء كتابها تحت عنوان (الجسد في الحمام )بالرغم من اختلاف الثيمات فقد تناول كتاب الفرشيشي موضوعة تاريخ الحمامات وتنوعاتها بالاضافة الى علاقة الجسد وطقوسه في الحمامات . ربما التناصات اخذت ماخذها .

المصادر:
*1- المراة واللغة . عبدالله الغذامي 1996
*- 2 جسدها في الحمام ,ابنهال بليبل 2018
*- 3جسد المراة والدلالات الرمزية .دراسة انثروبولوجية,ميسون العتوم 2013
*- 4جسدها في الحمام ,ابتهال بليبل
*- 5 نفس المصدر
* – 6نفس المصدر

شاهد أيضاً

روايات مترجمة: (8)أناس في ليل الصيف (من الأدب الفنلندي) فرانس ايميل سيلامبا
ترجمة: كاظم سعد الدين
قراءة: ناطق خلوصي

يقول توماس ووربرتن في الدراسة التي كتبها عن الروائي الفنلندي ” فرانس ايميل سيلامبا” ان …

شوقي كريم حسن: د. سلمان كاصد… قرءات التحول المعرفي.

*قد تنحرف الرغباتْ، دون تخطيط او دراية، ثمة ما يشير الى طريق غير ذاك الذي، …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (14)

توق التغيير في مجابهة تحديات المكان محمد حسين الداغستاني يشكل هاجس الاغتراب دافعاً مهماً للتغيير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *