بمناسبة الذكرى 99 لثورة العسرين الخالدة .. الثورة العراقية الكبرى (ملف/5)

الشيخ البصير شاعر ثورة العشرين (جالسا) وحوله نخبة من شعراء الثورة

(5) العوامل الخارجية
لم يكن الانقسام في المجتمع العراقي – وهو انقسام بدأ مع الحرب العالمية الأولى، ودخول الدولة العثمانية في الحرب إلى جانب ألمانيا، وما تلا ذلك من إعلان الوقوف إلى جانب بريطانيا من جانب الشريف حسين في عام 1916 وإعلان الثورة العربية على الدولة العثمانية – قد توقف بعد انتهاء الحرب، واستسلام الدولة العثمانية، واحتلال العراق من قبل بريطانيا؛ بل اتخذ أبعاداً جديدة، وأضيفت إليه عوامل وقوى جديدة، واتخذ له وجهة أخرى؛ فأصبح الأمر يطرح نفسًه في سؤالٍ على النحو الآتي: من الذي يقف إلى جانب الوجود البريطاني في العراق، ويعتبره ضرورياً لتطور العراق؟

ومن يقف ضد الوجود البريطاني في العراق، ويدعو إلى نيل الاستقلال والسيادة الوطنية؟ إن الفترة بين 1918 و1920 كانت فترة تبلورت فيها المواقف بوضوح بين بريطانيا التي تريد البقاء – وخاصة بعد تسلم (ويلسون) المسؤولية في العراق خلفاً للسير (وليم كوكس) . وهو الذي كان راغباً في ربط العراق بالهند ربطاً محكماً لتبقى مستعمرة دائمة لبريطانيا – وبين غالبية العراقيين في موقفهم الداعي إلى الاستقلال. وإن الاختلاف في المواقف بين العراقيين تركز بالأساس بين أوساط معينة من الشعب العراقي – لم يكن مستوى الوعي آنذاك يسمح حقاً بالتعرف على نوايا الاستعمار البريطاني، أو أغراضه في العراق. فلم يكن سهلاً مثلاً على الفلاحين الخاضعين لتسلط شيوخهم، والمحرومين من نعمة القراءة والكتابة، أن يصلوا إلى مصادر المعلومات، أو يطلعوا على مجريات الصراع في العراق والمنطقة؛ فيدركوا أبعاد الصراع واتجاهاته – ولم تكن هذه الأوساط إلا مجموعات من المثقفين والأفندية وشيوخ الدين، ومجموعات من شيوخ العشائر المتنورة، وأبناء الميسورين، وأبناء الطبقة المتوسطة. وكانت هذه الاختلافات في المواقف، تبرز في موضوعات الدعاية العراقية المناهضة للوجود البريطاني، التي اتخذت في حينها صيغاً مختلفة، تراعي مستوى وانتماء الجماعات التي يراد إيصالُ المعلومة إليها. ففي الوقت الذي كان يجري الحديث فيه عن الدين، وعن التباين بين المسلمين والبريطانيين الكفار (المقصود هنا المسيحيين البريطانيين) في الأوساط الدينية، وفي الريف، وفي صفوف فقراء المدن والكادحين – وكان هذا الحديث يستخدم طريقة سيئة بلا شك، بعيدة عن الصحة، ذات أهداف مغرضة، تسيء لأتباع الديانات الأخرى – نجد صيغاً أخرى مختلفة من الدعاية، تمارس من قبل المثقفين العراقيين من الأفندية، تتجه نحو فضح الأهداف الرئيسة للهيمنة البريطانية، التي تريد استثمار موارد العراق وخيراته، واستغلال شعبه، وتجهد في نشر الأنباء عن نكث بريطانيا وعودها في تحقيق الوحدة العربية أو في تحقيق الحكم الذاتي للكُرد، في أوساط الشعب العربي والشعب الكُردي معاً.

ولعب العامل الخارجي العربي والإقليمي والدولي، دوراً مهماً في تنشيط الكفاح الداخلي، وفي تفجير الثورة العراقية. فثورة العشرين مثلاً، التي جاءت استكمالاً لانتفاضة النجف في عام 1918 وكذلك ثورة السليمانية عام 1919 , قد تأثرتا بالعوامل الخارجية التالية:

اطلاع الأوساط العراقية – تلك الأكثر احتكاكاً بالمعلومات القادمة من الخارج، عبر الصحافة العربية وغيرها – على ما تنشره الصحف البريطانية، وعلى ما يدور من نقاشات في مجلس العموم البريطاني حول مطالبة العراقيين بالاستقلال، أوحول التحركات السياسية والنضالات المسلحة، التي كانت تؤرق الأوساط البريطانية وسلطات الاحتلال، وتثير جمهرة غفيرة من الشعب البريطاني، من دافعي الضرائب، ومن المجندين في الخدمة في العراق، كانت تطالب الحكومة البريطانية بالانسحاب من العراق، ومنح البلاد استقلالها، باعتبار الاستقلال مطلباً عراقياً ملحاً. وكان هذا النقاش يشجع العراقيين، عندما كان يبث في المضايف والمجالس الدينية والشعبية. وكان يحفز الناس ويدفعهم إلى التفكير بالمشاركة في العمل؛ من أجل هذا الهدف. كما كانت الأوساط العراقية الواعية على اطلاع على المبادئ، التي طرحها الرئيس الأمريكي ودرو ويلسون، حول حرية واستقلال الشعوب، والتي روجت لها الدعاية الأمريكية في صراع الولايات المتحدة مع بريطانيا وفرنسا؛ لغاية في نفسها وهي: أن تحتل الولايات المتحدة موقعاً لها تحت الشمس، وموقعاً لها في المياه الدافئة. ولا شك في أن الحركات المناهضة للولايات المتحدة الأمريكية، والصراعات الدولية، والخوف من تطور الأوضاع في غير صالح الدولتين، أرغمت الحكومتين البريطانية والفرنسية على إصدار بيان سياسي، تضمن التأكيد على الرأي الذي أذاعه الجنرال مود عشية احتلاله بغداد، بأن المحتلين جاءوا محررين لا مستعبدين. وقد جاء في البيان ما يلي: “إن الغاية التي ترمي إليها كل من فرنسة وبريطانية العظمى في خوض غمار الحرب في الشرق من جراء أطماع ألمانية، هي تحرير الشعوب التي طالما رزحت تحت أعباء استعباد الأتراك تحريراً تاماً نهائياً،

عبد الواحد سكر

وتأسيس حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطتها من رغبة نفس السكان الوطنيين ومحض اختيارهم. وتنفيذاً لهذه الغايات قد اتفقت كل من فرنسة وبريطانية العظمى على تشجيع ومساعدة إنشاء حكومات وإدارات وطنية في كل من سورية والعراق، وقد حررها الحلفاء فعلاً، وفي الأقطار التي يسعى الحلفاء إلى تحريرها، والاعتراف بهذه الأقطار بمجرد تأسيس حكوماتها تأسيساً فعلياً”. وكان لهذا البيان الذي صدر في نوفمبر عام 1918 تأثير إيجابي لصالح النضال ضد الهيمنة البريطانية على العراق، بعكس ما توقعته كل من بريطانيا وفرنسا.
وكانت مس (گرترود بيل) واعية لوجهة تطور الأحداث في العراق. نقل الدكتور عبد الله فياض عنها ما روت في الثاني عشر من يناير 1920 قالت: “أبتهل إلى الله أن يهدي قادة الرأي في وطننا ويجعلهم يفهمون أن الأفضل أن نعترف بطموح العراقيين السياسي منذ البداية وألا نحاول أن نضغط على السكان. ومن يعلمنا بأننا قد نفقد سيطرتنا على العراق خلال سنة واحدة أو أقل. وذلك لأن عوامل الاضطراب من الشمال والشرق آخذة مجراها وربما يكون لهذه العوامل تأثيرها في أهل العراق. ليتني أتمتع بتأثير أكثر مما أتمتع به الآن حتى أقنع الآخرين بوجهة نظري. وقد كتبت حول هذا الموضوع إلى إدوين “Edwin” هذا الأسبوع , وسأكتب إلى السير هرتزل “A. Hirtzel” “.

ورغم كل مصاعب الارتباط بين العراق، وبقية الأقطار العربية والبلدان المجاورة، فإن نضال العراقيين بمختلف فئاتهم الاجتماعية، لم يكن معزولاً تماماً أو منفصلاً عن النضالات السياسية القائمة في تلك الأقطار أوبلدان الجوار. كانت لأحداث تلك البلدان تأثيرات مباشرة أو غير مباشرة على الوضع في العراق؛ فثورة 1919 في مصر وتحركات البرجوازية والقوى الوطنية الأخرى في سوريا ولبنان عام 1918، والحركة (المشروطية) في إيران، والحركة الدستورية، وصعود الكمالية في تركيا خلال الفترة ما بين 1919-1921 كانت لها جميعاً أصداء مدوية في العراق، أيقظت تطلعات فئات معينة من أبناء الشعب العراقي. وكانت بلاد الشام، التي نصب فيصل بن الحسين في عام 1919 ملكاً عليها، تشمل سوريا ولبنان وفلسطين. وكانت خاضعة للاحتلال البريطاني الفرنسي، مع أن القائد العام لقوات الحلفاء في المنطقة كان بريطانياً . وكانت الأحداث فيها تغلي مطالبة بإلغاء الاحتلال ومنح سوريا الاستقلال، وأصبح شعار “سوريا للسوريين” هو السائد. وبعد عودة فيصل من جولته في أوروبا إلى دمشق، أمكن تشكيل المجلس الوطني، وعقد اجتماع له صدرت عنه مجموعة من المقررات ذات الأهمية البالغة، ومن بينها:

“1- الاعتراف باستقلال سوريا، وبضمنها فلسطين كدولة ذات سيادة، وتنصيب الأمير فيصل ملكاً عليها، والاعتراف باستقلال العراق.

2= نقض اتفاق سايكس – بيكو، ووعد بلفور، وكل مشروع يرمي إلى تقسيم سوريا وإنشاء دولة يهودية في فلسطين.

3- رفض الوصاية السياسية، التي ينطوي عليها نظام الانتداب المقترح،.. “.

وقد كان لهذه المقررات – وهي عشرة – تأثير واضح على المجموعات العراقية التي كانت حينذاك في سورية، سواء أكان أفرادها من المدنيين أم من العسكريين الذين انخرطوا في القوات المسلحة السورية. فحركتها هذه المقررات، وقادتها باتجاه عقد اجتماع لها، معتبرة نفسها ممثلة للشعب العراقي. وقد تمخض الاجتماع عن اتخاذ قرارات تضمنت مايلي :– حسبما ذكر جورج أنطونيوس الذي كتب يقول : “اجتمع المؤتمر السوري في دمشق يوم 8 مارس (1920) وقرر إعلان استقلال سورية وبضمنها فلسطين ولبنان كدولة ذات سيادة شكل الحكم فيها ملكي دستوري والمناداة بالأمير فيصل ملكاً، ثم اجتمع الزعماء العراقيون واتخذوا قراراً مماثلاً بشأن العراق الذي انتخبوا الأمير عبد الله ملكاً عليه , وقد أضيف على قرار المؤتمر تحفظ يبقي للبنان حقه المكتسب في الحكم الذاتي ضمن نطاق الوحدة السورية وتقرر كذلك أن تقوم الإدارة في سوريا والعراق على أساس اللامركزية وهي الفكرة التي كانت موضوع الخلاف القديم بين الترك والعرب”.

ولم يكن التأثير الوارد من سوريا مقتصراً على الجانب التطبيقي، بل تجاوزه إلى التأثير الفكري والسياسي، الذي تجلى في الصحافة السورية، التي كانت تصل إلى العراق. وكذلك في الأخبار التي كانت تتناقلها المجالس العراقية، وشيوخ الدين، وشيوخ العشائر في مضايفهم. وكان السوريون متأثرين بفكر الثورة الفرنسية التحرري، الذي نشرته البرجوازية المنتفضة من جور النظام الإقطاعي في عام 1789 رافعة شعارات “الحرية والإخاء والمساواة” التي انتقلت بدورها إلى الأوساط العراقية العاملة في السياسة، والمهتمة بقضايا تحرر العراق. ويقال أن الأمير فيصل لم يكن يرسل الدعاة إلى بغداد؛ لتحريك الناس والقبائل من أجل الاستقلال فقط، بل كان يرسل الأموال بالاعتماد على القوات البريطانية المرابطة في سورية أيضاً . ولكن استطلاع الرأي الذي قام عبد الرزاق الحسني في حينها، مع مجموعة لها شأن من قادة الثورة من جهة ، والمعلومات التي استطاع الحصول عليها الدكتور عبد الله فياض من جهة ثانية، تشير إلى أن الثوار، لم يحصلوا على مساعدات مالية من الأمير فيصل في سوريا.

الشيخ حبيب الخيزران

وإلى جانب التأثير المباشر لسوريا على الحركة السياسية المناهضة لبريطانيا في العراق؛ لعبت ثورة 1919 المصرية بقيادة سعد زغلول – كما أشرنا من قبل – دوراً محفزاً لتلك الأوساط، التي كانت على إطلاع على أخبار الثورة من جهة، وعلى فكر الثورة من جهة ثانية، وهو الفكر الذي كان يتجلى في ما تنشره الصحافة المصرية من معلومات وقيم نضالية ضد الهيمنة الأجنبية، ومن أجل استقلال مصر والدول الإسلامية الأخرى. وكانت تلك المعلومات تتسرب إلى الناس في المدينة على وجه التخصيص . وكانت التحركات الفلاحية في الريف المصري، تنتقل أخبارها إلى الريف العراقي أيضاً، فيجري الحديث عنها في مضايف الشيوخ وفي مجالس المدينة. كتب محمد مهدي البصير – نقلاً عن الدكتور الوردي – يقول: “إن أخبار سعد زغلول والشعب المصري من جهة، وأخبار الملك حسين وأنجاله في الحجاز وسوريا من جهة الأخرى , كانت حديث الخاص والعام في العراق وقلما خلا مجلس من ذكرها” .
وكان للعلاقات بين العراق وإيران، ومجيء الزوار الإيرانيين إلى مدن مثل كربلاء والنجف والكاظمين وغيرها من مدن العتبات المقدسة، ومدن جنوب العراق، واحتكاكهم المتواصل بالناس وبشيوخ الدين؛ تأثير خاص سلك اتجاهين هما: تبادل وجهات النظر حول تطور الحياة السياسية في إيران، ودور شيوخ الدين وتجربتهم في النضال من أجل الدستور في الحركة؛ التي عرفت منذ بداية القرن العشرين بالحركة المشروطية، والموقف من الهيمنة البريطانية على إيران من جهة، ونقل أخبار ثورة أكتوبر البلشفية الاشتراكية، والثورة الألمانية، ودور العمال والفلاحين في هذه الثورة من جهة ثانية. ولم تكن كل أخبار الثورة، ولا كل المعلومات التي تصل عنها واضحة المعالم بالضرورة أو مفهومة الأهداف. إذ أن بعض الصحف كانت تشكك بأهداف الثورة ومواقفها من العراق أو الدول العربية، ولكن بعضها الآخر كان يشير إلى الدور، الذي لعبته الثورة البلشفية، في نشر المعلومات والوثائق والمؤامرات التي حاكتها، والاتفاقات التي عقدتها قبل ذاك الدول الاستعمارية لتقسيم مناطق النفوذ بينها. ولاسيما بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية. وفي الوقت الذي يجب أن لا تتم المبالغة فيه بدور هذه الثورات البعيدة عن العراق؛ لقلة الأخبار التي كانت ترد إلى الناس العراقيين عنها؛ يكون من الخطأ نكران أي تأثير فكري وسياسي غير مباشر لها على الحركات السياسية في المنطقة العربية، أو في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام. ويتجلى هذا في العديد من كتابات الحكام السياسيين البريطانيين في العراق وفي غيرها، وفي الأخبار التي كانت تصل إلى العراقيين، وتتجلى في ما كانت تتناقله المجلات أو الصحف التي يطلع عليها بعض المثقفين من السليمانية أو من غيرها من مدن العراق. ولا شك في أنَّ المصادر التي تشير إلى وجود صلة مباشرة بين رجال ثورة العشرين – سواء أكانوا من شيوخ الدين أو من غيرهم – برجال الثورة الروسية أو بالقنصلية السوفييتية في إيران شحيحة جداً، ولم يؤكدها رجال الثورة، الذين قيل أنهم كانوا على صلة بالسوفييت. كما في حالة المرزا محمد رضا الشيرازي، وهو ابن حجة الإسلام والمسلمين العلامة المرزا محمد تقي الحائري الشيرازي، الذي لعب دوراً قيادياً في الثورة، وأعطى فتاوى تنشط التحرك ضد المحتلين البريطانيين، والذي ورد ذكره وهو يجيب عن أسئلة الدكتور عبد الله فياض الواردة في كتابه المشار إليه سابقاً “الثورة العراقية الكبرى” .
ومع ذلك فإن الأحداث التي وقعت قبل وأثناء وبعد ثورة العشرين، تؤكد وجود تأثير ضئيل غير مباشر لثورتي شباط البرجوازية 1905 وأكتوبر الاشتراكية في روسيا القيصرية في عام 1917 ثم إقامة اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، على أوساط معينة من قادة الثورة، انتقل من خلالهم إلى المقاتلين في جيش الثورة. وفي هذا الصدد يورد (فولفو) في كتابه عن تاريخ الأقطار العربية المعاصر ما يلي:
“وإلى العراق وسوريا، تسربت أنباء الثورة الروسية عن طريق خط الجبهة القفقاسية حيث كان يتجابه الجيشان الروسي والتركي (ففي 1916 خاضت القوات الروسية غمار المعارك ضد الأتراك قرب خانقين، أي في أراضي العراق)، وكذلك عن طريق إيران والهند. وبين جنود الجيش التركي الذي يضم كثيرين من العرب، انتشرت بسرعة أنباء الحركة الثورية البادئة التي قام بها جنود الجبهة القفقاسية الروسية والمجموعة من القوات الروسية في إيران، ونبأ إطاحة العمال والجنود في روسيا بحكم الملاكين العقاريين والرأسماليين. وكانت واسعة الشعبية على الأخص الأنباء القائلة أن الجنود الروس يطالبون بوقف الحرب على الفور، وعقد الصلح، وتقسيم الأرض بين الفلاحين.” ثم يواصل فيقول: ” وإلى المناطق الجنوبية من بلاد ما بين النهرين، تسربت أنباء الثورة في روسيا بصورة رئيسية عن طريق إيران والهند، فأن جيش الاحتلال البريطاني في العراق كان يتألف على الأغلب من جنود هنود. ولن نبالغ إذا قلنا إن شعوب العراق قد شعرت مباشرة بتأثير الثورة الروسية”. وجاء في البرقية التي أرسلها السير (أي. تي. ولسن) الحاكم الملكي العام في العراق، إلى وزير الهند في 12/8/1920 تشخيص 14 سبباً للثورة على الاحتلال الإنكليزي. وفي السبب الخامس يذكر ولسن ما يلي: ” نقاط الرئيس ويلسون الأربع عشرة، وما أنتجته من هياج وتأثير زاده أثراً الشريف، والأتراك، والبولشفيك من متطوعين ومأجورين”.

وكان للعمال الهنود، الذين عملوا في الموانئ العراقية، وفي الثكنات والمنشآت العسكرية والإنتاجية، دور محسوس في إعطاء صورة واقعية عن حقيقة الاستعمار الإنكليزي في الهند؛ وعن المصائب التي تعاني منها شعوب الهند نتيجة لذلك.
وكان لتركيا تأثير مباشر على القوى، التي رفعت السلاح – باسم الجهاد الإسلامي ضد الكفار – في وجه القوات البريطانية التي احتلت البصرة في عام 1915. والمعلومات التي كانت بريطانيا تنشرها حينذاك، تؤكد وجود تلك الصلة، حيث كانت تصل الأسلحة والأموال إلى الحركات السياسية المناهضة لبريطانيا في العراق. والأهم من هذا هو أن الحركة الدستورية لعام 1908 – ومن ثم الثورة الكمالية – كان لهما تأثير مباشر على الحركة السياسية العراقية المطالبة بالحرية واللامركزية في علاقاتها مع الدولة العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى. أي أنها كانت من المحفزات الأولى السابقة للتحرك والثورة على بريطانيا.
لقد كان لهذه العوامل وغيرها، تأثير مباشر وغير مباشر، على شيوخ الدين، والمثقفين، والموظفين الأفندية، وشيوخ العشائر في بادئ الأمر، ثم تنتقل من خلالهم إلى جمهرة أخرى من الناس، حتى تصل إلى عموم الشارع العراقي. أضف إلى ذلك المعاناة المباشرة للسكان من ظلم البريطانيين – الذي أشرنا إليه سابقاً – إذ أنها ساهمت في تحفيز همم العراقيين، ودفعت الكثيرين منهم إلى تغيير موقفه تغييراً إيجابياً من الانتصار البريطاني على الدولة العثمانية في بدايته، وإلى المطالبة بتنفيذ التعهد الذي التزمت به بريطانيا أمام الشريف (حسين) والالتزام أمام العراقيين ببيان الجنرال مود المتضمن أنهم جاءوا محررين لا محتلين، أو بالبيان الفرنسي البريطاني المشترك الذي صدر في عام 1918.

… يتبع

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *