الرئيسية » نقد » ادب » مهدي شاكر العبيدي : المقتبس من وحي الرسالةوايهما سكن الصابونجية ببغداد الزهاوي ام الرصافي، وألتقاهم احمد حسن الزيات هناك ؟

مهدي شاكر العبيدي : المقتبس من وحي الرسالةوايهما سكن الصابونجية ببغداد الزهاوي ام الرصافي، وألتقاهم احمد حسن الزيات هناك ؟

المقتبس من وحي الرسالة

وايهما سكن الصابونجية ببغداد الزهاوي ام الرصافي، وألتقاهم احمد حسن الزيات هناك ؟

مهدي شاكر العبيدي 

اوستن-تكساس

وحي الرسالة هو السفر النفيس الذي احتوى كتابات أحمد حسن الزيات المنشورة بمجلة الرسالة، التي اضطلعت قرابة عشرين سنة بالدعوة لوحدة العرب وجمع شملهم وإحياء تراثهم مع الانفتاح على الثقافة الأوربية بشتى لغاتها ومتغاير أجناسها.. وترجمة الروائع من نتاجاتها وأدبياتها، رافضة للتوجهات الضيقة الأفق والنوازع المحدودة التي لا تستشرف مدى من الحرية والطموح.

وقد انتظمت محتويات هذا الأثر بعدة أجزاء أيضاً، مثلما ابتدر صنوه احمد أمين منشئ مجلة الثقافة لتصنيف مقالاته في كتاب أسماه فيض الخاطر وهو بعدة أجزاء أيضاً، وحذا حذوهما مؤخراً سهيل ادريس صاحب مجلة الآداب فعمد لتبويب افتتاحياتها بجزأين ربما يتلوهما ثالث، وقد نعت الأول مواقف وقضايا أدبية ، ودعا الثاني في معركة القومية والحرية. 

وعمد الكاتبان السوريان خليل الهنداوي وعمر الدقاق لمراجعة موضوعات الزيّات وأحمد أمين وتخيرا عينات وشواهد منهما وبوباها باسم المقتبس من فيض الخاطر والمقتبس من وحي الرسالة.  

توخيا من هذا الصنيع أن يضعا بين أيدي النابتة عصارة حلوة المذاق مما كان مألوفاً في الجيل الماضي من سمات وملامح أدبية، فلا مراء أن طرأ شيء من التغير والاختلاف على أساليب المتأخرين ومعالجتهم للبيان والتعبير، وأخذوا أنفسهم وسلائقهم بضرب من التبسيط والعفوية ، وانتويا تعريفهم بالشؤون والمشكلات والأوضاع المتردية والسلبيات المتفشية في الحياة العامة مما استأثر باهتمامهم وجلب انتباهم فتصدوا لمعالجته منادين بتجاوزه والتهوين منه وبالتالي إصلاحه، وفي ذلك تصحيح لما شاع في مختلف الأوساط من فرط عنايتهم باللفظ واقتصارهم على التوشية البيانية، فقد كان أدب الرواد معنياً بالقضايا الاجتماعية والوطنية والقومية .

وكأن أدركا أخيراً أن لا قبل لأبناء الجيل الجديد بالمطاولة على سوغ نتاج ثر وطائل، وما يتطلبه ذلك من صبر وجلد، فآثرا اقتضابه وسوق منتخبات منه، بعد تحليله وتفسيره، والتنويه بصياغاته وقوالبه وتراكيبه المتينة، أو الانتهاء إلى نبذة عن تخطيهم للصعوبات وتذليلهم للعقبات  وخلوص الواحد منهم لأن يغدو قدوة ونموذجاً يحتذى في انجازاته ومعطياته.

وقد استلفت أسلوب الزيّات وبيانه وطريقته في التعبير أنظار الباحثين والمستقرين والمجتلين عناصر الإثارة والجمال والتشويق في الآثار والنصوص الأدبية ، وعدوه كاتباً متميزاً يعنى بالصياغة اللفظية دون تفريط بالمعنى وإخمال شأنه، كما هو نهج المنشئين القدامى كالقاضي الفاضل ومن تعاقب بعده في عهود الانحطاط وإجبال الثقافة العربية، لكنه يعنت القارئ في محاولة فهم مقاصده واكتناه مراميه ويتطلبه بالكثير من الحضور والوعي وشد الانتباه والتركيز لغاية ما تستوقفه علامة من علامات الترقيم يقتضيها نسق عبارته، وإذ ذاك تتوضح لذائقته وسليقته وملكته وإدراكه أغراضه ومعانيه، ويتجلى هذا الاعنات وحمل النفس على ما لا يطاق من الكد والاعتساف في مقالاته الوصفية مما انتقياه من هذا النتاج الغزير وراقهما، على أنه يتضاءل أو يقل إلى حد في مقالاته الاجتماعية حيث يهتم بعرض آرائه وبسط ملاحظاته وتتسع أمامه فسحة القول، ويكاد هذا الطابع ينتفي أو ينحسر تماماً في المقالات المنصرفة إلى التوجه القومي، والأخرى المكرّسة لرصد حياة الأدباء الأعلام من شعراء وناثرين، ذوي أثر بين في بيئاتهم ومجتمعاتهم، ولهم مشاركة في التغيير الذي طرأ على حياتها في النواحي السياسية والتحول الذي شمل الأعراف والتقاليد، وحدا بها إلى التكيف هي ومستجدات العصر، شافعاً ذلك بتقصي ما انفرد الواحد منهم به من ميزات وخصائص تومئ إلى تركه دوياً وإبقائه أثراً غداة انبرائه وتصديه للمطالبة بحقوق الشعب أو مقارعة المستعمر، او تؤثر سلبيته وانسحابه من دنيا الناس وإيثاره اعتزالهم وانصبابه على صوغ هذا النهج في نسيج من الشعر الفلسفي الزاخر بالفكر والتأمل معرياً به ما يسود الحياة ويشيع بين بني النوع من المكر والتدليس والرياء، أو  تحكي لنا ما تمرّس به آخر من خبرات وتجارب جراء ميله للمغامرة والتقحم ومخاطرته بنفسه في أحيان كثيرة، فيخرج مثخناً بالجراح والندوب ، آيباً بحصيلة ثرة من العبر والأمثال والحكم التي تصح وتوافق مشارب جميع للناس في كل زمن ومكان.

والحق أن الصور القلمية التي رسمها لصفوة من الزعماء والمصلحين وقادة الفكر والشعراء، تحفل بالنظرات العميقة والآراء النافذة والانطباعات الذكية عن اخلاصهم وفتائهم وصدقهم في ما جهروا به من معتقد وتبنوه من دعوى، مع ما يؤاخذه به بعضهم من زلة أو يعيب منه تصرفاً، فعن الرصافي يقول:

“… فلما رآني فض اللعب وأقبل بأنسه عليّ، ثم أخذ يشرب ويتحدث باللغة العارية عن الحقائق العارية في غير اكتراث ولا تحفظ، ويظلم الرصافي من يقيد عليه في مثل هذه الحال، ولكن نداماه يروون شعره أو يذيعون حديثه، فيبلغ صاحب الملك فيغضب (الملك فيصل الأول) او صاحب الحكم فيعجب أو صاحب الدين فيصخب، أو صاحب الخلق فيثور، وكل أولئك يعادون الرصافي ولكنهم يهابونه لشخصيته ويحترمونه لعبقريته، ويتربصون به سوء المصير، هذه صورة لحياة الفقيد الكريم، أما عقيدته فالأمر فيها لله لا للناس، وأما شاعريته فالحكم عليها للناقد لا للمؤرخ” 

ويبدو أن الكلمة ذي كتبت عقيب موت الرصافي ونشرت فاتحة أحد الأعداد الصادرة بعد هذا الحادث أو الخطب الكريه بطبيعة الحال، والكاتب يستذكر لقاءه بالرصافي في بداية الثلاثينيات يوم عيّن أستاذاً للأدب العربي بدار المعلمين العالية في بغداد، وبين هذا التاريخ وغياب الرصافي خمسة عشر عاماً تقريباً تقلبت بالشاعر شتى الأزمات والمحن، وخرج من بغداد  إلى الفلوجة مغاضباً ثم عاد إليها وقد هده الداء واستبدل حيّاً جديداً بحبه القديم بالصابونجية التي وهم الزيات أنه رأى الزهاوي الموسر وزاره فيها، وهو ابن ذوات وسليل أسرة مرموقة الشأن ترنو وتتوق إلى تسنم المراتب والمناصب. 

وعلى فرض أن منزل الرصافي يخلو من المكتبة، فكيف جوز الزيّات لنفسه أو لضميره الأدبي استنتاج إن الرجل لا يقرأ وإنما كان يتكئ على شدة ذكائه وحدة فهمه، ويكتفي بما حصل في شبابه من أدبه وعلمه. 

أيصح هذا لكاتب رسائل التعليقات وغيرها زمن الحرب العالمية الثانية، وقد اشتملت على المعلومات الغزيرة في الفلسفة والتصوف والتاريخ الإسلامي وتاريخ الآداب العربية، فضلاً عما أذاعه أو سطره فيها من الأحكام والاستنتاجات والآراء الثاقبة الجريئة بنت الذكاء والدراية والاطلاع..؟ 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *