م.د سلام حديد رسن : قراءة في قصص محمد سهيل أحمد ؛ (الآن أو بعد سنين) أنموذجاً

القاص محمد سعيل احمد

قراءة في قصص محمد سهيل أحمد
( الآن أو بعد سنين ) أنموذجاً
م .د سلام حديد رسن
ح1/2
الملخص
محمد سهيل أحمد، قاص من مدينة البصرة ، له إسهامات ملموسة في مسار القصة القصيرة في العراق، فهو يمثل أحد أجيالها المتميزة في هذا البلد. وحاولت هذه الدراسة – على بساطتها وتواضعها – معالجة حلقة من حلقات الإبداع عند هذا القاص، ولاسيما في مجموعته القصصية الثانية: (الآن أو بعد سنين) الصادرة في عام 2005 م ، وقد تم اختيارها – عن قصد – للدراسة ، لأنها تمثل حلقة متطورة في أسلوب القص عند هذا القاص ، بعد مجموعته القصصية الأولى :
(العين والشباك)، الصادرة في عام 1985 م. وهي فترة زمنية طويلة مابين المجموعتين، استطاع من خلالها القاص أن يثري تجربته القصصية:(شكلا ومضمونًا)، وأن يطور من قابلياته في فن القص، وبثراء التجربة الفنية الممزوجة بالتجربة الحياتية ، كل ذلك قد انعكس – إيجابا- على فنه القصصي .
البناء الفني في قصص المجموعة :
أولا – الاستهلال initiation:
يشكل الاستهلال أهمية كبرى في النص الأدبي أو العمل الفني عموما ، فهوالذي يعطي الصورة الأولى للإبداع أو النجاح في هذا العمل أو فشله . ولذلك،يحرص كل أديب أو فنان على أن يتضمن استهلاله أبعادا فكرية خاصة به أو تقنيات فنية جديدة ، يضفي من خلالهما هذا الاستهلال لمسة جمالية مميزة على العمل كله .
وكثيرا، ما يكون الاستهلال في النص الأدبي ، هو الخيط الذي يشدنا إلى أسرارالعمل الخفية فيه ، ويدفعنا باستمرار إلى متابعة القراءة بشغف وحماس كبيرين.ولذلك، لا يمكن دراسة الاستهلال في أي نص، بمعزل عن محتوى هذا النص وبنائه. بل أنه – وفي أحيان كثيرة – قد يشكل الاستهلال مفتاحا رئيسا لبنية العمل الفني كله ( 1)
يبقى الاستهلال جزءا هاما من المنظومة الفكرية والفنية للعمل الفني ككل،وإن استقل بعمله، فهو(( ليس عنصرا منفصلا عن بنية العمل الفني كله كما يوهم موقعه في بدء * الكلام , كما أنه ليس حالا سكونية يمكن عزلها والتعامل معها كما لو كان بنية مغلقة على ذاتها ، وإنما هو السدى البنائي والتاريخي المتولد من العمل الفني كله، الخاضع لمنطق العمل الكلي. وفي الوقت نفسه فهو عنصر له خصوصيته التعبيرية باعتباره بدء * الكلام ، والبداية هي المحرك الفاعل الأول لعجلة النص . ( كله)( 2). وفي القصة القصيرة التي هي فن تتداخل عدة أنواع من الفنون والآداب في كتابتها، فهي تأخذ تقنياتها الفنية أحيانا من المقامة والحكاية الشعبية، وفي أحيان أخرى تأخذها من المسرحية والقصيدة الغنائية وحتى من السينما كذلك، ولكن المتميز بها – أي القصة القصيرة – أنها تمتلك خلفية اجتماعية وجماعية ينتمي إليها فن القص , لقد حمل استهلالها كثافة الشعر، وإيحائية الحكاية ، ودقة الحوار. ولأنها – أي القصة القصيرة – وريثة كل هذه الفنون، لذلك ليس من ثبات مطلق لبنية الاستهلال فيها، بل أصول عامة يمكن التعرف عليها ( 3 )
استهلال القصة القصيرة ، ذو خصوصية مختلفة، فهو لا يمتلك ثباتا خاصا به، كما هو الحال في العديد من الفنون ، بل يتميز بالتغير والتجديد ، وهذا يعني أن لكل قصة قصيرة استهلالها الخاص بها ، الذي يحكمه البناء الفني لتلك القصة ، وعليه من الصعوبة وضع ضوابط محددة لاستهلال القصة القصيرة عموما .
وسوف , نحاول دراسة بعض الاستهلالات في مجموعة القاص محمد سهيل أحمد: (الآن أو بعد سنين) ، ففي قصة ( مملكة الرجل الوحيد ) ، يطالعنا الاستهلال الآتي :
(( بمفتاح بديل فتحت الباب فصر صريرا شرخ صمت المكان. وجدتني بداخل .( الغرفة ))( 4 ) الاستهلال بهذه الصيغة ، يشكل فعل البداية في رحلة يقتحم من خلالها رجل غرفة رجل آخر مسافر، يحاول افتضاض أسرارها عن قصد أو تطفل، وبذلك تتضح خطوط القصة العامة وأحداثها الرئيسة التي سوف تحصل بعدها . وكأن الاستهلال في هذه القصة يبنى وفق سياق فعل البداية في هذه الرحلة الاستكشافية داخل مملكة الرجل المسافر (غرفة الأسرار) ، وهو ما يمثل الخطوة الأولى في بداية هذه الرحلة، ومن ثم بداية فعل القص الأول ، حيث نلحظ بروز نبرة ضمير المتكلم ( أنا ) داخل النص الاستهلالي بوضوح ،وتبقى هذه النبرة هي المسيطرة والمتحكمة داخل القصة، إذ يستعين القاص بإحدى شخصياته لرواية الحدث .
وما يميز الاستهلالات في المجموعة القصصية:(الآن أو بعد سنين)، أن
المتحكم فيها – غالبا- هو الراوي ، فهو الذي يفتتح القصص ، فيعلو صوته أصوات الشخصيات الأخرى في القصة كمتحدث في البداية . مما يعني سيطرة نبرته كراوٍ للحدث أو سارد له، كما في هذا المقطع الاستهلالي من قصة ( امرأة بلون الشاي) :
((تتدحرجين تفاحة دبّ في قلبها الفساد.. تلجين نفق الحافلة المتأرجح .. ))( 5) .وفي استهلال قصة ( هدايا مارس ) :
((انتزع سيور حقيبته المدرسية من على كتفيه. ألقى بالحقيبة جانبا. أهوى
. بهيكله المغزلي إلى الأريكة ))( 6 )
غير أن تحكم الراوي في الاستهلال قد لا نجده دائما، فترد استهلالات
القصص- أحيانا – على لسان إحدى الشخصيات فهي التي تفتتح القصة، مما يعني مشاركتها للراوي الرئيس في رواية الحدث أو سرده ، فينضم صوتها إلى صوت الراوي متحدثة في البداية. كما في هذا المقطع الاستهلالي من قصة:( دوار الريح):
((لم أتمكن من رؤيته إلا حينما دخل المرآة وراح يمسح بمنديل زجاج
. ( نظارتي))( 7)
وفي قصة :( خبز وجمر) يطالعنا هذا الاستهلال :
. ( (( لم تكن الريح من يقرع الباب هذه المرة … )) ( 8)
ميزة كل استهلال من الاستهلالات السابقة أنه يمهد للحدث في القصة، بل
يكون الشرارة الأولى فيها ، ونلحظ في استهلالات هذه القصص ، أن الاستهلال يبدأ بالجملة الفعلية التي تعتمد حضور المشهد المكاني – الزماني معا ، وهذا يضفي على القصص سمة الواقعية. لاحظ هيمنة صوت الراوي في كل من الاستهلالين الأول والثاني ، في حين هيمن صوت الشخصية على كل من الاستهلالين الثالث والرابع،مما يؤكد ارتفاع صوتها، وتراجع صوت الراوي، ومن المؤكد أن تبادل المراكز مابين الراوي والشخصيات في افتتاح الاستهلالات سمة فنية تميز قصص المجموعة مما يبعدها عن الرتابة والملل ويضيف جمالية إليها .
ثانيا- بناء الشخصية :
الشخصية في القصة القصيرة، ركن هام لا يمكن الاستغناء عنه، ويعرف علماء النفس الشخصية، أنها:((جملة الصفات الجسمية والعقلية والمزاجية التي تميز شخصا من آخر تميزا واضحا ،وهذه الصفات لا يبدو بعضها منعزلا عن البعض الآخر، ( وإنما تمثل وجودها متكاملة ))( 9 )
أما الشخصية عند نقاد الأدب، فهي (( مدار المعاني الإنسانية ومحور الأفكار والآراء العامة. ولهذه المعاني والأفكار المكانة الأولى في القصة، فالقاص لا يسوق أفكاره وقضاياه منفصلة عن محيطها الحيوي، بل ممثلة في الأشخاص الذين يعيشون في مجتمع ما، وإلا كانت مجرد دعاية وفقدت بذلك أثرها الإجتماعي،. ( وقيمتها الفنية معا)) ( 10 )
وترتبط الشخصية بعلاقة قوية ومتلازمة بحدث القصة، ذلك أنها ((تعد مصدرا . ( أساسيا للحدث، لأنها تنتج أفعالا ، تترابط فيما بينها بعلاقات سببية أو زمانية))( 11(
وفي القصة القصيرة تقنيات فنية متعددة لتقديم الشخصية أو التعريف بها , لعل من أشهرها التشخيص عبر الوصف، ذلك أن الوصف عنصر مهم، فهو ((يخدم بناء . ( الشخصية وله أثر مباشر أو غير مباشر في تطور الحدث ))( 12) وفهم الشخصية يتطلب الإلمام بأبعادها المتعارف عليها فنيا، وهي البعد الخارجي، أو بناء الملامح الخارجية، ويشمل المظهر العام والسلوك الظاهري للشخصية وتصرفاتها. والبعد الداخلي لهذه الشخصية، ويشمل الأحوال النفسية والفكرية والسلوك الناتج عنهما . فضلا عن هذين البعدين، هناك البعد الاجتماعي، . ( وله علاقة بمكانة الشخصية في المجتمع ، وظروفها الاجتماعية بوجه عام( 13)
وفي المجموعة القصصية: (الآن أو بعد سنين)، الغالب أن الراوي هو الذي يقوم بوظيفة تقديم الشخصيات للمتلقي، وغالبا ما تقدم هذه الشخصيات للمتلقي ببعديها الخارجي والداخلي معا . كما في هذا المقطع من قصة (هدايا مارس) : ((طلع من الغرفة صبي له عينان واسعتان وشعر خوصي بلون التمر وخدان مرقشان ببقع بيضاء. ووجه ناحل كمنجل وشفتان متشققتان كشفتي تمر. وأصابع . ( شديدة الهزال كبامياء مجففة ))( 14)
وفي القصة نفسها , يقدم لنا الراوي شخصية ” ليلى” :
((قدمت ليلى. كانت ذات شعر أسود مسترسل وعينين بنيتين وفم
( رقيق…))( 15)
هنا , تتجلى لنا ملامح الشخصية في القصة وتظهر بوضوح ، إذ يقوم الراوي – وعبر الوصف – بتقديم كل من الشخصيتين: الصبي ( طاهر) والصبية ( ليلى)، مؤكدا على البعد الخارجي لكليهما، بقصد التعريف بهما ، كما يشير إلى ذلك النصان المتقدمان، وهذا يعني أن الراوي ارتأى وصف الشخصية من خلال مجريات الأحداث لإبراز تلك الصفات الحسية التي تتميز بها كل شخصية من الشخصيات المذكورة .
وتقديم الشخصيات في قصص المجموعة، ليس حكرا على الراوي وحده،
وإنما تشترك الشخصيات في هذا التقديم أيضا، فقد يجئ وصف الشخصية على لسان إحدى الشخصيات الأخرى في القصة ، كما حصل في وصف شخصية ” الهونالي ” في قصة ( خبز وجمر) ، كما يشير إلى ذلك المقطع الآتي: (( كان مديد القامة أصهب الوجه أكرت الشعر يذكرني على الدوام بمحارب ( روماني))( 16 )
التعريف بشخصية ” الهونالي”، جاء عبر طرف ثان في القصة، وهي شخصية ” الدكتور”. الراوي الرئيس للأحداث ، الذي وصف الملامح الخارجية للهونالي ،لأنه معجب ببساطته وصراحته واطلاعه الواسع، وتم ذلك وهو يقارن بينه وبين شخصية أخرى في القصة ، هي شخصية ” الفهري” , فالراوي لم يتدخل في هذا الوصف ، أو التقديم ، وإنما فسح المجال لإحدى الشخصيات للقيام بهذه الوظيفة .
وفي القصة ذاتها، يتكرر الأسلوب نفسه، حيث تقوم شخصية ” الدكتور”
بوصف شخصية أخرى ، هي شخصية ” عثمان كومبو” ، التي يشير إليها النص الآتي :
((لم أر وجها بمثل ماران على وجهه من امتقاع . كان متكدسا بطلاء
زعفراني ضارب للخضرة، أما عوده فقد هزل إلى الحد الذي كف فيه عن أن يكون رمحا . كما اعتاد أن يكون ، ومال إلى أن يمسي عصا عجفاء مقتطعة من شجرة ميتة . تذكرت هيئته قبيل شهور… كان أنيقا بلا هوادة ..بعد نهاية كل دوام يغتسل ويرتدي من البذلات أكثرها أناقة و يضمخ ثيابه بالمسك. كان وجهه أكثر روعة وعيناه أحفل بالحبور وكان حريصا على حلاقة شعر رأسه بأحدث القصات . لم تكن . ( عيناه تخفيان في ومضة ، مرحا طفوليا ممزوجا بمكر))( 17)
الشخصية الموصوفة – في النص أعلاه – من الشخصيات الرئيسة في القصة، وهي شخصية تتعرض للمطاردة ، لأنها مطلوبة للثأر وقد تقتل في أية لحظة ، فهي تعيش حالة من الفزع والخوف والرهبة ، إذ يحيط بها الأعداء من كل مكان، فتلجأ إلى مكان آمن هو منزل (الدكتور) الشخصية الراوية للأحداث، الذي يحتفظ بعلاقة ودية مع ” عثمان” ، فقد جمعهما في الماضي سكن واحد. ونلحظ أن” الدكتور” لم يكتف بوصف شخصية ” عثمان كومبو” وصفا خارجيا ، وإنما وصف حالته الداخلية كذلك ، فـ ” كومبو” يتميز بمرح طفولي ممزوج بمكر !
وفي القصة نفسها يستعمل الراوي وصفا تزيينيا في تشخيص ملامح شخصية ” أميرة ” الفتاة القروية الجميلة ، كما يشير إلى ذلك النص الآتي : ((أمام بوابة المدرسة المجاورة تتوقف سيارة بيجو بيضاء تهبط إحدى
الطالبات.تلوي جيدا قمحي اللون تطوقه سلسلة ذهبية تتدلى تحت ياقتي قميص ارجواني. اللون … كما لو كانت تمثالا لكل ما هو وحشي وفاتن في آن معا. تحمل وجها لا تعوزه مرايا .. وجها هو بحد ذاته مرآة عاكسة مقعرة حينا محدبة حينا آخر. أليف كحديقة منزل وحشي مثل غاب وإذ الصباح يقترب بخطوات حثيثة تتنفس بقايا ليل ناعس في طيات شعر فاحم غزير تتوجه وردة حمراء. ندى يتقاطر من . ( وجنتين ملتهبتين …))( 18 ) .هنا يتم توظيف الوصف بشكل مميز، حيث يقوم الراوي بتقديم الملامح الحسية للفتاة ” أميرة ” وأوصافها المعنوية، لأنها الشخصية التي شكلت المحور الأساس الذي تدور حوله أحداث القصة ، فهي الفتاة الجميلة التي عشقها الجميع من رجال الواحة – كما يقول عثمان كومبو في القصة – وكثيرا ما تقوم بدغدغة مشاعر الرجال وممارسة لعبة الإغواء والإغراء بحقهم .
ونلحظ أن تقديم شخصية ” أميرة الفلداوي” من قبل شخصية ” الدكتور” ، قد تم عبر اليوميات الخاصة التي تحرر يوما بعد يوم، وهي من الأدوات الفنية التي توظف لتقديم الشخصيات في فن القصة .
وفي قصص المجموعة ، فضلا عن تقديم الشخصية في بعدها الخارجي، تقدم أيضا في بعدها الداخلي، فيتم وصف أحوالها النفسية أيضا، وما تعانيه من اضطراب خُلقي ينعكس سلبا على سلوكها الفردي وعلاقتها بأفراد المجتمع. كما في هذا المقطع من قصة (أحلام خفاش) :
(( لا أود أن أميل للإطالة أيها السادة .. لكن باختصار تتكشف قبالتنا شخصية متداخلة في تكويناتها السايكولوجية .. طبقات متراصة ما تلبث أن تتداخل ذائبة في بعضها بعضا . هي مزيج من عقدة نقص وعدوانية وأوهام دون كيشوتية وارتياب بكل من حوله من كائنات حية . فالسيد سيف النصر- خاصة في الأشهر الماضية – ( قد بلغ به عدم الثقة بالآخرين إلى حد الهوس إن لم يكن الجنون )) ( 19)
فالوصف، هنا عبارة عن تقرير ذي طابع داخلي (سايكولوجي) ، يتضمن تحليلا لشخصية المدير “سيف النصر” المريضة ، بداء الكذب وتزوير الحقائق والخداع والمتهم بالتجاوز على المال العام والسرقة … إلخ . ونلحظ أن هذا الوصف النفسي جاء على لسان إحدى الشخصيات في القصة , وهي شخصية مدرس مادة علم النفس في المدرسة بعدما طلبت منه لجنة تحقيقية خاصة إعداد هذا التقرير.
وفي قصة (خبز وجمر)، تطالعنا شخصية ذات أبعاد داخلية (سايكولوجية)،هي شخصية:(عوام الفهري)، التي يصفها “عثمان كومبو ” في حواره مع ” الدكتور”،بقوله :
(( – أنت تريد الحقيقة .. هم يبحثون عنها .. إن الحقيقة التي لا يرغب أحد
في الاستماع إليها تبدأ من نقطة اسمها الفهري.. هذا الكائن الجلف الغريب
الأطوار.. صدر الفهري محارة .. خذ سكينا ولتشق بها تلك المحارة .. ستجد لؤلؤة اسمها الحقيقة .. ومع ذلك لن تصل إليها بيسر .. يتعين عليك أن تحك وتكشط وتحفر فهي مخبوءة تحت طبقة من أقذار .. نعم .. أعلم جيدا أنه تنكب بندقيته وأنه في طليعة المشاركين بحملة مطاردتي .. هو رجل مهزوم حتى العظم .. حتى النخاع .. سل أية معلمة من معلمات الوادي ، ممن اعتاد مغازلتهن ، وستخبرك ( بأمر هذه الشخصية المريضة بداء اسمه الشك ..! ))( 20 )
شخصية ” عوام الفهري” هنا يتم وصفها داخليا / نفسيا للمتلقي ، وكأنها داخل مختبر لعلم النفس، فهو إنسان جلف ، حاقد ، حاسد ، غدار … يتبع كل سلوك مشين للوصول إلى غاياته ونزواته ، فقد كان السبب في المشكلة التي حصلت في الواحة،فهو الذي اتهم ” عثمان كومبو ” بتهمة مواقعة بنت قاصرة ! ثبت الفحص الطبي – فيما بعد – أنها عذراء . وتمت براءة ” كومبو ” من هذه التهمة ، ولكن الحقد كان يعمي بصر “عوام الفهري ” وبصيرته معا، فلم يتوقف عند هذا الحد، وإنما أخذ بتعذيب ” كومبو ” بعد اعتقاله ، بالرغم من براءته مما نسب إليه !
ثالثا – بناء المكان :
في تقنيات القص، لا يمثل المكان الخلفية التي تقع فيها أحداث القصة،أو يرتبط وجوده بالإدراك الحسي حسب، بل يتميز المكان في القصة القصيرة بالكثافة،((بحكم أن فنية هذا النوع من الكتابة القصصية تتطلب الإيحاء والتركيز والشد إلى ( المفاصل المهمة من العلاقة بين فنية القصة وتاريخية المكان )) ( 21) ولذلك، يعد المكان واحدا من أهم مكونات النص السردي،لأنه مسرح الأحداث والإطار الذي تدور فيه هذه الأحداث، والمكان في السرد القصصي لا ينحصر وجوده ببناء الحدث وحسب، وإنما يدخل – أيضا – بقوة في بناء الشخصية . حيث (( يضفي المشهد المكاني على القصة سمة الواقع الموضوعي الخارجي، وسمة الواقعة – حدث القصة – … ، فالعين البشرية ترافق الإدراك والأحاسيس الاجتماعية والنفسية ، فيجري ثمة اقتران شرطي بين الفعل ومكانه، الفعل وحدثه،
الواقع الخارجي، والواقعة الحدثية، وتقترب هذه السمة من سمات التحقيق الإجرائي،فالقاص الواقعي قاض في أحد جوانبه، ومحقق في جوانب أخرى، ومصور، ومفسر،. ( ومدرك مما هو أبعد من الحدث في جانب آخر )) ( 22) . وطبيعة المكان في قصص (الآن أو بعد سنين)، غالبا ما تكون مألوفة لدى القارئ ، وجزء من طبيعة الحدث أو الواقع المعاش ، ومن ثم يكون تواجد شخوص القاص وأفكاره تواجدا طبيعيا ، كما هو الحال في قصة :(هدايا مارس)، جاء وصف المكان :
(( في ركن الغرفة القصي- حيث يتناقص الضوء – ثمة سرير تعلوه ناموسية ذات رتوق ولأن العتمة كانت تحتل كل ركن من أركان ذلك الحيز فأن الخيوط الرابطة لأطراف الناموسية قد اشتبكت – إلى حد انبهات ألوانها – بخيوط نسجتها عناكب السقف . كما سجيت على الوسادة صورة فوتوغرافية مكبرة ومؤطرة بلوح زجاجي مكسور لشاب بالزي العسكري يستند لجذع نخلة تطل على مياه نهر . أما الحيز المنار من الغرفة وهو الأقرب للداخل، فكان يقبع على أرضه صندوق حديدي
صدئ كتب عليه بطلاء أبيض كلمة ( ألعاب). كان جدار الغرفة الجنوبي ابيض فضيا فضلا عن أن شاشة بمساحة متر مربع قد تم تحديد إطارها بقطعة فحم ضاعفت من نصاعتها . الفسحة المتبقية الواقعة بين الباب والشباك تتوسطها طاولة مائلة مدهونة بلون البن المحروق بتخريمات ذات طراز هندي تعلوها علبة أحذية . ( بداخلها عدسات بأحجام مختلفة، بطاريات … )) ( 23 ) . طبيعة الأحداث في هذه القصة ، تدفع بالسارد إلى نقل صورة أمينة للمكان، طبيعية ومألوفة لدى القارئ، ف(غرفة العجائب) أو( غرفة الألعاب) ، وهي غرفة موجودة على سطح البيت ، يصف القاص مفرداتها وجزئياتها الدقيقة ، ليجسدها في صورة مرئية واضحة للمتلقي ، كخلفية واضحة للأحداث ، وهنا يأتي الوصف بشكل
مركز تماما، إذ ، لا يبرح الراوي / السارد مكان الحدث ، بل يلح في وصفه وصفا تفصيلا ، مما يشكل تناغما فنيا مع توالي الأحداث تارة ، ومع حركة الشخصية تارة أخرى .
أما في قصة (مملكة الرجل الوحيد) فيطالعنا هذا الوصف لـ ” غرفة
الأسرار” : ((على السرير أرحت جسدي المتوتر. جعلت أتأمل السقف وخيوط العنكبوت ثم انقلبت على جنبي غارزا حدقتي في سجادة الحائط .هي أكبر مساحة من أن تصلح كسجادة لدرويش جوال وأصغر من أن تغطي بلاط ” الزليز” الفسيفسائي الملون. إنها تمثل فارسا تحفّ بوجهه غمامة قاتمة يمتطي حصانا يرفع قائمتين ويتعكز على قائمتين.الفارس يسدد رمحا باتجاه غزال نافر يعبر مرجا .( أخضر…))( 24)
كان لابد من التفصيل في وصف هذا المكان، أو “غرفة الأسرار” ، لأن أحداث القصة قائمة بالأصل على وجود هذه الغرفة ، والأسرار التي تحيط بها ! فغرفة ” رشوان أبو الفتوح ” هي مملكته بأسرارها ، فاكتشاف أسرار المكان يعني اكتشاف أسرار الشخصية التي تسكنه، ولذلك كانت الرحلة داخل أسوارها تمثل تطفلا ونزعة فضولية من قبل الآخرين !!
وقد يكون المكان غير مألوف وذا طبيعة غريبة ، تشعر فيه الشخصية بالخوف والضياع ، فيمثل عبئا ثقيلا على كاهلها ، فلا تطمئن إليه نفسها ، وعندئذ يختل توازنها عندما تدخل إليه، أو تعيش فيه لحظات من عمرها كلها رعب وخوف. فلهذه الأماكن رهبتها الشديدة ، وقسوتها الخاصة على الشخصية . نقرأ هذا المقطع من قصة : ( ثلاثة طوابق ) :
(( ألقيت بجسد منهوك للداخل ضاغطة زر الطوابق العليا.. أي طابق كان
جعل صدري يعلو ويهبط . حملقت بوجهي المذعور وهو يغوص في مرآة المصعد. أبت ساقاي أن تسعفاني فانحدرتا بي إلى أرضية المصعد لأعانق أعقاب السجائرووحل الأحذية والبصاق. نهضت بتثاقل يسيطر علي شعور بالغثيان. ُفتح باب المصعد لأجد باب المعرض قبالتي. أنا أذن في الطابق الأرضي من جديد. ركضت نحوه تطاردني دبابير ذلك التيار لاذعة كل بوصلة في جسدي . صرخت في هلع ( حاجبة عيني بحقيبة يدي … ))( 25 )
المكان هنا غريب وغير مألوف بالنسبة للشخصية ، فهو مكان موحش
ومخيف، نظرا لما يلحق الإنسان فيه من رهبة شديدة ، ونلحظ أن السارد لم يكتف بوصف الجزئيات الدقيقة للمكان ماديا ، وإنما وصف معه بدقة – أيضا – تلك الحالة النفسية التي تعيشها الشخصية داخل هذا المكان ، فهي شخصية خائفة ، مذعورة ، من طبيعة المكان غير المألوفة بالنسبة لها ، ويشعر القارئ للمقطع السابق من القصة، بتلك الحالة النفسية المتناسقة مع حركة الشخصية داخل المكان ، وقد أضفت الأفعال: (( يعلو، يهبط ، يغوص، انحدر، نهضت، ركضت، صرخت)) جمالية في الحركة والتشخيص على المشهد الموصوف عموما .
وفي القصة نفسها، تمر الشخصية ذاتها بتجربة مريرة أخرى، مع المكان
المخيف نفسه :
((وبينما كنت لاهية بالبحث والتفرس في هيكل محنط لذئب على محفة رخامية فوجئت بذلك الكائن ينهض مكشرا عن أنيابه مطلقا عواء طغى على صرختي قاذفا بجسدي للوراء وإذا بأصداء قعقعة تتردد طالعة من ركن خفي . كان قلبي يدق . ( بعنف. اختلست نظرة ثانية للذئب .. لعينيه لأسنانه .. )) ( 26) فهذا المكان الذي تتجول فيه الشخصية وحيدة هو أشبه بالمتحف، أو الغرف السرية ذات الأشكال الغربية، التي أحسن صنعها وجمعها على نحو مرعب ومخيف ومتناقض ، وعلى الرغم من أن المكان – في البداية – شكل تحديا بالنسبة لشخصية قد استبد بها الفضول ، تريد استطلاع المكان حسب ، غير أنها أخذت – بعدئذ – تشعر فيه بالخوف والرعب لغموضه وهي تلج داخله ، فضلا عن غرابة الأشكال التي تتواجد به وتحيط بها من كل جانب .
وفي قصة (هدايا مارس) ، يكون المكان غير أليف أيضا ، ولكنه يحمل
دلالات مادية مشبعة بالرمزية ، كما في هذا المقطع من القصة :
(( دغل كثيف. صمت وعتمة يلفان المكان. تطارده جمرتان متوقدتان . يجري متعثرا بسيقان متسلقات. يلتفت . ما تزال الجمرتان تتعقبانه. يسطع طالعا منهما برق مندفع باتجاه أعالي الشجر بشكل نصال تعمي لشدة سطوعها الأبصار… من البرق يولد ذئب عاو. ينحدر بشكل سيل من رعود تعود الجمرتان للانبثاق يطلق العنان لساقيه. تحاذيه . تبتعد قليلا . تنشب أغصان متدلية ذؤاباتها المدببة في ثيابه . يتمزق قميصه . كلا أنها ليست ذؤابات ولا أشواك . إنها مخالب الذئب إنه الآن بقرب الحافة التي تفصل الغاب … المخالب تمزق قميصه متوغلة في لحم كتفه. يتهاوى
ساقطا للأرض… يطلق الذئب عويلا طويلا. ترتجف أوراق الشجر , يهوي بعضها لأرض الغاب وهو لما يزل ، دون جدوى , يجرجر جسما وانيا بأقصى ما يستطيع، كيما يفر.. ليس من الذئب ذاته ولا من الجمرتين بل من عوائه المتكسر الموحش الطويل المستحيل إلى حبال خانقة ما فتأت تلتف حول عنقه وتلتف وتلتف … يفتح عينيه فلا يجد أثرا للغاب ولا للذئب، يعثر على نفسه في فراشه جنبا لجنب . ( طاهر..))( 27 )
صحيح أن المكان – هنا – هو جزء من حلم مخيف ، تعيشه الشخصية بفزع،ولكنه غير مألوف- أيضا- بالنسبة لها. نلحظ التفصيل في موجودات المكان المادية، مما يعطي صورة مرعبة عنه، كما أن في أوصاف المكان إشارات رمزية إلى الحرب . فما عواء الذئب إلا صفارة الإنذار التي تعلن الغارات ! وفي اختيار صورة ” الذئب” دلالة على قوة الحرب وشراستها ، لقد تم بمهارة فنية توظيف الدلالة الرمزية لهذا المكان وموجوداته ، خدمة للمضمون العام للقصة ، وهو تقديم صرخة احتجاج ضد الحرب والقتل والتدمير .
للبحث صلة

نص مختار من المجموعة

قصة
—–

خبز وجمر

محمد سهيل أحمد

” ..انا مثل الخبز الذي سوف تقطعه بيديك .. مثل النار التي ستكونها.. مثل الماء النقي الذي سوف يرافقك الى ارض الاموات .. ”
إيف بونفوا

• لم تكن الريح من يقرع الباب هذه المرة :
– من الطارق ؟
طرقتان اخريان :
– هل جهزت نفسك يا دكتور ؟
قفزت كالملدوغ مغادرا سريري – دقيقة وأكون عندكم ..
تناولت من المشجب قميصا وبنطالا من قماش جينز آثرت ارتداءه تحوطا من نهشة كلب او لدغة عقرب وكممت قدمّي بزوج جوارب من وبر وحشرتهما داخل بسطال من الصنف الذي يستخدم في المزارع . لطمني حال خروجي تيار بارد دفعت به رياح بحرية باعثا الرعدة تلو الرعدة في جسدي القرير. لمحت مصباحي ” اللاندروفر ” الخلفيين يتوقدان كجمرتين وسمعت هدير المحرك وصرير هيكل العربة المتراعد بتقطع ..
شرقا, عند خط الافق, خلف الاجمات المعشوشبة ثمة هالة نور ربما كانت انعكاسا شبحيا لذبالات مصابيح او اشارة مبكرة لمقدم نهار متسارع الخطى. حملت اجنحة الريح تكبيرة آذان الفجر ورائحة خبز التنانير . جذبني صوت مدير المستوصف :
– هيا بنا با طبيب ..
بجهد جهيد ميّزت اربعة ملثمين يتقاسمون مصطبتي الحوض الخلفي للعربة . تتلامع اعلى رؤوسهم اربع سبطانات بنادق . تساءلت بمرح منتزع من براثن صمت خيم على المكان :
– ما هذا؟ هل نحن خارجون لحفلة جمر اخرى ؟
انهمرت اصواتهم مثل اطلاقات : -لانحسبك تتناسى اننا بصدد اقتناص طريدة !
ازدرت ريقي : – اقتناص طريدة ام …. ؟
بتر” الهونالي ” تساؤلي : – لم نشأ ازعاجك ..
اكمل بعيد لحظات وهويرتقي مقعد القيادة : – اركب .. ثمة تطورات في الطريق .. سنوضح لك كل شيء حال وصولنا لمركز التجمع ومن هناك نستأنف مطاردته ..
انبرى الفهري :- هو صاحبك على اية حال ..
– سامحك الله .. كان زميلي في الغرفة ..
ربت الهونالي على كتفي :
– لا بأس يا دكتور .. الرجال متوترون بعض الشيء !

بدأت المطاردة في الصباح . خمس ساعات ومحرك اللاندروفر لم ينقطع عن الثرثرة الاّ لدقائق كان الهونالي يتوقف فيها لرفع غطاء المحرك . يفك الغطاء عن فوهة الرادياتور ويسكب ماء اجاجا من زمزمية مغلفة بنسيج قنّبي خشن الملمس . ينزل احد المطاردين هارعا باتجاه ربوة او صخرة ليتبول او يتيمم برمل الكثبان ثم يؤدي ركعتين جاعلا من مهاد البرية وسائد لجبهة ملأى بالغضون .
لم تكن مهمة تمشيط الوادي هّنة على الاطلاق .: مساحات شاسعة من سهوب و تلال معشوشبة واخرى جرداء او مزروعة بالحصباء . ان الفاصل الوحيد بين الوادي والبحر المتوسط هو طريق السفر تليه مزارع الزيتون ومرابد الابل وكثبان الرمل التي تطل مباشرة على البحر حيث اوقف ابن البراري في زمن ما اندفاعته والقى بعصا الترحال ثم انكفأ متراجعا القهقرى وهو يكتم شعورا غامضا في انه يقف على حافة العالم وان اية خطوة قادمة تعني السقوط من حالق .
كنت جالسا في الوسط .كان ابوها جالسا جهة الباب الايمن وهو يقذف بالشتائم بين الفينة والفينة . تتكدس القمرة بحرائق سيجائره المتعاقبة . كان عمران الهونالي يقبض بزندين متخشبين على حافة المقود وينثر بدوره رماد سيجائره على وجهي وثيابي . كنت احاول ان اتفادى رماح الرمل اللاذعة وهي تتدفق من خلل الزجاج ومن فتحات الداشبورد . ارمق عبر زجاج المركبة جانبا من وجه واحد من ركاب الحوض الخلفي واحيانا عينيه وهما تكويان قفاي بجمر الرغبة بالقصاص , تتلامع فبهما نصال الارتياب .

سارت عملية التمشيط ببطء قياسا باندفاعة الصباح الاولى ؛ ومع ذلك فأن المطاردين حرصوا ان لا يدعوا بيتا من بيوت الوادي المتناثرة هنا وهناك ولا عش طائر على شجرة ولا بئرا مالحا او غير مالح ولا برجا من ابراج الحمام دون ان ينخسوا خلاياه المقامة على تعاريش آيلة للسقوط ؛ ولا صخرة دون ان تقـلّـب لينساب من تحتها عقرب او تفح منسلة افعى حتى بلغ مجموع العقارب المنهرسة تحت جزمات الرجال عشرين او اكثر حسب ما احصاه الهونالي اضافة لأربع افاع ؛ وفتّشـت حظائر الماشية تفتيشا دقيقا وادلى المطاردون برؤوسهم في رماد التنانير ووخزوا بالحراب قطعان الماعزوالاغنام خشية ان يكون “عثمان كومبو” مختبئا بجسده الاكحل وزنخ ابطيه ونزواته القاتلة تحت جلد خروف او ملتصقا كقرادة في شعيرات كلب سخي النباح . ثم قاموا الى مكعبات القش وامعنوا بطعنها بالفالات والمدي الطويلة ذات الرؤوس المدببة دون ان يعثروا على ما يدل عليه . تفاقمت الامور حين اوشكت اللاندروفر ان تصدم جملا عملاقا اعترض سبيلها في احد المنعطفات فكادت ان تنقلب. اضطر الهونالي من جراء انفجار الاطار للتوقف ازاء ثلمة في سياج مزرعته . الآن بامكاني ان اعيد الدماء لعروق ساقين متخشبتين واملأ رئتي من هواء ما اعذبه وافرغ مثانتي الممتلئة . لم يكن الرجال اقل شعورا بالارتياح اذ سرعان ما تدحرجوا ملقين اجسادا مخضخضة لأقرب فسحة مزروعة بالثيل حيث اعدوا وجبة طعام تألفت من لحم جمال ورز وشاي اخضر ومواعين من ” هريسة” الفلفل الحارقة . في البداية لم اشعر بأي ميل لتناول الطعام خاصة بعد ان شبع بدني تقافزا على طريق مفروشة بالحصباء مطرزة بالحفر ! بيد انني امتثلت لدعوة الهونالي المتكررة . عاودتني بقية من حيوية كنت في امس الحاجة اليها وانا اشارك المطاردين رحلة البحث عنا جميعا !

كان بني وبين الهونالي شكل من اشكال المودة . تعجبني فيه بساطته وصراحته . كان ذا اطلاع جيد _.لعله يعد من بين قلة من ابناء الوادي ممن افادوا من وجود مكتبة في البيت – كذلك من رحلاته الى الخارج . كان اطلاعه الواسع يثير غيرة الفهري وكنت الحظ ذلك من بريق عينيه . كان مديد القامة اصهب الوجه اكرت الشعر يذكرني على الدوام بمحارب روماني . قلت مازحا وانا اهشم كسرة من خبز الجمر :
– لاتستطيعون ان تكونوا الا كما انتم .. رعاة حتى النخاع !
– بالضبط .. نحن نسكن بيوتا من آجر .. صح .. ولكننا لسنا سوى رعاة .. خلقنا للترحال ليس الا.. بدواخلنا نفور فطري من المدينة وبغض اقل درجة للواحات . نحن اصلا نعشق الريح . ان أي ثبات لنا على ارض ما – ايما ارض – سيؤدي لإصابة ارواحنا بالتفسخ وها انت ترى بأم عينيك .. !
قلت مهونا عليه : – لا .. لا .. هذه حادثة استثنائية !
ابتسم بوداعة : – ليست لأنها الوحيدة التي وقعت بل لكونها الوحيدة التي طفت على سطح احداث رتيبة ..
– هل تعتقد بذلك ؟
– الجدب .. هو داؤنا ودوائنا . نحن في الحقيقة ابناء البراري لا ابناء المرتفعات .. الا اذا استثنينا سنامات الابل وكبرياء الرجال وصدور النساء واحلامهن ..
– انت لا تفكر بالطريقة التي يفكر فيها ابناء جلدتك ..
– قد تكون اسالببنا غير مألوفة للغريب بيد انه من السهل على أي وافد ان يلحظ وجوهنا الخالية من أي انطباع ..وجوهنا رسائل بلا عناوين .. خذ أي وجه من وجوهنا .. هشم قشرته الخارجية .. ستفاجأ بأنه لاينطوي على شيء سوى الخواء في الداخل ..
– خـواء الصـحـراء ؟
– تماما .. لقد امعنا تحديقا في السراب .. حلمنا بفراديس تجري من تحتها الانهار حتى شارفنا اقاليم اليأٍ س والقنوط .. اصبحنا في ريبة من كل ما تبصره العيون .. نحن ابناء السراب !
سألته مستفسرا : – عثمان كومبو هذا .. أتظن انه فعل ما فعل حقا ؟
– اسأله هو .. ألم تسكنا معا في غرفة واحدة ؟
– كانت الفترة من القصر بحيث لم يتح لي ان ..
قاطعني :
– كي اكون صادقا مع نفسي .. لا ارى شخصيا ان وراءها دوافع اخرى .. ولكن ماذا افعل عندما اجد نفسي امام تيار جارف ؟ انا مجرد سنام على جمل ..
غمغمت بصوت خفيض : – غير معقول .. انه اكل من زادكم وملحكم !
– يصح القول بنعم ويصح بلا .. نعم بمعنى ان أي واحد منا يمكن ان يكون عثمان كومبو حتى وان لم تكن هي بذلك الجمال الذي يدير الرؤوس . ان الرجال ليشتهون النساء في اية بقعة من بقاع الدنيا .. انما نحن في هذه البقعة – وربما في كل مكان – ننجرف تحت وطأة شعور حاد بالخطيئة فنعلق شهواتنا على مشاجب غيرنا . لست في معرض الدفاع عن احد . ثمة بدائل لإحتواء الازمة . دعوا الفحص الطبي يأخذ مجراه.. اتركوا الامر لذوي الامر . ان الناس ليندفعون مثل مركبات بلا فرامل .. يتسرعون باطلاق الاحكام قبل ان يدركوا انهم بتسرعهم ينسون فضيلة جوهرية اسمها التروي .. قد يدركون امرا كهذا في وقت متأخر .. في وقت ينقلبون فيه الى اطلاقات يستحيل ان ترتد الى فوهاتها !

استمرت المطاردة حتى الساعات الاخيرة من النهار دون ان يظفر مطاردو عثمان كومبو بقشة تدل علبه . اعادوني للبيت على ان يكون اليوم التالي بمثابة اجازة عن العمل لكن ليس عن عدم مواصلة اصطحابهم ..كما انهم سألوني عدم مغادرة الواحة تحسبا لأي طاريء. أويت الى غرفتي قاذفا للسرير بجسد كمتهالك . نضوت عن جسدي ثيابا عفّرت رملا وروثا ودخان مواقد . قلعت من بنطالي حفنة اقراص شوكية . ايقظني قرع المطر عند منتصف الليل .. ارهفت سمعي . ثمة حركة داخل البيت . تجمد الدم في عروقي : – من انت ؟
– انا عثمان كومبو .. لا تخف !
شهقت من هول المفاجأة : – يا الهي !
ضمني الى صدره .. اعرضت بوجهي عنه :
– انهم يبحثون عنك في كل مكان ..
– اعرف ..
– كيف دخلت ؟
– لا يهم ..
انكب على يدي يقبلها :
– اسألك ان تؤويني لما تبقى من الليل والصباح رباح .. ارجوك .. هل تفعل ؟
امسى وجوده في البيت امرا واقعا :
– شريطة ان ترحل قبل مقدم الصباح ..
طلبت منه ان يخرج جوربيه وحذاءه فامتثل . نضا عنه قميصا موحلا . شد اليه وعاء التسخين . افرغ ماء من الخزان ودلف للحمام . عاد للغرفة بجسد متقاطر تفوح منه رائحة صابون . جفف بدنه بقميصه . انصرفت عنه منشغلا بترتيب سريري . انبرى قائلا وهو يتثائب :
– مستاء انت مني .. اليس كذلك ؟
– الى حد الانفجار .. اوضاع عديدة لا تسر الخاطر وفي مقدمتها وضعك انت !

لم ار امتقاعا بمثل ما ران على وجهه من امتقاع. كان متكدسا بطلاء زعفراني ضارب للخضرة. اما عوده فقد هزل الى الحد اذي كفّ فيه عن ان يكون رمحا , كما اعتاد ان يكون, ومال الى ان يمسي عصاعجفاء مقتطعة من شجرة ميتة ..تذكرت هيأته قبيل شهور يوم اتى به عوام الفهري نفسه للسكنى معي في هذه الغرفة بالذات قبل ان يلتحق بالعمل في مزارع الزيتون. كان انيقا بلا هوادة .. بعد نهاية كل دوام يغتسل ويرتدي من البذلات اكثرها اناقة ويضمخ ثيابه بالمسك . كان وجهه اكثر روعة وعيناه احفل بالحبور وكان حريصا على حلاقة شعر رأسه بأحدث القصات . لم تكن عيناه تخفيان , في ومضة , مرحا طفوليا ممزوجا بمكر . لايعرف احد عن اصله .بيد انه كثيرا ما ردد بتهكم خفي بأنه ترعرع بالقرب من بحيرة فكتوريا حيث ينابيع النيل وقذف به طفلا بصندوق محكم الاغلاق ليأخذه الموج الىقلب الدلتا بمصر. غير ان بائعا سودانيا لأشرطة الكاسيت كذّبه موضحا ” .. ليتق الله هذا الماكر .. انما هو من غربي السودان .. هذا مؤكد ! ” يقول آخرون معترضين ” .. بل هو من اعالي النيجر .. من اسرة نزحت للعاصمة نيامي عاش متسكعا بعد ان طرده ا بوه من البيت . عمل بطلاء الجدران . جمع اثر ذلك مبلغا من المال اتاح له ركنا لا يتعدى مساحة راحة اليد على ظهر شاحنة كانت تضم في حوضها الخلفي حشودا من الباحثين عن العمل في الشمال الأفريقي ممن سينتهي بهم المطاف الى بيع اشرطة الكاسيت وتخصيف النعال على ارصفة واحدة من مدن الشمال الافريقي الساحلية او ان يصبحوا سعاة في مقاهيها ؛ سماسرة او مهربين عند الحدود . كانت الشاحنة تضم حفنة من نساء مكركبات تنبعث من صررهن روائح الكافور النيجيري والجيلاتين والواح تخضيب الشفاه واعواد المسك ومناديل مطرزة بكتابات غامضة وقواقع واصدافا للبيع او للكشف عما تخفيه الايام . كان لا يهدأ لكومبو بال فما ان تستقيم له الامور في حرفة ما حتى ينصرف عنها الى حرفة اخرى. كان كثير الميل للشجار غير انه كان في الوقت نفسه ينام ليله كما ينام طفل قريرالبال. كان عثمان كومبو سودانيا بطريقة تشعرك بأنه يحمل جانبا من خصال السودانيين , وداعتهم , اسلوبهم في التهكم على مجريات الامور. وكان تشاديا وواحدا من ابناء النيجر وموريتانيا, بيد انه في الغالب ؛ لم يتح لنفسه ان يكون ايا من هؤلاء او اولئك اذ كان خلاصتهم جميعا . كان ذا مقدرة هائلة على تحمل اطنان من الالم ,تلك هي خصلته رقم واحد وهي الخصلة التي تسم ابناء افريقيا قاطبة . كان افريقيا قبل ان يكون سودانيا او تشاديا او ليبيا , الا ان حياة كتلك لم تعش دون ان يدفع عثمان عنها ثمنا باهظا فقد اضاع عثمان كومبو محليته وفقد مع الصعلكة انتماءه الى أي تراب .. احمر كان او رصاصيا وصار يمضي الى حيث تمضي الرياح !

ادرت كنفه نحوي : – إياك واللامبالاة .. انت متهم بإغواء فتاة قاصـر !
– من يقول ؟ هم يقولون . هم لا يصدقون بأحد .. انت ايضا لا تصدق !
– عرفتك ذكيا لاتخلف وراءك اية آثار ..
رماني بنظرة عتب :
– حتى انت يا دكتور!
قفز كمن لدغته انثى عقرب .. إستطرد :
– هذا افتراء .. غير ممكن .. انت تعرف أميرة جيدا ! قل لي بالله عليك .. ألم تصلك منها رسالة ؟!
ادر ت وجهي باتجاه الجدار :
– اسمع .. لنكن صرحاء مع انفسنا .. ان لها من الانوثة ما يكفي لأن تلوي اعناق مائة رجل .. انت شاب وفيك تفجر وهو ماتعّده بعض الصبايا شكلا من اشكال الجاذبية .. ولكنها قاصر .. وانت غريب .. أتفهم ما ارمي اليه من قولي بأنك غريب في عرفهم ؟ انها تعني احيانا رجلا من العشيرة نفسها لكن من فخذ آخر ..
– اقولها صريحة بلا مواربة .. اقولها لرجال الواحة ..من من الرجال لم يعشق اميرة فليرمني بحجر !
-الحقيقة .. اريد الحقيقة الناصعة من عظمة لسانك !
– أهو تحقيق ؟
– بل هو مراجعة قاسية للذات !
– انت تريد الحقيقة .. هم يبحثون عنها .. ان الحقيقة التي لا يرغب احد في الاستماع اليها هي مسألة خلافي مع الفهري حول الاجحاف الذي الحقه بي أجورا وساعات عمل .. هذا الكائن الجلف الغريب الاطوار الذي لا يملك ذرة من بساطة اهله وابناء عشيرته ! صدر الفهري محارة .. خذ سكينا ولتشق بها تلك المحارة ..ستجد لؤلؤة اسمها الحقيقة .. ومع ذلك لن تصل اليها بيسر .. يتعين عليك ان تحك وتكشط وتحفر فهي مخبوءة تحت طبقة من اقذار.. نعم ..اعلم جيدا انه هو الذي تنكب بندقيته وانه في طليعة المشاركين بحملة مطاردتي ..انه رجل مهزوم لحد العظم .. حتى النخاع !
– المهم ان الفأس قد وقعت في الرأس.. نم الآن واستيقظ مبكرا ولتتدبر لنفسك خروجا آمنا لحين ظهور الحقيقة..
سرعان ما استسلم لسلطان اغفاءة تخلله شخير . هرعت الى درج خزانتي وأخرجت من مظروف باهت اللون ورقة وشرعت اقرأ:
..يا طبيب القلوب .. هل اعجبتك وجبة خبز الجمر التي ارسلتها اليك؟ ليتك تفرجت على الرجال وهم يحمّصون الرغيف بدفنه في اعماق رمل تحت وهج الصندل والعوسج والخيزران .. بضربتين او بثلاث ينكتون ما يعلق في حافاته من رمل وساخنا يلتهمونه . ألسنا نحن النساء – محظياتهم – ارغفة جمر.؟ ! . كالخبز جيء بنا لكي نعجن ونكور ونحمص وندفن ونحمص من جديد ؟ قدرنا ان نكون مشاريع للاشتهاء .. وقليلات منا من يجازفن بالخروج على القبيلة ..هو قدرنا .. وعلى هذا المنوال تسير الحياة في الوادي بطيئة مضجرة .. حتى آخر العمر …
الى اللقاء مع ارغفة جمر اخرى … !
قمت بإحراق الورقة هارسا رمادها المنقوع الى قلب المطفأة .. واستغرقت في نوم عميق !

سطعت شمس صباحية لاسعة على جدران غرفتي وعثمان كومبو ما زال يغط بنوم عميق . داهمني غضب ساحق . خضضته بعنف :
– استيقظ يا كومبو وانظر الى حصاد مبيتك عندي .
فتح عينين حمراوين . هرع للنافذة . اطل من اضيق خرم :
– ياالهي .. ! هلكت في يومك يا عثمان ..ليتك ايقظتني عند الفجر ..
– وهل انا ملاك نومك الوديع .. ؟!
– اعذرني .. سببت لك الكثير من الاذى .. لم اكن اقصد أن ..
تابعت حديثي مجففا وجهي قاذفا بالمنشفة للسرير :
– اسمع .. خروجك الساعة شبه مستحيل وفيه خطر علينا معا .. لماذا اقحمتني في دوامة مشاكلك ؟
– والحل ؟
– ان لا تبارح هذا المكان حتى مقدم الليل ..
ارتديت ثيابي على عجل . نتشت ساعة فحص المرضى وجهاز الضغط وعبرت الشارع للمستوصف . انهمكت بفحص المرضى .. تعمدت عدم تناول الغداء في البيت . عدت في الغروب .. ادرت اكرة الباب .. وجدته وقد حرص على ارتداء بذلة من الصنف الذي اعتاد ابناء الواحات ارتداءه فقد تلثم بكوفية وزيادة على ذلك تمنطق بمسدس . لمحت في عينيه حزنا دفينا . اهوى بهيكله على يدي :
– هلا غفرت لي ..
رددت باقتضاب :
– ليغفر الله لنا جميعا !
ثم قلت مضيفا :
– سأتأكد من خلو الطريق ..
تجولت ساعة حول البيت . كانت السماء مزدانة بملايين المصابيح .. مصابيح زرق كبيرة الحجم شديدة التوهج وكأني بها مدلاة من سقف تطاله يدا صبي . شقشقت انوار مصابيح واحة ” الطروس” المجاورة وتمايلت اوراق الاشجار كأشباح في حفلة وداع . اقفلت الباب عائدا للداخل :
– بامكانك الرحيل الآن ..
لفّ كوفيته باحكام وغادر المكان في صمت . دوت اطلاقة .. تلاها سيل من الاطلاقات ةن اتجاهين . ارتد عثمان على عقبيه الى داخل الغرفة وهو يلهث . طرق اسماعنا نداء منبعث من مكبرة صوت : – يا عثمان يا كومبو .. نعلم تماما بأنك في بيت الدكتور .. ننصحك بأن تسلم نفسك !
بخفة افعوانية زحف صوب الشباك. اطلق النار من جديد . انهمر سيل من الرصاص . لذت بركن الردهة. انتهى الامر باسرع مايتوقعه المرء اذ سرعان ما نفدت ذخيرته . طلع عليهم رافعا يديه لللاعلى . عبثا كنت ابحث عن سترتي . قرع باب الخروج . اطل وجه الهونالي :
– هل انت بخير؟
اجبت بعد تردد :
:- يبدو انني كذلك !
خرجنا معا ..
اخفقت في تصور الكيفية التي اجتمع بها حشد المطاردين وبمثل هذه السرعة القياسية . اختلطت في عتمة الخارج اصوات حاملي الفوانيس بجلبة اصحاب السيارات وقد ادلقوا مصابيح انوار سياراتهم المبهرة على عثمان كومبو الملتصق بجدار البيت وهو يتلوى مذعورا مثل دودة . تعالت جلبة المحاصرين وارتفع جدالهم . كان بعضهم ينحني . يلقط حجرا ويرجم به عثمان . اما الآخرون فقد بدوا اكثر جرأة وأوغر صدرا . كانوا يدنون منه باصقين على وجهه ثاقبين قناعا من الاعتداد حاول عبثا ان يتمترس به وهم يهتفون : – الموت للفاسق !
دفع بهم الهونالي جانبا . اطلق صرخة مدوية .ران صمت ثقيل على المكان . هتف :
– تعقلوا .. دعوا الامر لمحاكمة عادلة , ولكم ان تفعلوا به ما شئتم ان ثبت جرمه .. !

رويدا رويدا تفرقت الجموع احتراما لسن الهونالي ومكانته في القبيلة . من وسط الغمام- في اقصى الافق – طلع قمر شاحب . تقدم احد الرجال , شد ذراعي كومبو الى ما وراء ظهره واحكم الوثاق عليهما ومن ثم قذف به , كما يقذف بعجل يعد للذبح الى حوض اللاندروفر . كان ذلك الرجل عوام الفهري دون غيره .
تضاربت الاقاويل حول مصير عثمان كومبو . ثمة من قال انه نال حكما بالبراءة حيث ثبت بالفحص الطبي كون الفتاةا عذراء . وقيل ان الفهري تدخل شخصيا وذكر انه لمح الاثنين – ذات يوم – في وضعية غير لائقة وبهذا تركت شهادته اثرا سلبيا على حجم العقوبة التي صدرت بحق كومبو , والتي كانت مقتصرة على ابعاده عن الواحة . وقيل ايضا ان الفهري غافل الجميع وقاد جماعة من الموتورين الى حيث كان عثمان محتجزا . اقتادوه الى مزرعة زيتون نائية .علقوه من قدميه بالمقلوب .. ويشفرة حلاقة عمدوا الى تشطيب عضوه التناسلي ومن ثم سقوا جروحه من ماء ملح اجاج وكومبو يصرخ ولا من مغيث !

لحين من الزمن اثارت سادية الفهري صدمة وإستياء لدى ابناء الواحة ممن جبلوا على معالجة الامور بدون تعقيدات .. رغم انهم جميعا كانوا مسرورين بالخلاص من جسم غريب من الواحة .
بين الفينة والفينة قد يعن لأحدهم ان يذكّر الفهري باسلوب معاقبته لعثمان كومبو :
– ان كان ماقيل صحيحا .. ألم تكن قاسيا اكثر ما يجب يا عوام ؟! لقد قام المسكين على خدمتنا لسنوات واكل من زادنا وملحنا !
يهز الفهري رأسه مرددا بتهكم خفي :
– لا مناص .. ما بدأ بالملح لا بد وأن ينتهي بالملح !
—————————————————
هوامش :
( 1) ينظر: الاستهلال ، فن البدايات في النص الأدبي : (14 )
•كذا وردت ، والصواب : ( بدء) .
( 2) نفسه : 15 )
(3 ) ينظر: نفسه : 61 وما بعدها . )
( 4)الآن أو بعد سنين : (5 )
( 5) نفسه :( 75 )
( 6) نفسه : (150 )
( 7) نفسه : (13)
( 8) نفسه :( 37 )
( 9) محاضرات في علم النفس : (95 )
( 10 )النقد الأدبي الحديث :) 562 )
( 11 )البناء الفني لرواية الحرب في العراق : ( 18 )
( 12 )بناء الرواية , دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ :( 82 )
(13 ) ينظر: فن كتابة القصة : (71 وما بعدها )
( 14 )الآن أو بعد سنين : (153 )
( 15 ) نفسه : (159 )
( 16 ) نفسه : (43 )
( 17 ) نفسه : (48)
( 18 ) نفسه (55 )
( 19 ) نفسه : (35 )
( 20 ) نفسه : (53 )
( 21 ) إشكالية المكان في النص الأدبي : (51 )
( 22 ) الاستهلال , فن البدايات في النص الأدبي : (181 )
(156 – 23 ) الآن أو بعد سنين :( 155 )
( 24 ) نفسه : (9 )
( 25 ) نفسه : (122 )
( 26 ) نفسه : (119 )
(27 ) نفسه : (163 )
ملاحظات اضافية
* أعدّ الدراسة الباحث أ . الدكتور سلام حديد رسن التدريسي بكلية الاداب بجامعة البصرة
** نشرت الدراسة في مجلة دراسات البصرة السنة العاشرة العدد 19 لعام 2015
*** استند الباحث على مجموعة الكاتب محمد سهيل احمد الموسومة ( الآن أو بعد سنين ) ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، ط1 2005
**** محمد سهيل أحمد الجاسم : قاص عراقي ، من مواليد محافظة البصرة 1947 م، خريج كلية التربية ، قسم اللغة الإنجليزية ، جامعة البصرة ، مارس مهنة التدريس لثلاثة عقود وفي أكثرمن دولة عربية ، منها: العراق، الكويت ،الأردن ،ليبيا والعراق ثانية . بدأت رحلته مع كتابة القصة القصيرة اثر الفوز بإحدى جوائز ملحق جريدة (الجمهورية) الأدبي، حزيران 1966 ،عن قصة (شوك لا يخرق). له ثلاث مجموعات قصصية منشورة، الأولى:(العين والشباك) ،الكويت ، 1985 ،والثانية:(الآن أو بعد سنين)، بغداد 2005 م ، والثالثة:(اتبع النهر) التي صدرت عن اتحاد ادباء البصرة في طبعتها الاولى وعن وزارة الثقافة والاعلام في طبعتها الثانية 2013 بمناسبة اختيار بغداد عاصمة للثقافة العربية ، كما صدرت له رواية بعنوان (ثقوب في الشاشة ) ، البصرة 2010 م . عمل في الصحافة العراقية والعربية محررا ،ناقدا ومترجما (ترجم احدى روايات الشاعر الروسي يفتوشينكو ) .أشاد النقاد بأسلوبه القصصي، ومنهم الناقد ياسين النصير، جميل الشبيبي ، حاتم العقيلي ، كامل فرعون عيادة وآخرون .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صباح الأنباري : أسوأ قصة في العالم.. حيرة متراكمة.

هذا الخؤون.. ماكر جدا.. يعرف متى يضعك على حافة الرحيل.. لم يقلقني الأمر كثيرا.. بل …

| طالب عمران المعموري : تقانات الميتا سرد في ” عناقيد الجمر” للقاص غانم عمران المعموري .

لقد تجاوزت القصة القصيرة جدا في آلية الكتابة وتقاناتها  مرحلة العفوية والتلقائية، وكاتب القصة القصيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *