الرئيسية » فكر » جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص) (17) شمس بن المقفع

جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص) (17) شمس بن المقفع

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيم وأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

(17)
شمس بن المقفع
وانت تستظلّ بنخلةٍ ما ، وإن كانت وحيدة، خذ إرادتك معك لتعي ما ستأخذك إليه من شرائط تأريخ ملونة أو إشارات، إستشفّتك مولعا بها وقرأتك!
لنقصّ إذن آثار طيف يقودنا الى سيرة ولا أمثلَ لمثقف بصري يعدّ القاص الاول، وعيا وإلتزاما بأخلاق الثقافة وإنسانية المبدع وإنتمائه لآلام الناس وهمومهم ،مما يصح لنا نعته بالمثقف العضوي ( وفقا لغرامشي) أو التقدمي أو بالمثقف المصلح ، والذي سجل بسردياته تضادا مع سيل من القصاصين الوعاظ والمتكسبين الذين ملأوا ميدان القص قبله بعريهم وتفاهاتهم.
ولظلِ النخلة وكما لو كان مخيالا أن يريك دخول رجال الأمن العباسي عليهما ، هو وأستاذه عبد الحميد الكاتب، وقد كانوا يطلبون الأخير، فقام كلاهما يقول أنا عبد الحميد، قالها التلميذ (إبن المقفع) ليفتدي أستاذه وقالها الأستاذ لينقذ تلميذه، فرسما لمن يرى منا، أسمى العلائق الثقافية بين مُبدعَين، فلا تباغض ولا تحاسد ولا أوديب ولا ساليري!
ولك بعدها أن تقتدي به، بابن المقفع وهو يكتب رسالة الصحابة الجريئة متناولا بها حاشية السلاطين ووعاظهم وواصفا أحوالهم وتحولاتهم وبؤس نهاياتهم وما هم مصابين به من وهم ورزمة أمراض وأوهام .
ولعل تلك الرسالة – رسالة الصحابة – التي لم ترتد قناعا قط ، كانت سببا مُهماً لما تعرض له إبن المقفع من إضطهاد وبشاعة في القتل فقد قطّعت أطرافه وأحرق حيا بالتهمة الجاهزة حينها( الزندقة).
ويرى المستظلّ من حر الحاضر بسعف النخلة إن ميتته المرعبة تلك كانت سببا ولا شك لتوقف الكتابة بأحد أجناس السرد العربي تلك القرون ، أي الشكل القصصي المبتكر في (كليلة ودمنة). فمن يجرؤ على تكرار التعرض لمشواة المنصور العباسي وساديته، ومن خلفائه من إستل لسان شاعر وبتر إصبع خطاط!
هذا سبب الاعراض عن الكتابة بهذا النوع القصصي من بعد أبن المقفع وليس السبب إن هذا النوع القصصي دخيل على العرب كما قال المستشرقون متذرعين بهندية كليلة ودمنة أو فارسيتها، ومستندين الى ما ذكره أبن المقفع في مقدمته ..
نسب حكاياته الى أخرين لاوجود لهم ،قناع تخفى بن المقفع وراءه ،فالتعامل مع سلطة تقيم الولائم على دماء الجثث ( السفاح العباسي) وتقود أولاد العم العلويين من الحجاز الى العراق حفاة مقيدة رقابهم الى جذوع النخل ، لأمر يدعو أي أديب للتقنع والمراوغة تهربا من بطشها ،لذا رمى صاحبنا القاص البصري الأبدع بجريرة ما في كليلة ودمنة من صور كاريكتيرية للسلطة على مؤلفين مختلقين في مكان وزمان بعيدين، وهذا ما يفعله المبدعون الى الأن وما عهد الكتابة بالأسماء المستعارة ببعيد.
وهو عين ما فعله مونتسكيو الباريسي حين نشر كتابه (رسائل فارسية) لينتقد ملك فرنسا وحاشيته، ولم يقل احد ان الرسائل كانت لرجلين من فارس كما ذكر مونتسكيو، وذات الامر قام به سرفانتس القشتالي حين نسب حكاياته الى عربي سماه (سيدي حامد العربي) تهربا من بطش محاكم التفتيش الاسبانية، فصدقناه ولم نسمع يوما من يقول إن دون كيشوت مؤلفها حامد العربي وليس سرفانتس!
فلمَ يا ترى نضيف قتلا آخر؟ أشد إيلاما لمبدعنا العراقي عبدالله بن المقفع، حين نسلبه حكاياته الكبرى تلك، أم الحكايات، بل أم الف ليلة وليلة وابوها وجدها ! وننسبها بعمى لفرس أو هنود.
وكم مبدع منا نقتله هكذا؟
ولماذا (باء) مونتسكيو وسرفانتس (وأقاربهما) تجر الكرة الارضية كلها ،وإبن المقفع العراقي لا باء له ولا حتى نقطة!؟
وإلى متى نبقى أسارى الإنجذاب الى الشمس غروبا على أرض الآخر ونتعامى أو نعشو عن شمسنا؟
ولم لا نمد أبصارنا ولو قليلا الى مشرق الشمس ، حيث ثقافة الآخر الآسيوي..أو الاسمر؟
لم هذا الأسر الثقيل تحت قيود العقل الغربي الأستشراقي؟
ظل نخلاتنا لو قرأناه بقلوبنا قبل عقولنا المشوشة لقادنا الى روحنا الحضارية التي ما أن نستحضرها ونتشعشع بها حتى نرى الآخر جميلا – أي آخر- لاكما نراه الان سيّدا وسوطا جالدا لثقافتنا ومقولبا لإبداعاتنا، ولرأينا كل جمال العالم من إبن المقفع الى لاوتسي وهوميروس وجومسكي، وفي كل أوقات الشمس ، كلها حتى في الليل ،وليس عند غروبها فقط!
– لا أسمع/ لا أرى/ لا أتكلم..

=====

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *