مهدي شاكر العبيدي: رصيف الكتب … رصيف المبدعين.. محمد الفلفلي نجم سوق السراي غير المعروف أشاع جو الحبور

للأديب الموسوعي العراقي المرحوم عبد الحميد العلوجي قولة مأثورة تتناقلها الأفواه كلّ مرَّة يستطار فيها الحديث عن الثقافة والحياة الأدبية في العراق ، والجنود المجهولينَ من المساهمينَ في تنشيطها وذوي الأثر البين والملحوظ في انتعاشها وتيسير السُّبل والوسائل أمام الباحثينَ والكـُتـَّاب بتعريفهم على المراجع والمظان والمصادر النادرة ودوائر المعارف المنسية وتهيئتها لهم ووضعها بين أيديهم ليستوثقوا من صحَّة الحقائق والمعلومات والأخبار والنتائج والمحصلات التي يقفون عندها ، ويستكملون بها مباحثهم ودراساتهم ، فيستدلُّ على الأعلام أو الكتبيينَ الثلاثة الرَّاحلين وهم :- قاسم الرِّجب صاحب مكتبة المثنى في شارع المتنبي ، وأحمد كاظمية وهو رجلٌ أدركته شيخا ً يقتعد في سوق السَّراي دكانا ً صغيرا ً مشحونا ً بصنوف الكتب المستهلكة والعتيقة ومنها الكثير المنزوع الغلاف وهي متكدسة من حوله في حالة فوضوية وبلا ترتيبٍ وحسبه منها أنْ ينتصبَ وسطها وهو يستعدُّ للرَّحيل بعد قطعه شطرا ً من حياته في هذا السُّوق ويفتخر بأنَّ الزَّهاوي شاعر البلد وفيلسوفه أو مدعي الفلسفة من زبائنه ! ، وثالث الثلاثة أصحاب الفضل والدَّالة الكريمة على أي أديبٍ عراقي ، هو حسين الفلفلي صاحب المكتبة الكائنة قرب نهاية سوق السَّراي وعلى يمين الدَّاخل إليه من شارع المأمون ، وقوامها دكان تزينه أرففٌ حاوية لمتنوع الدَّوريات والمصنفات التي تنتزع منها عند الحاجة وتعرض    لطالبيها ، ووسطه فسحة متواضعة يستقبل فيها ضيوفه المترددينَ عليه من الأدباء المعروفينَ بين آن ٍ وآخر أمثال :- الدكتور إبراهيم السَّامرائي ، والدكتور علي الزُّبيدي ، والأستاذين الفاضلين ِ ضياء شكارة ، وعبد الحميد الرشودي ، والأخير صدر له كتاب قبل قرابة ستين سنة بعنوان ( ذكرى الرصافي ) يحتوي على الكتابات والمقالات والقصائد مما جادَتْ به أقلام رعيل من أصفياء الشَّاعر الخالد بمناسبة نعيه ومفارقته هذا العالم المنحوس ، وغدا اليوم في عداد النوادر والمفقودات لأنـَّه من أمَّهات مراجع دراسة شعر الرُّصافي ونظراته في الفلسفة العلائية وانطباعاته الجريئة واستقراءاته الموضوعية في شرع ناس أو المجترئة في ملـَّةِ آخرين على الشَّخصية المحمدية ، علما ً انـَّه من منشورات مكتبة حسين الفلفلي إبَّان ذلك التاريخ البعيد وعلى قدِّ الحال وما تواتتْ الإمكانيات ، فلم يتوفرْ لصاحب المكتبة من اليسر رغم تدنـِّي الأسعار يوم ذاك وتلاؤمها هي وظروف المعيشة على شاكلةٍ تضاهي    ما توافر منها لصاحب دار العلم للملايين في بدء ظهورها وذيوع صيتها في الأوساط الثقافية ، حتى يباريها ويحذو حذوها في مجال النشر وتيسير صناعة الكتاب ، وأمام الدُّكان ذاك تطالع عيون المارَّة ، وجلهم من المشغوفينَ بتصفح الكتب          وعشَّاقِها ، ما نسميه اليوم بلهجتنا الدَّارجة ( بسطيَّة ) فوقها كتبٌ محتفظة بجدَّتِها وأناقتها بعض الشَّيء مما سبق أنْ تداولته الأيدي وقرئ من لدن بعض المختصينَ وجنوا منه أجزل الفوائد ، ووجدوا أنَّ يغنوا عنه ويتيحوا الفرصة لغيرهم أنْ يفيدَ منه ويرفدوا خزانتهم بنفائس غيره وبنفس الأثمان التي يتقاضونها مقابله ، ومن هذه العينة عرض عليَّ المرحوم حسين الفلفلي ذخائر ، أمثال :- ( بلاغة العرب في الأندلس ) للدَّارس المصري المنسي الدكتور أحمد ضيف ويعدُّ الأوَّل في بابه ومنحاه والغرض من تأليفه وتصنيفه قبل أنْ تشهدَ السَّاحة الأدبية غيره من المعنيين بتراث العرب في الأندلس ، و ( الفكر العربي الحديث / أثر الثورة الفرنسية في توجيهه السِّياسي والاجتماعي ) للكاتب اللبناني رئيف خوري بطبعته الثانية وقد طالعْتُ الأولى قبل سنين بطريقة الاستعارة وكانَ سوغي لمضمونها مرهونا ً باقـتبال العمر وبداية اتصالي بالحياة الأدبية وحداثة عهدي بالكتب ، وأخيرا ً محاضرات الدكتور زكي مبارك بكلية الحقوق العراقية عن ( عبقرية الشَّريف الرَّضي ) ، ولا تظنَّ أنَّ الشَّيخ الفلفلي مجرَّد بائع لهذه المؤلفات والتصانيف وغير عارف بمحتوياتها ومحيط بحصيلة مناسبة منها حتى يستوفي منـِّي بدلها مبلغا ً ضئيلا ً من المال كلـَّما وفدْتُ وأقبلتُ عليه من خارج بغداد ، فهو يصارحك بتقييماته المتباينة لشتـَّى الآثار والأدبيات صارفا ً النظر عن مؤلفيها ومبوبيها ، ومتحاشيا ً المساس بهم    وتجريحهم ، إنَّ هذا سخيف وهذا حقه أنْ يُعدَّ من الكنوز ! .

       ذاك هو عهدي بالفلفلي ومكتبته إلى أنْ استدام إلمامي بسوق السَّراي وعرفاني بجوِّه وحركته منذ أخريات عام 1980م ، غبَّ انتقالي إلى بغداد وإيثاري السُّكنى فيها نزولا ً على بعض الضَّرورات والدَّواعي ، فوجدْتُ هذه المرَّة شابا ً دمثا ً وجمَّ اللـَّطافةِ يدير المكتبة بدلا ً من والده المتوفى إلى رحمة الله ، وإنَّ اسمه محمد وهو محلـَّأ ومصروفٌ عن ملاك الشُّرطة العراقية ومحالٌ على التقاعد ، وقد باينته سحنته الصَّارمة واربداد ملامحه وخشونة طبعه كما هو المتوارث في أخلادنا من جيل لجيل من هذا الانطباع الممقوت عن كلِّ مَنْ يخدم في الشُّرطة دون أنْ نستثني أحدا ً منهم بلْ نشتط فنعممه على الجميع من تكلـُّفهم الرَّزانة وتصنـُّعهم الوقار وتعريض أنفسهم لما لا مزيد عليه من العبوس والتقطيبِ فيصيروا إلى مسافةٍ بينهم وبين مواطنيهم مما أتى على تصويره وإحسان وصفه الشَّاعر عبد الحسين الأزري :-

إنْ تسلْ منه فالجوابُ اقتضابٌ           أو تــسلـِّمْ فـَـرُّده إيْـمـــــــاءُ

********
 
      لا فمحمد الفلفلي أشاعَ منذ تدشينه السُّوق جوا ً من المرح والصَّفو والحبور وحبِّ الحياة شمل به نفوس مجاوريه من أصحاب الدَّكاكين المختصة ببيع القرطاسية وتوابعها من الأقلام والمحابر واللوازم المدرسية الأخرى ، فقد زحفتْ هذه التجارة المضمونة الرِّبح على مكتبات السُّوق التي انحصرَتْ في القسم الثاني منه من جهة شارع المتنبي ، وذات يوم عثرْتُ في ( بسطيَّتهِ ) بكتبٍ متغايرة في وجهتها ومنحاها فمن منشورات دار التقدُّم الرُّوسية وإصدارات مؤسسة فرانكلين الأمريكية وأدبيات وجودية ومطبوعات في الأديان والمذاهب ، وأخرى تقدح من خلال طروحاتها وتزري بمضمون بعضها ، وسألته عن بواعث هذا التنوع في المعروض وموجباته فردَّ عليَّ ساخرا ً إنـَّها التعددية ! ، وغير خافٍ ما صار يتردد على ألسنة المسؤولينَ من هذا اللفظ وما لهج به غير واحد بعد ذلك عن الرَّأي والرَّأي الآخر دلالة إيفائنا على الكفاح بعقلانية ومهاودة في وقتٍ متأخر وبعد انهدام جدار برلين وكلـَّما طال أمد الحصار المفروض على كواهلنا واشتدَّتْ وطأته على أساس أنـَّا سنعدو هذا الطور من تفكيرنا ونظرتنا لطبيعة الأشياء ، ونفارق ما أقمنا عليه طويلا ًوركنـَّا لسطوته ردحا ًمن الزَّمن غير قصير من تعنـُّتٍ وتزمُّتٍ لا حاجةَََ لوسمهما بالشَّانئين ِ والبغيضين ِ كي لا يُخيَّل لأحدٍ أنَّ من التعنـُّتِ ما هو مباح ومن التزمُّتِ ما هو جدير بالحب .

       ومررْنا بعدها بظروف عصيبة في معيشتنا وعلائقنا وارتباطاتنا بالقريب والبعيد وتوالتْ علينا هزاهز وقلاقل وشدائد أوجبت على حكامنا كي يبدوا متماسكينَ ثابتينَ لا تلوي بهم الأحداث والصروف ولا تزعزعهم الكوارث والخطوب ، فجنحوا لاستدعاء جمهرة من المتقاعدينَ في جهاز الشُّرطة والجيش واستنفارهم لمقاتلة       ( البيش مركة ) وقدْ انتقضوا بقضِّهم وقضيضِهم على السُّلطات ، وشمل ذلك معاون الشُّرطة السَّابق محمد الفلفلي الذي انصاع للخدمة مجددا ًعهده بالرُّتبة العسكرية المضفية على حامليها من المهابة في النفوس في الظاهر ما يختلف عمَّا كان عليه من انخراط في عداد الأغمار ، لكن في ظروف غامضة وملابسات شائكة جيءَ بجثمانه من   الشَّمال ، وأسلِمَ لذويه فلم يملكوا غير أنْ يحوقلوا ويتعوَّذوا من أنْ ينزلَ بهم    ما هو أجسم وأفدح من الرَّزيئآت والمصائب .

       ولا تسلْ عمَّا امتلأ به سوق السَّراي منَ الهمود والسُّكون وخفوت الضجَّة بعد غياب الفتى الممراح وفرَّاج الكروب ، فقد أقفر من الأنس والبهجةِ مما انتوى إدخاله إلى النفوس والقلوب ، وإنـَّها لميتة محزونة جاء بها القدر من غير احتساب وتوقع حين جمد العقل وشُغل عن التفكير بالعواقب .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.