بمناسبة الذكرى 99 لثورة العسرين الخالدة .. الثورة العراقية الكبرى (ملف/4)

عوامل الثورة :

العوامل النفسية
مع أنّ علاقات واسعة وطويلة، نشأت بين مجموعات من البريطانيين العاملين في الشركات التجارية، أو في التنقيبات عن الآثار، أو في القنصليات البريطانية ذات النفوذ الواسع والعلاقات المتينة مع العراقيين داخل العراق؛ فإن البريطانيين لم يدركوا تماماً طبيعة المجتمع العراقي العشائري، البدوي منه أو الريفي. ولم يفهموا أهمية وضرورة احترام كرامة الإنسان والعشيرة، والابتعاد عن توجيه الإهانات شتماً أو ضرباً أو تمادياً باللفظ الجارح، وتجنب الاعتقالات دون مبررات ومسوغات توجبه .إضافة إلى الأساليب المرهقة في جباية الضرائب والإتاوات وما شاكلها. كما أنهم عمدوا إلى تغيير أساليب التعامل مع العراقيين، خلافاً لأساليب تعامل الدولة العثمانية مع العراقيين. سواء من حيث فرض الانضباط والالتزام بالنظام، أم من حيث مضمون المساواة في المجتمع، التي سماها الدكتور على الوردي “عدالة مكروهة” ؛ أي عدالة تنفيذ الالتزام بالنظام من جانب شيوخ العشائر أو أفرادها.

وكان أحد العوامل البارزة في كراهية الناس للحكم العثماني، يكمن في التعامل غير الإنساني، وفي الإساءات المتكررة من جانب السلطات العثمانية وأجهزة الجندرمة للعراقيين وهم في بلادهم. ومنها حملات الجندرمة العسكرية والإهانات والضرب وما إلى ذلك. والمعلومات المتوفرة عن الأساليب التي استخدمها الحكام السياسيون، والعسكريون البريطانيون، في المناطق التي كانت تحت إشرافهم على العراقيين كثيرة – ابتُدئ باستخدامها بمجيء نائب الحاكم الملكي العام (أرنولد ولسن) وانتهت بنهاية آخر ممثل لبريطانيا، امتلك سطوة الحكم في مناطق العراق المختلفة – تشير إلى أنها كانت أساليب قهرية ذات طبيعة ازدرائية، تتسم بالتعالي والاحتقار والعسف إزاء سكان البلاد من عرب وكُرد وغيرهم. إذ كان بعضهم يسعى إلى تركيع العراقيين بحجة أنهم يرفضون الانصياع للقوانين والتعليمات والأوامر. كتب كمال مظهر أحمد بهذا الشأن يقول: “تكررت في كُردستان نفس صورة التعنت والتعالي للحكام والضباط السياسيين الإنكليز، الذين أثاروا بتصرفاتهم استياء مختلف الفئات الاجتماعية في الوسط والجنوب. فإذا كان رجل حاكم النجف السياسي گرينهاوس (Greenhause) يستعملون السوط حينما كان يمر لفتح الطريق أمامه، فأن زميله الميجر سون كان يعيد الشيء نفسه بفظاظة أكبر في السليمانية، ويفرض غرامات يومية على عدد من الناس البسطاء بحجج واهية , بل كان يجبر الجميع على أن يرفعوا فروض الطاعة لأصغر موظف لديه” . وجاء في وثيقة لجمعية العهد – فرع الموصل – بشأن الإهانات التي كانت توجه للمواطنين، والتي كانت تزيد من غضبهم وكراهيتهم للإنكليز، ما يلي: “لم تترك الحكومة الاحتلالية شيئاً من أنواع الشدة والقسوة إلا واستعملته مع الأهلين , وأن أدنى خطأ يصدر من أحد الناس يكون جزاؤه الضرب على عجزه مجرداً عن الثياب حتى أن الدم كثيراً ما كان يتطاير من جسده وتبقى مواضع السياط قروحاً لا تندمل مدة طويلة. أما الجزاء النقدي الذي قد شكل أعظم منبع لواردات حكومة الاحتلال فأن المحكومين يعدونه نعمة كبرى إزاء العذاب الجسماني والحقارة التي توجه إليهم بتشغيلهم بالأشغال السافلة”.

الاتراك يغادرون مدينة الحلة

وكشفت جريدة “الفرات” طريقة تفكير البريطانيين بالعراقيين وتصورهم لهم، وأسلوب تعاملهم اليومي معهم، حين كتبت مقالاً افتتاحياً عن الإنكليز جاء فيه ما يلي: “شاهدنا قوماً ليسوا من البشر أفسدوا البلاد واضطهدوا العباد وسحقوا القوانين العامة وهتكوا حرمة الشرايع الموضوعة وهدموا دعائم النظام الاجتماعي الجديد .. قلّب صفحات التاريخ القديم والحديث فلا تجد سوى الإنگليز أفسدوا النظام وأسقطوا حقوق الإنسان، فلا حرية ولا طمأنينة، ونزعوا الملكية وهي من حقوق الإنسان المقدسة لأنها من لوازم الحرية والمساواة، نعم فهم كما أسقطوا حقوق الإنسان المدنية أسقطوا حقوقه السياسية , فعاد ولا حق له، محروماً من كل مميزاته، محروماً من عمومياته وذاتياته” . ولا شك في أن هذا القول فيه الكثير من المبالغة؛ إذ لم تكن للإنسان من مواطني الدولة العثمانية أية حقوق، ولا تقارن معاملة الانجليز للإنسان بمعاملة الجندرمة العثمانية له. ومع ذلك فإن أساليب الاستعمار في إخضاع السكان، كانت تشبه – من حيث المبدأ – أساليب العثمانيين من بعض الوجوه.

والآن دعونا نقرأ ما كتبه (ستيفنسن لونگريگ) عن العراقيين في كتابه المسمى “العراق الحديث من سنة 1900 إلى سنة 1950” يقول: “لقد كانت الصحافة ضعيفة التزود بالمعلومات، وغير مسؤولة ومتطرفة في الحس الوطني، ومعادية للأجانب بصفة قاسية. كان يجري تنظيم التظاهرات بصفة أيسر وبالقليل من النفقات وبأي اتجاه سياسي يراد. أما الأحزاب فلم تكن في الغالب سوى محض عصابات من الشخصيات، ليست لها تنظيمات متواصلة أو واسعة، أو أية سياسة ثابتة ما خلا سياسة معاداة الإنكليز. وكان يسمح بحرية الكلام إلى حد إبداء الآراء المتطرفة التي يندر أن تكون معتدلة. وكان العنف أو المقاطعة ينتظر أية سياسة واضحة، مهما كانت تلك السياسة حكيمة أو مخلصة، إذا ما بدا عليها بأنها سوف تفشل في ميدان الحمية القومية”. وهو يدلُّ على عجز هذا الكاتب البريطاني – وهو من ضباط الحملة العسكرية في العراق أثناء الحرب العالمية الأولى، تولى عدة مناصب استشارية في الحكومة العراقية، وكان حاكماً سياسياً لكركوك – عن رؤية الأسباب التي حملت العراقيين على النظر بهذا المنظار إلى البريطانيين، وبتعبير أدق، الاستعمار البريطاني، الذي جاء محتلاً، وتصرف كمحتل فقمع ثورتي 1919 و1920 وفرض على العراق معاهداته واتفاقياته، وكرّس فيه مصالحه. ثم راح يوجه التهمة للعراقيين أنْ وقفوا من السياسة البريطانية هذا الموقف، وتصرفوا إزاء البريطانيين في العراق هذا التصرف.

وليست ببعيدة عن ذاكرة العراقيين، حادثة الشيخ (ضاري) مع الضابط البريطاني (ليجمن). إذ وجه (ليجمن) العديد من الإهانات المتلاحقة للشيخ (ضاري) لأنه رفض تجديد التعاون معهم. من بعد أن كان تعاون معهم لفترة من الزمن. يذكر الدكتور علي الوردي في معرض حديثه عن هذه الواقعة ما يلي: “يروى أن (ليجمن) كان لا يتردد عن إهانة (ضاري) في بعض الأحيان حتى أنه خاطبه ذات مرة باسم “الشيخ ضارط”، وتلك إهانة لا يتحملها رجل كالشيخ (ضاري) ذي الجذور البدوية الأصيلة. ويروى أيضاً: أن (ليجمن) أولم في أحد الأيام، وليمة لرؤساء عشائر منطقته، كان ضاري من بينهم. ولما دعوا إلى تناول الطعام، اتجه ضاري نحو صدر القاعة؛ لكي يجلس مع الرؤساء الكبار، فتقدم منه (ليجمن) وخاطبه أمام الحاضرين قائلاً: “قم ليس هذا مكانك”. فظهر أثر الغضب واضحاً على وجه ضاري إلى الدرجة القصوى” . ويذكر الدكتور الوردي أيضاً: أن (ليجمن) كان في حديث مع الشيخ (ضاري) فجاء إلى المخفر سائق سيارة وأخبر “عن حادثة سلب وقعت بالقرب من سدة الترك، فظهرت أمارات الغضب على وجه (ليجمن) فالتفت نحو (ضاري) قائلاً: “هذي كلها حركاتك. وأنت تعمل تشويشات في الطريق”. فأخذ (ضاري) يعتذر له بأنه لا علم له بهذه الأمور. وعند هذا التفت (ليجمن) نحو آمر الشبانة (عبد الجبار الجسام) الذي كان واقفاً بالقرب منه موعزاً إليه أن يتوجه مع نفر من رجاله لمطاردة اللصوص. ثم أضاف (ليجمن) إلى ذلك طالباً من عبد الجبار أن يأخذ معه (خميس بن ضاري) لكي يعاونه في مطاردة اللصوص. وعلى أثر مغادرة (عبد الجبار) للمخفر بصبحة (خميس بن ضاري) قُتل (ليجمن). وقد اختلفت الروايات في كيفية مقتله اختلافاً عجيباً. ومن يطلع على تلك المحاضر (محاضر المحاكمة) يشعر شعوراً واضحاً بأن (ليجمن) وجه إلى (ضاري) إهانة لم يتحملها، ولاسيما أنها جاءت بعد إهانات أخرى سابقة، ولعلها كانت (لضاري) القشة التي قصمت ظهر البعير. وعند هذا أشار (ضاري) إلى أبنه (سليمان) الذي كان واقفاً بالقرب منه قائلاً “دگوه”. فأطلق (سليمان) النار من بندقيته على (ليجمن). وعند هذا قام (ضاري) وأخرج سيفه من غمده وأهوى به على (ليجمن) بضربة على رأسه وصدره. وسمع أحد الشهود (ليجمن) في تلك اللحظة وهو يقول ” لا .. لا .. لا ..” بينما سمعه شاهد آخر يقول “يازي يا ضاري .. يازي يا ضاري ..”. ثم سقط (ليجمن) على الأرض يتخبط بدمائه. وأسرع رجال (ضاري) بعد ذلك فقتلوا خادم (ليجمن) وسائق سيارته، وسلبوا كل ما كان لدى الشبانة من بنادق وخيل وملابس”.

الطائرات البرطانية تقصف الثوار

ويورد الدكتور (الوردي) الكثير من نماذج الإساءة للعراقيين، التي كان يراد بها تحطيم معنويات الناس وكرامتهم وإذلالهم. مما رفع من درجة الحقد والكراهية لدى الناس، وعمّق فجوة انعدام التفاهم بين الطرفين. هذا على الرغم من أن الإنكليز الذين جاءوا إلى العراق محتلين، كانوا – من حيث المظهر – أكثر تحضراً – بما لا يقاس- من حكام الدولة التركية العثمانية المتخلفة، التي جثمت طويلاً فوق صدور العراقيين. والحكايات التي تروى عن الميجر (ديلي) حاكم الديوانية (القادسية) أو عن الكولونيل (ليجمن) حاكم الدليم (الأنبار) وعن غيرهم كثيرة جداً. وربما كان في بعضها شيء من المبالغة. إلا أنها مع ذلك لا تخرج عن الإطار العام لحقيقة الأوضاع التي كانت سائدة حينذاك في العراق. فعلى سبيل المثال لا الحصر يورد الدكتور علي الوردي بهذا الصدد ما يلي: “الواقع أن القصص التي تروى عن فظاظة ديلي كثيرة، وهي لا تخلو من مبالغة طبعاً، غير أنها لا تخلو من حق أيضاً. يروي فريق المزهر الفرعون: أن ديلي أصدر أوامره بأن كل خيال يأتي إلى الديوانية يجب أن يترجل عن ظهر حصانه قبل وصوله إلى البلدة بخمسمائة متر، وأن يخلع عقاله ويسير مشياً على الأقدام. وقد غضب ديلي مرة على أحد رؤساء عفك فحكم عليه بغرامة مقدارها 25 كيلو من الروبيات، فاضطر الرجل أن يذهب إلى السوق ويأتي بكيس الروبيات يحمله على كتفه. وكان ديلي إذا استدعى إليه بعض رؤساء العشائر الكبار لأمر من الأمور تركهم ينتظرون مقابلته يوماً أو عدة أيام، وإذا سمح لأحدهم أخيراً بالدخول عليه تركه واقفاً بينما هو ينظر في الأوراق التي بين يديه. ثم يرفع عينه متسائلاً: “أنت شاسمك؟ لويش جاي؟”. أو الإهانة التي وجهها لأحد الشيوخ المعممين، الشيخ هادي، عندما رآه يتبول في حديقة بيته، فاستدعاه معنفاً إياه: “أنت شيخ هادي ليس تصير شيخ مطي”، ثم فرض عليه غرامة قدرها عشر روبيات فدفع الشيخ الغرامة صاغراً”.

ليس من شك في أن الحكام المباشرين، الذين عينوا في العراق حينذاك، لعبوا دوراً كبيراً في اختيار الأساليب التي يرونها مناسبة، في تنفيذ سياسات الحكومة البريطانية في العراق؛ لكونها ترتبط مباشرة بسبل التعامل مع البشر بوجه خاص. وهذا يعني أن طبيعة هؤلاء الحكام المباشرين، وسلوكهم الشخصي، واتجاهاتهم الذاتية، كانت تشارك – بهذا القدر أو ذاك – في التأثير على تلك الأساليب وتلوينها من حيث الشدة أو اللين ، ولكن السياسة العامة للحكومة البريطانية، وأهدافها المقرَّر تنفيذُها في العراق، تبقى هي المسؤولة الأولى عن التعامل اللاإنساني من جانب موظفي وزارة المستعمرات، والقوات المسلحة البريطانية. إن الحكومة البريطانية باختصار هي المسؤولة وحدها عن نتائج سياستها التي انتهجتها في العراق. ويبدو السيد حسن شبر محقاً إلى حد بعيد حينما أشار في هذا الصدد إلى هذه النقطة: ” لقد حاولت الحكومة البريطانية تبرير هزيمتها السياسية وأخطائها الكبيرة في العراق، بإلقاء تبعة ما حدث على أرنولد ولسن نائب الحاكم الملكي العام في العراق. لكنه تبرير غير مقنع , لأن ولسن كان ينفذ القرارات الصادرة من لندن”.

لقد تعامل ولسن بحقد، وذهنية استعمارية شديدة العداء للآخر، ونقل هذه الذهنية إلى غالبية العاملين معه من البريطانيين في أنحاء العراق. ولكن هذه الذهنية كانت تسيطر أيضاً على العاملين في وزارة المستعمرات في لندن، وعلى ذهنية أولئك المهيمنين على الحكم الاستعماري في الهند. يواصل حسن شبر تقويمه لسياسة ولسن فيقول: “إن سياسة ولسن الحاقدة، وممارساته القاسية، ونزعته الاستعمارية الشديدة، التي يريد من خلالها إحكام السيطرة المباشرة على العراق. وقد جعلت الأنظار تتوجه إليه على أنه المخطئ الأول. فلم يكن ولسن يتعامل بمرونة سياسية , إنما بأسلوب استعماري خشن” . وهذا يقتضي التأكيد على حقيقة تاريحية مهمة، وهي: أن السياسة الرسمية للدولة البريطانية، هي التي كانت تحدد سير العملية الاستعمارية، وترسم اتجاهاتها العامة. ولكن المنفذين لها، لعبوا مع ذلك دوراً كبيراً في صياغة طبيعة الأساليب والأدوات والممارسات، التي اتخذوها لتنفيذ تلك السياسة. وانطلاقاً من هذه الحقيقة، فإن (ولسن) يتحمل مسؤولية قسط وافر من ممارساته العدوانية في العراق، التي لم تكن خالية من العنصرية والفظاظة. ينقل (حسن شبر) عن (أرنولد ولسن): أنه عندما علم بالاتهامات التي وجهت له، باعتباره المسؤول المباشر عن تلك الأخطاء، قال: “لا أعتقد أن أي شيء فعلته، أو كان أن أفعله، كان سيغير مجرى الأحداث بصورة جوهرية … وإذا كانت حكومة صاحب الجلالة ترغب في الاستفادة من خدماتي ككبش فداء , فإني لن أحاول تفادي هذا المصير”.

… يتبع

شاهد أيضاً

ثامر الحاج امين: الإنسانية المنتهكة في رواية (حياة ثقيلة) (ملف/130)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (31) (ملف/129)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

خبر لوكالة رويتر عن رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم
حياة ثقيلة.. رواية تصوّر كابوس العراق بعد صدام (ملف/128)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *