الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » صالح البياتي : رواية / نزف المسافات
الجزء الثاني (ح 7) السيدة أم نوح

صالح البياتي : رواية / نزف المسافات
الجزء الثاني (ح 7) السيدة أم نوح

رواية / نزف المسافات
صالح البياتي
الجزء الثاني ، ح 7
السيدة أم نوح

ساحة التحرير، قلب بغداد النابض، وعلى الشاطئ الأيسر لنهرالدجلة العظيم، يمتد شارع ابي نؤاس، تناثرت على جانبيه حانات الخمرة، وفي بدايته يرفع شاعرها الماجن كأسه جذلا، يتأمل بانتشاء مغرق، عبثية الحياة، وشهريار على مقربة، يترقب نهاية لثرثرة شهرزاد التي لا تنتهي.
انتشرت العيادات الطبيبة، في شارع السعدون، غطت يافطاتها واجهات العمارات؛ كنسيج عنكبوتي بشع، مخيف ومحزن في آن، اعتراف فاضح، وإعلان صريح بانتصار المرض، دخلت السيارة لشارع فرعي، أنزلنا السائق أمام عمارة جديدة، اخبرنا ان الطبيب الذي جئنا اليه، يمتلكها، صعدنا السلالم للطابق الثالث، ( المصعد الكهربائي كان عاطلا ) وكانت أمي تتكئ على كتفي، وأنا أحاول ما استطعت أن أخفف عنها مشقة الصعود، حتى وصلنا، أجلستها في غرفة الانتظار المكتظة بالمرضى، وتقدمت للسكرتير، اطلعته على موعد حجزنا المسبق، دخلنا على الطبيب، وبعد الفحص وطرح الأسئلة شخص المرض، وبحركة خاطفة برأسه؛ فهمت انه يريد الإختلاء بي، خرجنا معا، وجدت مقعدا خاليا فأجسلتها فيه، وعدت اليه، فقال أنها تحتاج لعملية جراحية عاجلة، لاستئصال الورم من ثديها الأيسر، ولما سألته لماذا لا يزيل الثدي كله، أوضح أن عملية إزالته، تحت التخدير العام تحتاج لوقت أطول، وينتج عنها فقدان كمية أكبر من الدم، وقد لا تحتمل صحتها كل ذلك، أعطاني رسالة لمستشفى القديس رافائيل المعروف بأسم الراهبات، لإجراء الفحوصات اللازمة، وحجز موعد لإجراء العملية.
في طربق العودة؛ تطلعت للشوارع شبه الخالية، على غير العادة، فالساعة لم تتجاوز الثامنة مساء، شعرت أن الناس هنا في بغداد، يتوجسون شيئا خطيرا، يوشك الحدوث قريبا، كل المؤشرات تؤكد أن حربا على الأبواب، وانها مسألة وقت، والوقت متوار في كهف المفاجآت..
عرف السائق أننا غرباء، ربما من لهجتنا الجنوبية المميزة، اولأننا قصدنا العاصمة من أجل اطباء الأختصاص، بدأ يتذمر منهم، وصفهم بالجشعين والمتكبرين، وعديمي الشفقة والأنسانية، حاولت أن أخفف من غلوائه، قلت؛ أنهم ليسوا هكذا كلهم، فهم كغيرهم من البشر فيهم الأضداد، وأجدادنا وصفوا الطبيب قديما بالحكيم، ذاك زمان ولى وهذا زمان آخر، كانت الحكمة ضالة المؤمن، اما اليوم فالنقود هي ضالة الناس أينما كانوا.
أشعل السائق سيجارة، وأطفأ زفرة حارقة، وقدم لي واحدة فاعتذرت، لزمت الصمت، حذرا، فبعضهم كما يشاع مشبوهون، أومتهمون بأنهم عيون السلطة، تساءل هل حقا أصبحت الحرب قاب قوسين او أدنى، اكتفيت بعبارة ( الله أعلم )، ولكن يبدو ان جوابي لم يعجبه، فاعترض قائلا، الله طبعا أعلم بما حدث وما سيحدث، ولكن من حقنا نحن أن نعلم ايضا، لان الموضوع يخصنا، فاكتفيت هذه المرة بكلمة صحيح، فرد؛ المحطات العالمية، مثل البيبي سي ومونتي كارلو وصوت أمريكا وحتى إذاعة إسرائيل؛ كلها تتحدث انها واقعة؛ لا مفر منه.. ونحن نقول ألله أعلم، فتدخلت أمي؛ ابني أدعو ربك أن يطفئ نارها بنوره، هذه المرة شعر السائق بالهزيمة، فقال على مضض؛ إن شاء الله، واشعل سيجارة أخرى، من عقب سيجارته الضامرة، وأستمر يدخن صامتا، وهو يستمع لنشرة أخبار مونتي كارلو المسائية.. حتى وصلنا، كنا نلوذ بالصمت طوال الوقت، ولم تسألني أمي عن شيء، وحينما دخلنا الشقة ذهبت لتنام، لم إخبرها عن العملية الجراحية، تركت ذلك لوقت لاحق، بعد الانتهاء من جميع الفحوصات الطبية المطلوبة، مع أنني متأكد لو اخبرتها؛ فلن يغير ذلك من الأمر شيئا، ولن تتأثر بشيء تافه، مثل إجراء عملية جراحية.
عندما اكتملت جميع الفحوصات المختبرية وجلسات الطب الذري، واطلع عليها الطبيب الجراح، أُجريت لها عملية جراحية، استغرقت ست ساعات، بدأت من الساعة العاشرة صباحا وانتهت في الرابعة بعد الظهر، وعندما اخرجوها كانت أشبه بالميته، أستأصل الطبيب الجراح الورم الخبيث، ولم تفق كلياً من تأثير المخدر حتى حلول الظلام، فتحت عينيها لثوان ثم أغلقتهما، كانت شفتاها بلون الرماد، والوجه الذي كان أبيضاً ومشوباً بحمرة وردية، كان ممتقعا بصفرة مخيفة، بدت كأنها مقنعة بقناع الموت، وبعد برهة فتحت عينيها مرة آخرى، نظرت مندهشة لسقف الغرفة، قبلت جبينها، وقلت الحمد لله على سلامتك، تحركت شفتاها ولكن بلا صوت، لم اسمع شيء سوى تمتمة خافتة.
وفي صباح اليوم الثاني رفت على شفتهيها الذابلتين بسمة خاطفة، فأشرق وجهها بضوء مشوب بغلالة ألم، افتقدت تلك البسمة الحلوة، التي كانت تنير وجهها، كعسل يشف من خلال بلوري، رائقاً كالذهب، لم أفارقها لحظة اثناء رقادها في المستشفى، الا عند الذهاب للنوم. جاءت العمة ام بدور لعيادة امي، ومعها ابنتها الشابة، تحملان اكياس الفاكهة، ابتسمت لهما عندما وضعتا الاكياس على المنضدة، فالمريضة كانت لا تزال على المغذي؛ المتصل بالوريد، وهما لا يعرفان قلة اكلها للطعام في حالتها الطبيعية…
بعد الترخيص لها بالخروج، شعرت كأن الزمن قد توقف، وتقاطع الحاضر مع الماضي، لم ألتفت للمستقبل، فهو لا يزال في كنف الغيب، الماضي لاح للعين جزيرة خضراء وسط تيه رملي يغطي الأفق..
زرنا الطبيب أربع مرات، أكد لي نجاح العملية، ونصحني بالتركيز على شيئين هامين في فترة النقاهة وما بعدها، التغذية الصحية الجيدة والجو الهادئ المريح، والابتعاد عن كل ما ينغص عليها الراحة الجسدية، والهدوء النفسي..
خلال مدة بقائنا في الشقة الصغيرة المفروشة، بمدينة الكاظمية، اكتشفت ما يميز الزقاق الذي سكنا فيه، أن عبق التاريخ يترشح من احجار منازله العتيقة، يمتزج ويتعطر بقداح بساتين النخيل، ويسطع بألق ذهب القبتين والمنائر الأربعة، التي يخطف انعكاس الشمس عليها الأبصار، حين يرتقع الأذان لصلاة الظهر، يتماهى ثراء الحياة الروحية مع صخب أصوات الباعة المتجولين، او المفترشين الأرصفة، يختلط مع الآذان؛ الذي يبدو كأنه دائم لا ينقطع، لاحظت أثناء البيع والشراء وفي حالات اخرى، يستعمل الناس مفردات ذات دلالات خاصة، تظهر فيها مسحة ايمانية عميقة، او متكلفة ومصطنعة، تطفح كزبد البحر على شاطئ الأيمان..
وفي أخطر مرحلة تمر بها البلاد، توجس العراقيون حربا وشيكة، لا يعلمون كم ستطول..
كنت أنا أيضاً لا أدري كم سيطول مقامنا، وطوال ذلك تبرعمت علاقة تعارف مع الجيران، وأصحاب الدكاكين القديمة، وباعة البضائع المعروضة على العربات، وأزقتها الملتوية الضيقة، التي لا تشبه الشوارع المستقيمة بمدينتا العمارة.
تتباهى مدينة الكاظمية بإرثها الديني التاريخي، الذي يترسب في الوجدان قبل البنيان، وغدا مع تقادم الزمن؛ الوسيلة لتحريك القلوب قبل العقول، والبصائر قبل الأبصار..
يأتي صديقي صديقي يوسف ( الموظف بشركة التأمين الوطنية، في شارع باب المراد) لزيارتنا بإنتظام، بعد نهاية الدوام، لقرب مكان عمله من سكننا، ليطمئن على صحة امي، ومنذ أن عرفته عليها، حافظ على تقبيل يدها احتراما لسنها ونسبها الشريف للبيت النبوي، وفي آخر جمعة قبل عودتنا، جاء ليودعنا، سلم عليها وسألها عن صحتها، وقبل يدها، كما فعل اول مرة في زيارته الأولى.
قمت لإعداد الشاي لضيفنا، وقدمته بثلاث أستكانات بلورية شفافة صغيرة، ودارت بيننا أحاديث في مواضيع مختلفة، بينما كانت أمي تستمع الينا، وبعد شرب الشاي الذي تحبه أكثر من الطعام، ذهبت لتستريح، حتى يحين المساء لزيارة مرقدي الأمامين موسى الكاظم وحفيده محمد الجواد.
الزائرون القادمون من مختلف المدن، رأيناهم ينزلون الى الصحن الكبير، وقفنا قليلا أمام البوابة الخشبية الكبيرة، كانت صورتان كبيرتان لرئيس الجمهوية على جانبيها، أحداهما بلباس عسكري وغترة حمراء ملفوفة على رأسه، والثانية ببدلة مدنية، حاملا أبنته الصغيرة على كتفه، وعلى يمين المدخل تربض سيارة لشرطة النجدة ، وفي الساحة الأمامية ينتشر افراد من الأنضباط العسكري، ذوي البيريات الحمر، مسلحون برشاشات كلاشينكوف، وأعداد غير معروفة من رجال الأمن المتخفين تحت ملابس مدنية، ينتشرون في كل مكان ويندسون بين الناس، امسكت يد امي اليسرى، اقتربنا أمن الضرفة اليمنى للباب، مسحت امي يدها ببقايا حناء متيبسة، والتحمت بها وقبلتها، ثم نزلنا درجات قليلة، أفضت بنا للصحن الخارجي الكبير والأروقة المحيطة به، صعدنا درجتين للرواق الداخلي حول الضريح، نزعنا أحذيتنا وأمناها عند الكشوان، ثم وقفنا لقراءة آداب الاستئذان بالدخول.
كان الازدحام شديداً عند الضريح، يتدفق الناس من أبواب عالية مكسوة بالذهب، ويتحلقون حول المرقد الشريف، أجلست أمي تحت الشباك المفضض، فألصقت رأسها به، كانت الأضواء المنعكسة من المرايا الصغيرة التي تزين الجدران، تبدو كأنها أقمار صغيرة، وضوء أخضر كان ينعكس على وجه أمي، يأتي من وراء زجاج سميك داخل الضريح، انخرطت أمي ببكاء مرير، وأنا واقف عند رأسها، أما صديقي يوسف فتنحى جانباً، لم أسمع شيئا من بثها بسبب الضوضاء، ولكن عندما كنت أدني رأسي منها سمعتها تقول، جئتك.. وضاعت بقية الكلمات لارتفاع عويل النساء، سمعت الابتهالات والتضرعات تختلط بالبكاء، في سمفونية حزن طويل، ولكن لم أسمع احدا يناشد الله أن يمنع الحرب، التي توشك أن تندلع قريبا، في تلك اللحظة؛ صرخ أحدهم بصوت صاعق، كفى.. بهذه الكلمة الوحيدة، التي كررها ثلاث مرات، فهمت أنه ربما كان يحتج، أو ان تخاطرا حدث بيننا تلك اللحظة الزمنية، كانت صرخته أشبه بسكين في الظلام، جرحت الصمت المدوي، اندفع على إثرها رجال الأمن، اقتحموا الضريح، وأحاطوا بالرجل، ولم يعد أحدا منا يرى شيئاً من المشهد..
أيقظت صرخته المذهولين، فساد سكون مريب، وأندفع الناس هاربين، الى الخارج، من أبواب عدة، نحو الأروقة والصحن الكبير، وفي دقائق قليلة لم يبق أحد منهم؛ غير قلة تنتظر في الخارج، اما الأغلبية فغادروا المكان وتبخروا بسرعة في الأزقة القريبة.
حميت امي من ان تداس تحت الاقدام، حاولت مساعدتهاعلى النهوض، تشبثت أصابعي اليسرى بقوة بكرات الشباك الفضية، التي كانت قبل قليل مكانا محببا للثم والتقبيل، رفعتها بيدي الأخرى من تحت إبطها، وخرجنا تاركين أحذيتنا عند الكشوان..
في صباح الجمعة، جاء صديقي يوسف، وحكى ما تناقله الناس عن الحادثة:
” يقولون إنها تمثيلية مفبركة من صنع المخابرات، لمعرفة ردود فعل الناس، وقالوا أنه مجنون ” علقت ساخراً.
” الحكومات دائما تحول الأبطال الى مجانين، وهكذا تقتلهم مرتين..”
خيم علينا الوجوم.. جلسنا صامتين، حولت أمي الحديث الى موضوع آخر، وقبل الغروب ودعنا صديقي يوسف وتمنى لنا ليلة طيبة، وخرجت أودعه عند باب الشقة.
تحسنت صحة أمي، شعرتْ أن تلك الآلام التي كانت تنهش صدرها قد اختفت، وازدادت شهيتها للطعام، تذكرت عندما كنا نتعشى في مطعم، عبارة من الكتاب المقدس، قرأتها مخطوطة في مستشفى الراهبات، “طوبى للرحماء، فإنهم يرحمون”، وقبل ان نغادر، اشتريت دجاجة مشوية، لُفتْ لنا مع الخبز، اخذناها في كيس ورقي، واعطيناها لمرأة فقيرة، تفترش الأرض على جانب البوابة الكبيرة للمرقد، وبجانبها طفلان يلوذان تحت عباءتها.
عادة يأتي الزائرون للسلام على الأمام ليلة الجمعة، فتحتل العوائل القادمة من المحافظات، حجرات الصحن للمبيت، أما الذين لا يجدون حجرة خالية؛ فإنهم يبيتون ليلتهم في باحته الكبيرة، يتوسدون أيديهم، على ارض مفروشة بالسجاد، وسماء فوقهم، تومض بالنجوم، ويناموا قريري الأعين كأنهم في بيوتهم..
يبتع

2 تعليقان

  1. صالح البياتي

    تنويه: يرجى الإنتباه لآخر سطر في هذي الحلقة، وقع خطآ نحوي: ( يناموا قريرو الأعين ) ،الصحيح : ( ينامون قريري الأعين ). شكراً

  2. تم تصحيح الخطأ.
    حسين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *