الرئيسية » مقالات » حميد الربيعي : 14 تموز و ” الثورة ” ،الذكرى والنتائج

حميد الربيعي : 14 تموز و ” الثورة ” ،الذكرى والنتائج

14 تموز و ” الثورة ” ،
الذكرى والنتائج

حميد الربيعي

كانت السدة الترابية تمثل الحد الفاصل لمدينة بغداد ،، وقد انشئت اصلا لتقي بغداد من السيول والفيضانات المحتملة ، وموقعها حاليا هو الطريق السريع لمحمد القاسم ، بعدها تعد ارض جرداء .
على مر الايام تكومت خلفها بيوت صرائف الطين ، وهم الاقوام الهاربة من إقطاعي العهد الملكي ، كانت اكبر هجرة قد حدثت في اعوام 1937و 1953 . يعني الفترة القريبة ، لمجيء ثورة 14 تموز عام 1958 .
وازاء تراكم الاوضاع أبان تلك الفترة، فإن أول قانون كان لابد من تشريعه بعهد الثورة ، هو عودة هؤلاء المهجرين قسرا إلى أريافهم وتوفير أراض زراعية لمعيشتهم ، و هذا ما حصل على أرض الواقع ، حين صدر قانون الاصلاح الزراعي .
لكن الامر سار باتجاهين معاكسين ، الاول : توطين هؤلاء المهجرين في مدينة الثورة ، التي انشئت بقرار من عبدالكريم قاسم عام 1962، دون حساب التأثير والفوارق مع أهل المدينة ، مما أدى إلى نشوء نتوء خارج الرحم ، أسمه مدينة الثورة ، بمعيشة سكانها الهامشية والطفيلية على واقع مدينة بغداد .
الثاني : تمثل بإعادة توزيع الاراضي الزراعية ، بعد اخذ حصص الاقطاعيين واعادة توزيعها ثانية الى اقطاعيين جدد او فلاحين غير منتجين ، مما ادى الى خراب الريف وزيادة في هجرة ابناءه الى المدن ، وهكذا خرب الريف ، كما خربت المدينة قبله .
خلف السدة عاشت اربعة اجيال وثلاثة فئات ثقافية ، الجيل الاول وهم الذين سكنوا الصرائف وجمعهم عبدالكريم قاسم في مدينة الثورة ، ابتداء من عام 1962 ، دون أن يعلموا لم جمعوا وماذا سيفعلون ، لكنهم هللوا لقرار الزعيم باعتباره ابن الشعب البار بالفقراء والمنتظر الذي ينقذهم من البؤس والحرمان ويسكنهم في قصور المدينة ، ومازالوا ، بعد هذا الزمن الطويل ، يكنون له هذه الخاصية ويمجدونه.
الجيل الثاني وهم الابناء الذين عاشوا في كنف فترة السبعينات وكونوا جيلا واعدا ، بالتطور والتمدن والثقافة ، وانخرطوا في الحياة العامة ودخلوا الجامعات ونشطوا في الحركات السياسية وكذلك الثقافية ، لكنهم نكسوا قبيل حرب الثمانينات ، والذين مازالوا يرون في منتجع “الثورة ” اسطورة خلق لجيل واعد ولا يعلى عندهم على تلك المدينة شيء .
الجيل الثالث وهم نتاج مشوه لمرحلة الحرب والحصار ونتائجها المعروفة ، على الصعيد الاجتماعي والسياسي، وهم المادة الخام لمعظم من يكتب سردا عن مدينة الثورة الآن ، باعتبارها بؤرة حراك اجتماعي ، هو في حقيقته شكل مشوه مما يجري من صراع سياسي اقتصادي في البلد .
الجيل الرابع الذي اعقب انهيار مؤسسة الدولة ، بعد عام 2003 ، وتشظي المجتمع فخرجت منه كل الافاعي والخرافات .
الفئات الثقافية التي عاشت خلف السدة فكانت ، اولا: من بقي بعقلية الريف وعاداته وقيمه وعشائره وهم جيل الآباء . ، وثانيا : فئة من ضيع مشيته ، الذين لم يستطيعوا الاندماج مع اهل المدينة وعاشوا طفيليين على حركة السوق والناس وظلوا يتربصون الفرص بالمدينة ، اما للانتقام منها ، او تخريبها من خلال تبوء الفرص .
الفئة الثالثة وهم مثقفو مدينة الثورة ،على مر تاريخها ، وهم العنصر الفاعل والمتفاعل مع الاحداث ، لكنه يرى الامور من زاويته المكانية ، اي ان ” الثورة ” مكان اسطورة او مكان لخلق اسطورة خاصة ، التي لها ميزة التفاضل عن باقي نواحي بغداد ، باعتبار المكان خالقا للوعي ومزيح ما عداه ، وهنا يكمن الداء والمصيبة ، التي مازال يسمع صداها الان ، في مجمل الحياة اليومية للناس او في الحراك الثقافي .
خلف السدة سكن الكثير من الادباء ، لقد كانت مدينة ولادة لطاقات شابة واعدة في مجال العلم والادب ، ربما غالبيتهم من جيل السبعينات ، نظرا لما توفرت لهذا الجيل من فرص التطور ولان ادباء الثورة ومثقفيها هم من استطاع الاندماج مع حياة المدينة / بغداد وعاش تفاصيل حياتها ، لذلك كتب لهم النجاح .
لكن هذا النجاح ليس ناتجا من ارضية مكانية اسمها ” الثورة” والتي هي منحة عبدالكريم وثورة 14 تموز ، انما اندماج هؤلاء المثقفون مع عموم الحركة الثقافية في البلد ، فالثورة ليست مكانا مستقرا ، بمعنى بيئة تنضج فيها الاحداث ، انما هي هامش لمواقع اخرى ، تتفاعل معها او تتأثر بها لاحقا ،
لهذه الاسباب لا تبدو الكتابات عن ” الثورة ” تملك من الرسوخ والثبات ، بان يعول عليها لقراءة مرحلة ما ، او قراءة تحولات مرحلة ما ، فهي تعيش على هامش بغداد ، اي ان التبئير يكون في بغداد .
هنالك من سرد تاريخ ” الثورة” وهنالك من حاكى شخوصها وهنالك من نبز او اختار شخصا ما من طبقة ما ، ان محاولة اسطرة حوادثها او اشخاص منها وجعلهم بمكانة الابطال الأسطوريين ، لن تعدو محاولة قابلة للتوفيق والثبات ، الحقيقة ان طريقة انشاء المدينة كان اشكالا، انعكس ذلك على بنيتها ومستقبلها ، وهي مثلمة في تاريخ انشاء المدن .

تعليق واحد

  1. مؤيد داود البصام

    تحليل رائع ووجهة نظر ثاقبة، سبق ان استكتبني الراحل الوحيلي مقدمة لكتابه تاريخ مدينة الثورة، وكذلك آخرون، وكان راي مقارب لراي الاستاذ حميد الربيعي اومتفق باغلبه، ولكن بصياغة اعمق قدمها الربيعي، وفي وقتها قيل ما قيل حول الراي، ولكن وللتاريخ فان ما كتبه الروائي حميد الربيعي هو اجرء ما كتب وبتحليل يجب ان يبنى عليه الكثير من الدراسات لوضع الاطر الصحيحة في الكتابة عن المدن وبالذات مدينة الثورة لما لها من اهمية في حراك المجتمع العراقي والبغدادي بالذات، خصوصا ان الذين شكلوا حراكا ثقافيا من مثقفي مدينة الثورة ظلموا بالتحليلات التي دمجتهم في الشكل العام دون اخذ الحقائق في تشكلاتهم وتشكلات مجتمع مدينة الثورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *