الرئيسية » فكر » جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(16) زورقها سالمين..

جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(16) زورقها سالمين..

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيم وأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

(16) 
زورقها سالمين..

كل شيء عند صغارنا هذه الأيام تحول إلى”سبونج بوب”الدمى، الألعاب، دفاتر المدرسة، القمصان وأردية الصغيرات، أتذكر قبل عشرين عاما كان الأطفال يحبون نعمان في البرنامج الخليجي(افتح يا سمسم) وكانوا يحاولون تقليد حركاته وسلوكه والسعيد من كان بدينا مثله، أخبرني احد الأصدقاء بان ابنه الصغير يلح عليه، يريد أن يسمن كنعمان..
أحدهم نشر مقالا بعنوان (احذروا نعمان) لان الأطفال يميلون للتقليد، لذا حذر من البرنامج الأمريكي الأصل(افتح يا سمسم)ومن شخصية نعمان البدين الطيب والغبي والساذج.
إن المؤسسات الكبرى المهيمنة على إنتاج وتوجيه الثقافة في العالم واغلبها في أمريكا إنما همها الأساس هو تسطيح وعي الشعب الأمريكي ليسيطروا من خلاله على مقدرات الشعوب الأخرى، وحكايات جهل الأمريكان كأشخاص بالسياسة والتاريخ وقضايا الوعي معروفة وتظهر حتى عند رؤسائهم.
أعادني نعمان الأمريكي الخليجي وكارتون سبونج بوب إلى أيام الطفولة يوم كان والدي يحتضنني بذراعه في ليالي الفاو المقمرة وهو يحكي لي عن سالمين، الحمامة الصغيرة، ناصعة البياض والتي تطير بين أشجار البمبر الباسقة والمنازل والنجوم والقمر والنخيل، وتحط على أكتاف الأطفال وأكفهم وهي تنقل لهم تمرات القنطار المائعة كالعسل وحلاوة نهر خوز والجكليت الهولندي ( ثمة قبطان هولندي كان صديقا لوالدي وكلما رست باخرته في ميناء الفاو، كان يأتي وزوجته الى حدائق نادي الميناء حيث يعمل أبي ومعه صندوقة جكليت معدنية جميلة ومزينة بأزهار الزنبق والبنفسج، ويهديه أبي شتلات من ورود الفاو الرائعة وذكية العطر ليربيها هناك في بلاده)
كنت أتخيل سالمين تطير معهم حين تغادر الباخرة وهي تطلق صافرتها الطويلة المتقطعة، أراها تسايرهم، على جناحيها وردات جوري حمر صغيرات يرفرفن أيضا وكنت انتظرها، أحببت سالمين، كل أصحابي الصغار أحبوها معي، وكنا نتطلع إلى الجو وأعالي السدر والنخلات لنرى أي طيور هي سالمين، وكنا مع المد والجزر في النهر المحاذي لبيوتنا نتبادل إرسال الزوارق الورقية، فمع المد تأتي إلينا متهادية من أصحابنا الساكنين قرب مدرسة رام الله الأقرب إلى الشط بعضها فقط كان يصلنا ناقعا بالماء، وبالكاد كنا نستطيع قراءة ما كتبوه لنا، أحيانا كنا نتبارى سباحة لننقذ أحد الزوارق من الغرق بعد أن يثقله البلل، ومع الجزر يكون الدور لنا نحن في لنبعث بزوارقنا إليهم، أغلبنا كان يتمنى أن ترسو عند الصبية التي كانت أمام بيتها تنتظر زوارقنا، لبعدنا لم نكن نرى منها سوى ثوبها الملون، أحيانا كان شالها يتطاير وشعرها، لكن وجهها كان بعيدا عنا، اغلب زوارقنا كان الأصحاب يصطادونها، لكن واحدا منها أو أكثر كان يرسو قريبا من سالمين فتلتقطه، حينها كنا نتقافز فرحا وكل منا يدعي انه زورقه وإنها تقرأ الآن اسمه أو ما كتبه، وبعض الأولاد الكبار بدأوا يشاركوننا اللعبة ويكتبون كلمات أكثر، وكنا نعتقد إن سالمين هي حمامتنا الصغيرة وقد تحولت صبية لتلعب معنا ..
تذكرت كل ذاك وأنا أقف متألما أمام المعروض في جناح دائرة ثقافة الأطفال في معرض الكتاب الدولي، بضعة مجلات عادية الطباعة والإخراج، بهذه البضاعة الفقيرة بين الأجنحة الأخرى التي عرضت نماذج جميلة وبراقة، كيف يمكن لنا أن نجذب أطفالنا؟ وكيف ننقذهم من السياسات الثقافية التي تستهدفهم؟ أمام هذا الكم الهائل من الفضائيات وآلاف أفلام الكارتون والبرامج الخاصة بالأطفال التي تصدّر وتزقّ في عقول أطفالنا ووجدانهم، أمام كل هذا، ما الذي نفعله ببضع مجلات مصابة بفقر الدم الطباعي؟ إننا في الواقع نخدع أنفسنا ونبذر أموالا من دون هدف ولا ثمار..
علينا كدولة وكمؤسسات ثقافية وكمبدعين وفنانين أن نعمل معا لخلق أكثر من سالمين تنشر الفرح والسلام والمحبة على نفوس أطفالنا وتسقي قلوبهم، علينا إنتاج ما لا يقل عن مائة فلم كارتون سنويا بهذه الروح، روح سالمين، وعلينا إنتاج عشرات البرامج وصولا إلى معدلات أعلى وأفضل نوعا..
– صغيرتي هل هذا كبير على العراق بمبدعيه الأفذاذ وبإمكانياته؟
لم تجبني سالمين، نظرت إلي بمرارة وألم، وضعت زورقها، لململت ثوبها الملون، ثم تهادت طافية – معه- بعشّها على الماء..
=====

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *