د. وسام حسين العبيدي : إشراقات التلقّي في نصوص (يقظة النعناع) للشاعر أحمد الخيال

إشراقات التلقّي في نصوص (يقظة النعناع) للشاعر أحمد الخيال
د. وسام حسين العبيدي

ثمّة رأيٌ أجدني أميلُ إليه وأنا على أعتاب قراءة (يقظة النعناع) المجموعة الشعرية الثانية للشاعر الدكتور أحمد الخيال، وهو أنّ قراءة النصّ – شعريًا كان أم نثريًّا- ليست إلا لحظة إشراق للمتلقّي، يستلهمُ منها ما يستلهمُ من حمولات فكرية أفضتْ إليها دلالات تلك النصوص، وقد يفوتهُ بعدها غير قليلٍ من تلك الحمولات، أو يبدو له أنّ ما استلهمهُ من دلالات، كان لها وجهٌ آخر لم يلتفت إليه، بحكم السياقات الخارجية التي قد يختلف تأثيرها باختلاف مستوى المتلقّي، فمثل تلك السياقات ستكون سببًا في إلفات المتلقّي إلى ما غاب عنه لحظة القراءة الأولى، ويمكن أنْ نزعم أنّ بعض تلك المُوجِّهات قد تنطمر في طبقات لا وعي الأديب – المؤلّف- حين يُرخي عنان أفكاره، فيأتي من القرّاء من يربط المعنى بالدلالة التي شكّلتها مرجعياته الثقافية. وبهذا تستمرُّ النصوص – وأخصّ المُستوفية شروطها الفنية والموضوعية- في توالدٍ مستمرٍ للدلالات بحسب اختلاف مستويات القرّاء ومنطلقاتهم الفكرية ومرجعياتهم الثقافية.. وهذه القراءة ستكون واحدة من بين قراءات واعدة بالكشف والتحليل والاستنتاج بما أُتيح لي من إمكانات متواضعة. ولا أدّعي غير ذلك، ولكلِّ مجتهدٍ نصيب.
في مجموعته (يقظة النعناع) نجدُ الشاعر قد تنوّعت نصوصه أجناسيًا، فقد ضمُّتْ ستًا وأربعين نصًا توزّعت بين 12 قصيدة عموديّة خالف في تسطير بعضها طباعيًا الطريقة السائدة في وضع البيت في شطرين (صدر وعجز) فيما جاء بعضها وفق السائد النمطي، فيما كانت النسبة الأكبر لقصيدة النثر، إذ بلغ عددها أربعًا وثلاثين نصًّا، فيما كان نص (عُزلة في أبديّة الموج) ضمن ما يصفه الدكتور محسن اطيمش بـ”الشعر المختلط” أي “اختلاط النثر بالشعر في بنية القصيدة الواحدة” [تحولات الشجرة: 141] وهي لا يمكن تسميتها بالظاهرة في مجمل الشعر العربي بعامة والعراقي بخاصة. ويُلاحظ اطيمش أنّه لم تبرز في العراق إلا في أواخر الستّينات من القرن العشرين “بعد أنْ تركّزت القيم والمفاهيم الجديدة للشعر الجديد، وصار ما يُسمّى بـ”الشعر الحر” ظاهرة متكاملة راسخة وبأقدام ثابتة” وكان أبرز مُمثّليها هم كلٌّ من فاضل العزّاوي وصادق الصائغ وموفّق محمّد، وهذا النمط الجديد من الشعر- أي المختلط- كان “إيذانًا، وتكريسًا لما سُمِّي – فيما بعد- بقصيدة النثر” [تحولات الشجرة: 146] ويُمكن أنْ نعدّ هذا التنويع الجديد بمثابة الخيط الرابط بين الشكل التقليدي للقصيدة العربية المسمّاة عُرفًا بالعمودية – علمًا أنّ نظرية العمود بحسب الآمدي قد لا تتوافر شروطها أو بعضها في كثير من شعر الشطرين- وبين الشكل الجديد المنفلت من إسار الوزن والقافية والمُسمّى عُرفًا بـ”قصيدة النثر” تلك التسمية الهجينة في ظاهرها بين جنسين مختلفين، أُريد لهما الاندماج في نصوص نثريّة كُتِبت وِفْق آليات سردية وتقانات شعرية، وأرى أنّ هذا النمط على قلّة ما يرد عند من ذكرناهم بعامة، وما وجدناه عند الشاعر – محلّ الشاهد- يمثّل إثباتًا لنفسه وتبرأةً ممّا يقع فيه من اتّهام باستسهال الشكل الجديد والهروب من اشتراطات الشكل التقليدي للشعر من وزنٍ وقافية، وفي الوقت نفسه تعد جواز مرور “مسلكي” – إنْ صحّ الوصف- للشاعر، في حرقه مراحل الكتابة الشعرية، وصولاً إلى آخر مستجدّات هذا الفنّ بجدارة واقتدار.

وإذا تفحّصنا نص ((عزلةٌ … في أبديّة الموج)) وجدناه يحفل بآليات السرد، إذ قام بناء النص “على الاستعانة بعناصر سردية كالشخصية والحدث المتنامي الذي يتطور ويقود إلى تحوّل ونهاية، ولكنه لا يقدّم قصة إنما يقدّم حالة وموقفًا ورؤية” [قصيدة النثر – دراسة، أحمد زياد محبك، 43] فيبدأ الشاعر – بوصفه راويًا عليمًا- من حيث انتهت الأحداث، وهذا ما يُسمى – في عرف الاتجاه الفرنسي لدراسة الحدث السردي- بـ”البناء الدائري” وهو البناء الذي يتمثل فيه “سرد قصص تكون نهايتها تدعو إلى البداية التي انطلقت منها” [المصطلح السردي، أحمد رحيم: ؟] بقوله:
أخيراً…
لوّحتْ له العاصفةُ بالهدوء …
لم ينمْ قلبُه …كان محضُ سفرٍ وأماكنَ فارغةٍ
تجوّل في سواحلَ رغباتِهِ …
هناك فراشةٌ في ثغرِ زهرةٍ …
وعلى ثدي الريحِ طفلٌ يرسمُ نوماً هادئا
وانتظارُ شفاهٍ تتشرّدُ بين لغاتِ الحشائشِ الخضراء
وساحلٌ ونخلةُ …بينهما يضطجعُ الموجُ كلقاءٍ عابر
والمساءُ يبعثرُ خطواتِ نورسٍ ونظراتِ رجلٍ سئمَ حكاياتِ البحر
صخورُ عينيه تقاومُ موجَ ذكرياتِهِ الصاخبة
ينامُ في بنفسجِ اللغةِ مدثّراً برائحةِ اللوتسِ وبريقِ نجمةٍ شاحبةٍ وبعيدةٍ جدا
قال للغيمةِ:
(أنا سماؤُك…جنحُ الماءِ أرسلني
وقال لي: أنّكِ شبْهي ومن زمني
وأنّك الان من أوجاعِ سنبْلتي
من بردِ ما يشبُهُ الاحلامَ في وطني
وجهي سماؤُك من أمطارِ ضحكتِهِ
نَمتْ سلالةُ زيتونٍ من الوسنِ)
سلّمَ عزلتَه إليها …
كانت غربتُها سوسنةً ذابلةً ونهاراً في ذاكرةِ نبتةٍ بريّةٍ
لم تأتِ قربَه … كانا هنا قبل أن يكونا …
وقبل أن يهدأَ البحرُ على ساحلٍ أعمى …
أسرفَ بابتكارِ النومِ لمرجانِ ثورتِه
ربّما …
كان هنا يحلُمُ بملائكةٍ من طين …
وبقصيدةٍ تطيرُ مع عصافير الغاباتِ وتنقرُ رأسَ فكرتِه الضائعة
في يديه يمسكُ خطوةً أسيرةً من تترٍ لا زالوا يُغنّون على بقايا معلّقاتِه السبع
لم ينمْ … مذ أجّلوا بكاءَ امرئ القيس
و مذ باعوا عَبْلةَ لعطشِ نملة
و مذ قالوا لأبي نواس : لا تسقِنا …
ومذ قالوا لكافورَ أنت أبيضُ والمتنبي أخرس
لم ينم … مذ نوم السيابِ الأخير
كان هنا …. يرسمُ أغنيةً بلا نهدين …
ثم يتجوّلُ في فراغِ إقبال من بويب الحزين
أيّها النهر لا تصدقْ ماءَ البحرِ …
فكلّما اتسعَ الأفقُ تسلّقتْ العاصفةُ ذهولَكَ
النهاياتُ ستأتي … تأكّدَ من كيدِ المسافةِ …
ولا تصافحْ موجةً عاريةً تسوقُها رياحُ الصدفةِ الباردة
(وجهٌ بلا لغةٍ يدنو فيغتربُ
بلا ملامحَ خلف الريحِ ينسكبُ
غافٍ على ندمِ المرآةِ من زمنٍ
لم يوقظُوه وما أحلامُه شطبُوا
وكان محضُ خيالٍ في ترقّبِهِ
ومحضُ ذكرى اذا ما الفجرُ يضطربُ
كانوا هنا غيرَ أنّ الليلَ حاصرَهُمْ
وحاولوا مسْكَهُ ، لكنّهُ الشهبُ)
أيها النائمُ في رئةِ الانتظار
الوحيدُ في براري اللغةِ الشاسعة
تقطفُكَ رائحة ُ أمّكَ من الصباحاتِ الحالمة
أنت هنا….أو هناك
لا فرقَ …لن يعترفَ البحرُ بذاكرتِك أو بحريّةِ أناملِكَ على رملِهِ المبلّلِ بحديقةِ انتظارِك
تُصلَبُ بلا قدّاس …كأيّ متهمٍ بريء
وعيناك تصلّيان وتبحثان عنكَ
تبحثان عن سرِّ الزهرةِ الوحيدةِ في البريّةِ الشاسعة
تلتفتُ نحو أقدامِك
أكلتْها الخطى على ضفافِ رحلاتِك
لا بأسَ …. ستنتصرُ عزلتُكَ يوماً ما
ستقولُ لكلِّ هذا الشحوب : ارحلْ…
أنا نبيّ هذا الفراغ …. وطنُ هذا المنفى …
فكلُّ شيءٍ … يبدو كما هو
أشعةُ الشمسِ المائلةِ … كنهرٍ نازلٍ من جبلٍ
ظلالُ أشجارِ الغابةِ البعيدةِ… ككهفٍ غامضٍ
الهدوءُ الرتيبِ الممزوجِ مع موسيقى الرياحِ…
كلحظةٍ سكونٍ مجنونةٍ
انتظرَ طويلاً وصولَ الموجةَ البريّةَ
كانت هناك…في مكانٍ ما
لم يأذنْ لها شيءٌ بانتهاكِ عزلتِهِ
لازالَ ينتظرُ أغانيه المصادرةَ من الريحِ والسكون
ينتظرُ… أن يهرولَ على صمتِ لياليه
وهو يسترقُ السمعَ لأغنياتٍ تأتي من بعيد
غريباً عن كلِّ شيء وفي كلٍّ شيء
نمتْ على قلبِهِ زهرةٌ بريّةٌ
وعلى قدميهِ قبّراتٌ رماديةٌ بتاجٍ ملكي
وعلى شفاههِ رغبةُ ماكندو بالزوال
لم يعد يرى – وهو يرى كلَّ شيء –
نورساً أبيضاً يتاجرُ بأمواجِهِ الهادئة0

لم نقتطع هذا النص على الرغم من طوله بالنسبة إلى غيره من النصوص؛ لما فيه من اشتغالات سرديّة بدأت بما أشرنا إليه قبل عرض النص، وتناوس فيه خطابان:
الأول: خارجي، أي وصف الشخصية من الخارج، من دون أنْ نتعرّف على شخصية الراوي، وهو في الشعر بصفة عامة، يكون الشاعر قد خاطب نفسه، وجعل منها شخصًا آخر، حيث يقف بالحياد منها ويُراقب ما يصدر منها من أفعال، وهو خطاب تقريري، يصف ولا يواجه الشخصية، إلا في بعض المواضع من النص، من قوله (أيها النائمُ في رئةِ الانتظار) فهو خطاب مباشر لهذه الشخصية وإنْ تبدّى عبر تحشيد الصفات الخابرة لهذه الشخصية.
الآخر: داخلي، حيث نجد استنطاقًا للشخصية، في خطابه للغيمة مثلاً، وجاء الشعر في المرّة الأولى على لسان هذه الشخصية بما يُترجم عن احتدام انفعالاته النفسية وما يراه أنْ يكون جديرًا به من مكانة، أما في المرّة الثانية، فقد جاء الشعر على لسان الشاعر (الراوي) بما يختصر رُؤيته عن هذا الشخص المجهول لقارئه، والمعروف لديه عبر مصفوفةٍ من الأوصاف التي تُنبئ بمكانته الكبيرة لديه.. وأرى – على نحو التأويل- أنّ الشاعر لم يُخاطب إلا نفسه، أو من يجد ذاته متجلّيةً فيه، وهي درجة من الاغتراب تبعث الشاعر على أنْ يستنطق ذاته ويحاورها كأنّها الصديق الوحيد الذي تبقّى لديه في هذا العالم.. في مشهدٍ يرسمهُ بإتقانٍ حفل بالأمكنة المفتوحة، التي من شأنها أنْ تبعث على دلالة التصريح عن مكبوت الذات، وهي أمكنة في ذات الشاعر، وليست خارجًا عن إطار كيانه، فقلبهُ “أماكن فارغة”، والتجوال لم يكن إلا في “سواحل رغباته”، ثمّ يُكمل مؤثّثات المشهد بما يتلائم والحالة النفسية التي يمرُّ بها ليأتي قوله ” صخورُ عينيه تقاومُ موجَ ذكرياتِهِ الصاخبة” وبموجب ذلك تكون الغيمة التي خاطبها، ليست إلا همومه المحوّمة فوق رأسه، وهي لم تأتِ اعتباطًا بل هي قدرُهُ اللازب، ومخاطبتها شعرًا ليس إلا تدويمًا وشرحًا للمأزق النفسي الذي ارتهن الشاعر إليه ساعة الكتابة. ثم تأخذ التفاصيل التي حكاها عنه بضمير الغائب، معبّرةً عن طموحه المتشظّية بين أحلامٍ ولّت هاربةً من جحيم واقعه المعيش، وهذا ما تشي به إحالاتهُ إلى امرئ القيس، وعبلة وأبي نؤاس، وصولاً إلى محنة المتنبي مع كافور، وإلى السياب وقصّة عشقه المُعلن لإقبال ونهره “بُويب”.. وقد أجاد الشاعر حين اختزل طموحه الكبير بطموح من استدعى أسماءهم من شعراء أسرفوا في أحلامهم، وصدّقوا أنّهم قادرون على إمساك ما يرغبون بتحقيقه، فضلاً عمّا يمثّله كلُّ واحدٍ من هؤلاء من مسلك شعريٍّ متفرّد، جعله نسيج وحده، وبهذا يكون أرق الشاعر متأتّيًا من خوف ما سيلقاه من مصيرٍ لمن مرّوا عجالى على ذاكرته.. فهو أرقُ العارف بالمصائر، والموقنُ بما سيؤول إليه من نهايةٍ.. ما جعله يُلقي وصاياه التي تؤذن برحيله عمّا حوله من أشياء، “أيها النهر، لا تصدّق ماء البحر… الخ” بما يُسيطر على النص تلك النزعة الدرامية، حين يغيب عنّا خيال الشاعر، ويبرز صوتُ الشاعر الرائي، فيراه عبر تلك الأبيات، غير ” وجهٌ بلا لغةٍ” “بلا ملامح” “غافٍ على ندم المرآة” “محض خيالٍ” “محض ذكرىً”.. تلك الصورة الغائمة التي لم تُفصح عن ملامح محدّدة لشخص، بقدر ما تختزل محنة رعيلٍ حملوا على أكتافهم أحلامًا وردية، تكسّرت على صخور الواقع. وليس من أملٍ يرتسمُ في أفقه، فلذا يُجيد الشاعر حين يصفه – بدلالة الجمع لما توصّلنا إليه- بأنه الشهاب المضيء للحظات في السماء سرعان ما ينطفئ، في قوله:
كانوا هنا غيرَ أنّ الليلَ حاصرَهُمْ وحاولوا مسْكَهُ ، لكنّهُ الشهبُ
ولذا كانت اللغة ميدانه الوحيد الذي ينام فيه مثل وحشٍ أسطوري يُذكّرنا بجلجامش قبل لقائه بصديقه “أنكيدو” يمضي إلى مبتغاه المبعثر بين حلمٍ ينساق إليه بتصميم، وبين عبثيةٍ مشوبةٍ بصعلكة، تجعله يبحث عن ” عن سرِّ الزهرةِ الوحيدةِ في البريّةِ الشاسعة”، ويكتمل مشهد الطبيعة الصاخبة بين أشعة شمس مائلة ونهرٍ نازلٍ من جبل وظلال أشجار غابةٍ بعيدة، وهدوء ممتزج بموسيقى رياح، كل تلك المشاهد تبعث على انتماء الشاعر للطبيعة المكشوفة، التي تُفصح بكل تفاصيلها عن رفضها أنْ تكون مطواعةً للآخر، فهي بصمودها التكويني باقيةٌ، ولن تتغيّر، وهذا ما يهتزّ له الشاعر من أعماقه، حين يُراد له أنْ يكون على غير طبيعته.. وأخيرًا جاء المكان المتخيّل “ماكندو” بدلالتها السيميائية الرامزة إلى تحقيق أحلام “ماركيز” في رائعته “مائة عام من العزلة” ليختم رغباته المنهارة على شفا جرف اغترابه النفسيّ.
وقد أجدُ تسريباتٍ لفحوى تلك المضامين التي عرضتُها فيما سبق، حين أقرأ نص “فراشات مهرّبة”، ولعلّي أزعمُ أنّه يمثّل تكملةً للنص السابق، حيث بدأ بصوت الواعظ لذلك الشاعر المنسجم وطموحاته المنفلتة من بين أصابعه.. والمُتّجه إلى مجهولٍ بيقين الشعراء السالفين.. ومثل هذا الشاعر قد لا يلتفت إلى صوت الواعظ، ولكنه على أيّ حال، يعبّر عن صراعٍ داخلي يعتمل في ذاته، وهو صوتٌ متذبذب بين بين الأمل وبين الألم، حين يُخبره:
خذْ بيدِكَ المعنى الى بساطتِهِ …
لا تجعلْهُ يضيعُ بين نباتاتِ الوحل…
وبين صوتٍ آخر ينقلب فجأةً، إلى ما فيه تبصير بالمآلات الموحشة:
وستمطرُكَ القصائدُ ببدائيةٍ على يبابِ التاريخِ المؤجّلِ
محنّطًا بدمعٍ يفتحُ النوافذَ للغياب
ومحمّلاً ببكاءٍ يهدّ أسوارَ السماءِ
وتنساب جُمل النص، بهذه التراجيدية الحزينة، تصف تارةً على نحو الإخبار، وتوصي بحرص وأناة أنْ يكون المُخاطب بعيدًا عن كل ما يُسبب أذىً للآخرين تارةً أخرى، فتُتيح له فرصة أنْ يتأمّل ما حوله من كائنات علّها تمنحها فرصةً لإعادة النظر فيما شدّ إليه من رحال للغربة التي يجد كينونته متحققّةً في مرافئها..
تأمّلْ ابتسامةَ الفراشاتِ المهرّبةِ من الربيع
الفراشاتُ التي بعثرتها الحروبُ
وسرْ بجانبِ نهارِ الأمنياتِ… ولا تنتظرْ وردةَ اللغةِ على الضفاف
سرْ إليها…
وغيرها من انثيالات رمزية قامت عليها جميع نصوص المجموعة، بما يُثبت اقتداره على “تكثيف شديد للمعاني والأفكار والعواطف في لغةٍ مصوّرة خصبة، تُلقي ضفائر ظلالٍ ساجية على الأزمة الداخلية التي يُعاني منها الشاعر، وعندما نتلمّس مفاتيح الرموز تنفجر شحنات الرؤية الشعرية مرايًا لا تًحصى” [تحليل النص الأدبي بين النظرية والتطبيق، محمد عبد الغني المصري: 38] ولغةُ الشاعر في مُجمل نصوصه النثرية والشعرية، تتصف بالإيحاء والتكثيف، إذ “تحمل صورًا جديدة ليس فيها الوضوح كله ولا الغموض كله، إنما فيها القدرة على الإيحاء من خلال تلميحات ذكية وعبر صور تخاطب الوجدان” [قصيدة النثر – دراسة: 63] إذ تشتبك الاستعارات مع بعضها البعض، وتتوالد الصور من خاصرة ما قبلها من صور، قد يكون نص (الزمن الثقيل) صالحًا للاستشهاد بما مهّدنا إليه، وهو:
زهور الشعر تستيقظ في الصباح
بينما…رئة الأرض
تشمّ رائحة الزمن المسافر
وعند انعطافة الخريف…….
يتبوّل عصفور الزمن
في فم الجداول الصاخبة
فكيف تلد اللحظات…….أولادها المطيعين !!؟
أم كيف تفسّر النجمة …..أنوثتها للسماء !!؟
وكيف يغنّي القصب…….للماء !!؟
أدرك هذا….
وقوة الشعر تسحق قلبي
يا أيتها الدمعة الناعمة
يا تهويمةً مطلقة في فضاء الليل
يا وجهاً مليئاً بالطحالب
يا بريقا ….مثل سعفة مبلّلة بالندى
آهٍ………من حزنك البارد
يلفّ السنين بالثلج
كأنّني – أستميحك عذراً –
أتسلّل إلى عذريتك
ليتني لم أستطع ذلك .

وفيها يظهر الشاعر متثاقلاً من زمنه، حيث تمضي الدقائق والساعات، ويرثي رحيل الربيع من الطبيعة، ولا يبقى غير الخريف مؤذنًا بارتحال الحيوية والنشاط من كلِّ ما حوله، فيأتي البرد، ليكسو بثلجه من تبلّد من لحظات، وتُضفي عبارات الاستفهام عن حيرةٍ أو استنكار لما يُستلبُ منه ويُطالب به في الوقت نفسه، وهو احتجاج منطقي يعبّر عن صرخة العقل والفطرة لما يجده غير منسجم والطبيعة التي ينتمي إليها. وهو نصٌ مكثّف بالصور، ما جعله يختزل كثيرًا من التفاصيل، وهذا الأسلوب هو السمت العام لمن يسير في جادّة قصيدة النثر، التي راهنت على شعريّة الصورة في تضاعيفها مقابل تخلّصها من قيد الوزن والقافية.
وبإمكان أنْ نجد شواهد أخر، تكشف مقدار الانزياحات البيانية التي اشتغل الشاعر لا في نصوصه من قصيدة النثر فحسب، بل حتى في نصوصه العمودية المبثوثة في هذه المجموعة وفيما سبقها أيضًا، ومن ذلك قوله في (رماد هواجس)
وقبيلةُ الأهواءِ تعلنُ حربها
وجِمالُ صحراءِ النفوسِ تحوّرُ
فالموتُ خارطةُ الوضوحِ وخوذةٌ
للحرب في رأسِ الفناءِ تُزمجرُ
والناسُ من ضحك الدماء تضاحكتْ
وبكلِّ قلبٍ مستباحٍ خنجرُ
فالنأيُ عن وطنِ البنفسجِ محنةٌ
والشعرُ في قلقِ الأناملِ ينحرُ
وقصيدةٌ ظمأى تلوكُ حصارَها
وسماؤها بالجوعِ دوماً تمطرُ
في يقظةِ الغزوِ اللقيطِ بناتُها
يبكينَ من وأدٍ وهنّ الحوّرُ
كمسافرٍ والدربُ سربٌ من منى
وجناحُه وسنٌ وحلمٌ أخضرُ
وكتابُه ريحٌ ويقرأُ بالندى
والفجرُ في بلدِ الشموسِ مبعثرُ
وأجدُ أنّ التغريب في الاستعارات – على الرغم من إكثار الشاعر من توابلها- تبعث على حيويّة النص، بما يرفع رصيده من حيث التلقّي، قد تصل إلى حدّ إساءة القراءة، وهو لوحده يعدُّ لدى شعراء الحداثة مطلبًا مهمًّا، حين يكون الشاعر عند سوء ظنّ القارئ بما يفترعه من صور تُشتّت الدلالة الكلية للنص، وتُربك اتّزان القارئ، وبهذا الاحتراف في إزجاء الصور المكثّفة عبر أوردة النص الشعري، يكون الشاعر قد حقّق ما تصبو إليه الرؤية الحداثوية للشعر التي تماهت وفكرة “بودلير” بقوله: “شيئان يتطلّبهما الشعر: مقدارٌ من التنسيق والتأليف ومقدارٌ من الروح الإيحائيّ أو الغموض يشبه مجرىً خفيًّا لفكرةٍ غير ظاهرةٍ ولا محدودة. والشعر الزائف هو الذي يتضمّن إفراطًا في التعبير عن المعنى، بدلاً من عرضه بصورة مبرقعة، وبهذا يتحوّلُ الشعرُ إلى نثر” [الرمزية في الأدب العربي، درويش الجندي: 106]. وفي النص تجد ثمّة تراكيب مثل (قبيلة الأهواء، صحراء النفوس، الموت خارطة الوضوح، رأس الفناء، ضحك الدماء، وطن البنفسج، قلق الأنامل، قصيدة ظمأى تلوك حصارها، وسماؤها بالجوع تمطر، .. الخ) تُعلن غرائبيّتها بصراحة، وتدفع القارئ أنْ يُعيد النظر في قاعدة بياناته النمطية، وإلا لا يمكن أنْ يقبض على أثرٍ من دلالة النص، ولعل هذا التغريب ليس مقصورًا على الشعر فحسب، بل مجمل الفنون التي يُراهن بقاؤها على “إبداع علاقة، من توليد حركة تتجادل فيها العمومية وخصوصية الرؤية أو خصوصية اللحظة، الواقع الراهن والواقع الممكن، صورة الشيء الحيادية والصورة الحُلمية الإنسانية” [حركية الإبداع، خالدة سعيد: 12]. وهكذا تتوالد الصور ويتناسل بعضها من بعضٍ في أي نصٍ شعريٍ في هذه المجموعة، ولنأخذ مثلاً على ذلك بعض ما ورد في نصه (من أمنيات الماء) قوله منها:
صلّى على طينِ الدعاءِ مُرتّلاً إيمانُ لحنِ الناي سراً يشهقُ
..نامتْ على ضفتيهِ عينُ قصائدي مطراً حريريّ النعاسِ ويعشقُ
..في ليلهِ كمُل اللقاءُ وأشرقتْ مدنُ المآذنِ في سمائِهِ تخفقُ
فضفائرُ النعناعِ تزهرُ دجلةً وكرومُ ظلِّ الماءِ عينٌ تبرقُ
وسماءُ ليلِ النخلِ لونُ فراتِهِ كقصيدةٍ سمراءَ صمتاً تنطقُ
ففيها من الصور المُؤدّاة عبر الاستعارة التخييلية ما يبعث على دهشة القارئ في تلقّيها، وهي بعد ذلك ليست يسيرةً في الوصول إلى مراد الشاعر، ما يضطرُّه – أي المتلقّي- في الوقوفِ مليًّا، لتفكيك ما تحمله هذه الصور، وإلى ماذا تؤدّي إليه من دلالة، وليس مبعثُ ذلك إلا الخيال الذي يجمع بين أمورٍ متباعدة كلّ التباعد فيجرّدها من كلّ صلة لها بالواقع، ويربط بينها بوصفها محسوساتٍ وبين الخيال في سياقٍ واحد، وهي صور على الرغم من رجوع بعضها إلى مدرك الحسّ “العين” حين تُعاد إلى عناصرها الأولية، لكنها مع ذلك لم تصادفها بحسب التراكيب التي وردت فيها، فهي من إنتاج الخيال القائم على الحرية الإبداعية المطلقة. وهذا ما يُسمّيه بعض النُقّاد بـ”اللاواقعية الحسية” التي تعدّ من أهم خصائص الشعر العربي الحديث. [ينظر: لغة الشعر العربي الحديث مقوماتها الفنية وطاقاتها الإبداعية، السعيد الورقي: 99]. وكثيرةٌ هي الشواهد الشعرية والنثرية التي تستوقف القارئ في هذه المجموعة، بما بيّناه آنفًا من استثمار للطاقة التخييلية في استيلاد الصور وإبداعها.
وليس هذا فحسب، بل يُضاف إلى ما ذكرنا ضرورة أنْ يكون الشاعر منطلقًا في تجربته الشعرية من وعيٍ بمرحلته الزمنية التي يعيش إفرازاتها سياسيًا واجتماعيًا وسياسيًا وفنيًا، ومستوعبًا تراثه الأدبي والفكري والتاريخي بما يُضفي على نصوصه صدق انتمائه، وأصالة الخطاب الذي يصدر عنه في نصوصه الشعرية.
يبقى هنا لدينا أمران، لا بدّ من الإشارة إليهما ونحن نتّجه صوب ختام هذه الدراسة، تتعلّق الأولى بالمضمون، وهذا ما يمكن أنْ يُتيح لنا الحديث عن العلامة وتفريعاتها في الدرس السيميائي، لكن من باب الإيجاز، أقول: إنه لا يختلف أحد على أهمية العنوانات للنصوص الشعرية وما تُحيل إليه من دلالات رامزة لما قرّ عند الشاعر أولاً بوصفه منشئ النص، ومُطلقه في سديم التلقّي، وعند الطرف الآخر ألا وهو القارئ بوصفه مُشاركًا في عملية إنتاج المعنى للنص بصفة عامة، وهنا أبدأ بالوقوف على عنوان المجموعة (يقظة النعناع) وهو عنوان إحدى القصائد التي بثّها في المجموعة، التي بدأت بقوله:
أنا رحيلُكَ نحوي فاقترفْ وصْلا وعبّءْ الشوقَ بالغيماتِ مبتلّا
وازرعْ على شفتي ناياً لقنطرةٍ من لحنِها شابَ نهرٌ فاستوى كهْلا
.. الخ الأبيات [ص 23 – 25] ولعلّها من أكثر القصائد التي أجدُ فيها ما لا أجدهُ في قصائد هذه المجموعة، من تجلٍ لنزعةٍ روحية أقرب ما تكون مُصاقبةً إلى أجواء التصوّف والهيمان الروحي، مثل قوله في أواخر القصيدة:
لاذتْ بقربِ ليالي الصمتِ نجمتُهُ كأنّ كلَّ كلامِ الروحِ لا يُبلى
وحيٌ من الألقِ الصوفيَّ يسكنهُ مهدّداً بالبقاءِ المرِّ مُعتلاّ
من كأسِه شرب التفاحُ خمرتَه وأسْكَرَ الوردةَ العذراءَ والنحْلا
وتيمّ الماءَ حتى صارَ أنهرَهُ وأوْجعَ الليلَ في ناياتِه السفلى
يتحدّث الشاعر فيها عن نفسه، وربّما عن آخرٍ مجهول لدى القارئ، فيرسم ملامحه بدقّة، وكأنّه نحّات ماهر، متناوبًا بين الخارج العام والداخل النفسي الخاص بمكنون هذه الشخصية، وظاهرًا نجد في هذه الشخصية ما يُلفت القارئ ويجذب انتباهه، فالصمتُ سمةٌ لازبةٌ لهذا الموصوف، وهو – أي الصمت- دومًا ما يقف عائقًا لمعرفة الآخر، بخلاف الكلام، ولعل قول الإمام علي (ع) “تكلّموا تُعرفوا..” يُشير إلى هذا المعنى بوضوح، ثم يغطس الشاعر إلى أعماق هذه الشخصية، فيجده مسكونًا بألق المتصوّفة، ومن دار في فلكهم يتيقّن بما أخبر عنه بأنّه مهدّدٌ بهذا الصخب المحيط، وهو بعد ذلك شخصٌ شاعريُّ الإحساس، يترك أثره السحريّ فيما حوله من كائنات تنتمي إلى حقل الطبيعة الصامتة والمتحركة، وكأنها تطمح بالاندماج فيه، وبهذا يكون هذا النصُّ مفارقًا لما عرضه لنا الشاعر في نصوصه الأُخر، حين كانت شخوصه المتخيّلة تسعى لأن تكون جزءًا من الطبيعة، وهي حالة من التوحُّد يسعى إليها العاشقون بصفة عامة ومن انخرط في سلك الرهبنة بأسماء عدّة لا نريد الجزم بتحديد أحدها، فهذا ليس من شأن الباحث، لكن ما أريد تأشير أهمّيته هو أنّ عنوان القصيدة كان منتزعًا من أحد أبيات القصيدة، وهو:
فنام في يقظةِ النعناعِ أغنيةً تهزُّ مهدَ رؤاهُ أينما صلّى
ولو تتبعّنا عنوانات نصوصه، كانت كلُّها على هذا النحو، من انتزاعٍ لعنواناتها من أحد الأبياتٍ التي تردُ في تضاعيفها، بدءًا من قصيدته (بياض الياس) في الحشد الشعبي، التي جاء في ضمن أحد أبياتها:
إذ هم بياضُ الياسِ شاطئُ عنبرٍ كفٌّ تلوّحُ أن نكونَ كما وفوا
وهكذا تجد عدةً من قصائده انتُزع عنوانها من أحد التراكيب الواردة في ضمنها، فنصّه الشعريّ (أرض القصائد) جاء ممّا ورد في أحد الأبيات وهو:
أرض القصائد ما زالت تؤرِّقني آتٍ أحرّرها (إن كنت جاهلتي)
وما بين قوسين، هو جزءٌ من اقتباسٍ محرّف لبيت عنترة الشهير:
هَلّا سَأَلْتِ الْخَيْلَ يَا ابْنَةَ مَالِكٍ إِنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي
وهكذا في عنوان نصه الآخر (وجه الريح) إذ يرد ما يُحيل إليه في مطلعه:
للريحِ وجهُ دمي للريح أحلامي.. الخ
وهذه الإحالات المباشرة في عنوانات نصوصه لم تكن حصرًا في شعره ذي الشطرين، بل حتى في قصائد النثر، فمثلاً نصه (رائحة الطين) يقول في ضمنها: (وتسرقُ رائحةَ الطينِ من ذاكرتي)، وقد تأتي بعض عنواناته مستوحاة من دلالة النص بصورة كلّية مثل عنوان قصيدته النثرية (ما تساقط من مائدة الرثاء) فليس ثمّة إحالة مباشرة لهذا العنوان، أو بعض تلك العنوانات يأتي على نحو التعريف، وكأنّ النصّ سيرةٌ موجزةٌ يعرِّف بذلك العنوان، وهذا ما نجده في نصِّه المعنون بـ(شجرة) الذي أوجزَ فيه عنها بقوله:
وحدها …
تعانقُ الريحَ
في صحرائِها العانس
تكتبُ ذكرياتِها
بحضور الشمس
عن ثمرِها الساحر
الذي غيّبَ الجنَّ
في متاهات المسافرين
وحدها…
تنامُ في الليل
وحولها رمالُ الخطيئة
يشبُهها ظلّها
وهي تموت…
في انتظار قطرات المطر
لا سماءَ تراها
ولا غيمةً تمرّ من فوقها
ولا أحدَ ينام تحت ظلّها
الذي بدأ ينحسر
فلم تأتِ في جميع النص كلمة (شجرة) ولكنّه أخذ يصفها طوليًا وعرضيًا، ولعلّ من يتأمّل النص، يقطع بأنّ دلالته لا تُحيل إلى شجرة بالمعنى الحقيقي، بل إلى شجرةٍ متخيّلة في ذهن الشاعر، أو جعلها استعارةً لشيءٍ آخر قد لا تدركه المحسوسات، بقدر ما نتصوّر ملامحه في أوهامنا، مثل تلك الأوصاف التي ذكرتها “ريتنا دوميلا” المخلوقة التي أحبّها “باتاجورا” – في الأسطورة الأندونيسيّة- لنبات الرز، وهو بعد لم يُخلق، وجعلت الحصول عليه شرطًا لقبولها الزواج من خالقها.
وبصفة عامة، أرى أنّ الصياغة الحداثوية لعنوانات النصوص هي التي يصوغها الشاعر مستوحاةً ممّا استجمعه من دلالةٍ أفرغها في هذا النص، الأمر الذي يدعو متلقّيه أنْ يجعل ذلك العنوان قنديلاً يُضيء له ما توارى في زوايا النص، وهو بالنتيجة يرفع من رصيد الخطاب الشعري الذي يُراهن على إيصال رسالته بطريقة ذكيّة تلمّح ولا تصرِّح، وتوجز ولا تفصِّل حتى في إحالة العنوان إلى دلالة النصِّ الكلّية.
وفي عُجالة نقف عند البُعد الموسيقي في نصوص المجموعة، فلم تخرج القصائد ذات الشطرين عن الأفق المرسوم لها عروضيًا، وقد حضر بحر الكامل والبسيط بصورة واضحة في نصوص المجموعة، أما الوافر فقد جاء في قصيدة واحدة وهي بعنوان (غيابُ حلمِ الخطى)، ولعلّ الشاعر يميل إلى الكتابة بصفة عامة وفق هدي هذه البحور التي يُمكن أنْ نُطلق عليها “السمت العام” لأكثر شعراء العربية، فلا تجد شاعرًا إلا وقد امتطى صهوة هذه البحور. حتى يُمكن القول: إنَّ الكثرة الكاثرة من الشعراء الذين أجادوا في هذه البحور نظمًا، جعل بعضهم يتوسّل البحور النادرة كالمنسرح أو المديد وتطويعها في تجربتهم الشعرية، ليُبرز مدى إمكانيته الموسيقية فضلاً عن إجادته الجانب المضموني من ابتكار الصور والتجريب في موضوعات غير مستهلكة فيما سبق. وقد لا يؤاخذ الشاعر – أيّ شاعر- بدرجة كبيرة على ما تعرّضنا إليه، إنّما تكون المؤاخذة فيما عرضناه من إجادته لابتكار الصور، وتمكّنه من فنِّه الشعريِّ لغةً تتجلّى باستيعابه التراث، مع اختياره منها ما يتناسب والراهن المعيش من مفردات العصر، مع تنوّعه في طرق موضوعات عصريّة لها مسيس العلاقة بإشكالات الواقع، بل أكثر من ذلك حين يؤدّي بعض الموضوعات التقليدية من رثاءٍ أو مدح بأسلوب ينأى عن النمط التقليدي، وفقًا لوعي الشاعر وحرصه على أنْ تكون نصوصه أكثر إدهاشًا بين يدي متلقّيه. وهذا ما يُمكن أنْ نؤشّره في قصيدته (وجه الريح) التي تدخل ضمن قصائد مدح آل النبي (ص) ولكن برؤية ولغةٍ تخلّت كثيرًا عن أسمال الماضي رؤيةً وأسلوبًا في الغرض نفسه.
يبقى ممّا أجدهُ يُشكّل ملحظًا عروضيًا في أبيات أكثر من قصيدة، وهو ما يُمكن أنْ أصفه بـ”الاختناق الصوتي” ويكون حين تأتي الكلمة فضفاضةً بحركة أو حركتين تزيد على حركات التفعيلة المقرّر لها، فيضطرُّ الذي يقرأ البيت من قطع حركة الحرف مراعيًا حركة التفعيلة، وهذا ما يُمكن أنْ يُؤاخذ به شاعرٌ بقامة الدكتور أحمد الخيال، ويمكن أنْ نؤشّر ذلك في أبيات عدّة منها قوله:
وطنٌ كصومِ الأنبياءِ مُطهّرٌ يغفو على قصبِ ابتهالِهِ زورقُ
فكلمة (ابتهاله) لا يُمكن أنْ تُقرأ بتمام حركات أواخر حروفها، فيضطرّ من يقرأ البيت إلى قطع امتداد حركة الضمير (الهاء) بتخفيفه نُطقًا. ولا يمكن في هذه الحالة إشباعُها كونها ليست في آخر البيت مثل حركة القاف في (زورقُ). وهكذا تجد مثلَ هذه الظاهرة في الأبيات الآتية:
العشقُ تاريخُ انتصارِ فصولِهِ لا ليلَ الا من نهارِهِ يعبقُ
وطني عراقُ الحزن ريحهُ عنبرٌ همساً بسمعِ القلبِ لحنُهُ يطرقُ
وجهي حَضارةُ أدمعي، أصطافهُ وأغنّي اطلالاً بصيفِ أهلّتي
فكلٌّ من الكلمات: (نهاره) (ريحه) (لحنه) (أغنّي) ينطبق عليها ما لحظناه أعلاه من خنق امتداد حركة آخر الحرف، التزامًا بحركة التفعيلة التي على وفقها تكون حركات الكلام في البيت الشعري، وخلافُ هذه الظاهرة قد نجدهُ أيضًا في بعض الأبيات من شعر الخيال، وقد وردت بنسبة أقل، حين نقرأ بعض الكلمات التي من حقِّها أنْ تُخفّف لأجل مراعاتها نحويًا، مثل قوله:
يأتي ولم يأتِ فكلّ مسافةٍ مهما يحاولُها تباعدُ خطوتي
فكلمة (يأتِ) لا يُمكن أنْ تُشبع حركتها (الكسرة) إلى حرف (الياء) لأنّها مجزومة بـ(لم) والكسرة دلالة على الياء المحذوفة، لكنّك حين تقرأ البيت تجد لسانك مضطرًّا لإشباع الكسرة ياءً لتطويعه مع حركة التفعيلة (متْفاعلن) والملاحظة نفسُها تجدها في نطق (لم ألتقِ) في قوله:
لم ألتقِ درباً وأمنعُ خافقي أن يحتويه وفي السنابكِ أضفرُ
في حين كان يُفترض أنْ تنطق حركة التاء من (يأتِ) والقاف من (ألتقِ) مخفّفةً لمراعاة موقعها الإعرابيّ، الأمر الذي يُفترض بالشاعر أنْ يُعيد النظر فيه وهو قادرٌ على ذلك بلا ريب.
وختامًا نقول: ليس من شاعرٍ إلا وله من الحُسنى نصيبٌ يحصده فيما أوتِي من إجادةٍ لصنعته، في الوقتِ الذي نؤمنُ فيه أنّه لا يُمكن لشاعرٍ أنْ يسلم من مؤاخذات لا تغضُّ من مكانته الشعرية، بقدر ما تكون ملاحظات لآخرين يضعونها نُصب أعينهم، فيستفيد اللاحق من السابق وهكذا تتمّ دورة الحياة، بالاستفادة والإفادة، وإلى هذا السبيل ينتمي كلُّ أديبٍ ومتأدّبٍ كائنًا ما كان مقام أحدهم في عدلٍ وإنصاف؛ تثمينًا لقيمة الأدب بوصفه أحد مسارب الفكر الإنساني.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : سريالية القص في “مريم البلقاء” للقاص علي السباعي .

صور عفوية بتقنية قصصية وبأسلوب يخرج عن المألوف على طريقة السورياليين بهواجسهم في ما يتعلق …

| مهند النابلسي : جزيرة الكلاب” لـ”ويس أندرسون”: تحريك تجريبي مجازي آخاذ…(Isle of Dogs 2018).. فانتازيا تحريكية فريدة وطريفة تناقش مواضيع القمع والفساد والبيئة وتضافر مقاومة “الكلاب المضطهدة البائسة” الناطقة مع تعاطف المراهقين الشجعان! .

*استهلال: فيلم خيالي تحريكي حول الكلاب التائهة “المنبوذة” الناطقة في اليابان، يمثل انعكاسا واسقاطا مجازيا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *