تابعنا على فيسبوك وتويتر

تشظي الكتابة الغارقة بالتعقيد ، واستغفال القارئ
سعد الساعدي ..

لماذا نكتب ولمن ؟ هل الغاية معرفية ونشر ثقافة معينة؟ أين يكمن خلل الكاتب ؟ ماهي أقصر الطرق لوصول رسالة الكاتب ؟
من مجموع هذه الاسئلة ، وبمدخل مختصر الى موضوع أصبح من الضروري الالتفات اليه ، يمكن الوقوف عند حقيقة غزت مساحات الكتابة بشكل ملفت للنظر ، وهي زجّ مفردات غريبة في بعض القراءات والدراسات النقدية ممن يدّعون أنهم نقاد وكتاب .
لم يكن دافعي لكتابة هذا الموضوع وليد الصدفة ، فقد كتبت سابقا عنه ضمناً بشكل مختلف وتحت عنوان : ارحموا القارئ أيّها الكتّاب ؛ لكن الدافع الأهم كان حين قرأت قراءة نقدية لشخص يعد نفسه من النقاد وهو يتناول قصيدة شعرية بالشرح والتفصيل .. كانت كلمات القصيدة بمنتهى العذوبة والوضوح والبيان الناصع ، لكن نقدها جاء بطريقة لا هي فلسفية ، ولا لسانية ولا تفكيكية ، ولا تحمل أية صورة واضحة ، وبالتالي ، ووفق منظور علم الاتصال الجماهيري فان تلك القراءة أو الرسالة فاشلة ، لانها لم تفِ بالغرض الاول منها ، وهو الوصول بوضوحٍ مفهومٍ للمتلقي القارئ .
وانا كغيري من القراء لم افهم ما المقصود من كلمات خرجت عن الموضوع بشكل تام ، والتي زجّها الكاتب بقوة شرسة لم أعرف لماذا ، فكلمات مثل : (الماوراءآتية ، الميتا استقرابنائية ، التطبيقاناتية ، السردوشعرانية ) وغيرها ممن نسيتها تشتت المتلقي بالقدر الذي يجب أن يفهما وهو يقراً الكشف عن القصيدة ، ورفع الغطاء عن مكنونات جوهرها أو اخطائها كغرض أصيل يتبناه الناقد .
ولكي أكون منصفاً مع نفسي ، ومع من كتب تلك العبارات ، ارسلت بمقطع منها لصديق روائي ناقد، وطلبت منه قراءتها واعلامي ما المقصود والمفهوم .. ردّ عليّ مستغرباً بسؤال : هل تريد اختباري ، أم انك تتفلسف بكلماتك هذه التي لم أفهم مقصدها ؟ ظنّ صاحبي أن تلك الكلمات منّي ، لكنني طمأنته بكلمة لا ، إنها ليست لي .
هذا ناقد لم يفهم ما أراده ذلك الكاتب ، فكيف بقارئ بسيط يهوى القراءة لكنه لا يهوى وصف العقد النفسية الكلامية ، ولعله يسأل كما اتساءل : ما هي وظيفة الناقد، هل الاسترسال بكلمات شاذة معقدة ، ام اضافة صور فنية جميلة على النص الموضوع فوق طاولة التشريح إن كان يستحق ؟
المشكلة الان فيما نراه من كتابات كثيرة هو التأثر شبه التام بالمصطلحات الغربية المبعثرة هنا وهناك ، واثراء الذاكرة بخزين هائل منها يُجمع فيها ، اضافة الى ليّ الكلمات بعنف، لاستخراج مصطلح جديد يبدو لمن كتبه انه وصل به الى ذروة المعالي حين يتصدع رأس من يقرأه ، ليعود أخيراً يفسر الكلمة بمعناها مستخرجاً ذلك من معاجم اللغة كتحليل ودراسة للنص الذي أمامه ، ومن المؤكد أن النقد الأدبي الغربي تختلف اسقاطاته جبراً على أدبنا العربي الذي يجب أن يتخذ له سبيلاً مغايراً في الشكل والمضمون من خلال نظرية نقدية عربية خاصة بنا وبلغتنا .
قال صديق ذات يوم حين وصلنا بالكلام الى ما يشبه هذه القصة : إن امثال هؤلاء لا يبغون بكتاباتهم إلاّ استعراض العضلات ، والإيحاء ، أو التأكيد على أن لا أحد يجاريهم فيما يكتبون حسب قوله . قد تكون هذه حقيقة لا نعرفها ، أو هناك حقائق خفيت علينا لا يعرفها إلاّ أصحاب تلك القراءات ، مضافاً الى أن بعضهم أضاف شيئاً آخر وهو الحروف المتقطعة كدلالات على تحليل النص ، وأحياناً باللغة الاجنبية ، مع بعض الارقام كمعادلات رياضية اثباتية لما يقول ..!
إن كانت رسالة الكاتب ( كاتب النص ) الشعري أو النثري تحمل بعض الغموض برمزية يرتئيها هو فقد يكون معذوراً لأسباب شتى ، منها حماية نفسه من بطش الغاشمين ، ربما ، أو استخدام تورية خاصة كأسلوب بلاغي ، ولكن من يأتي كناقد ويزيد الغموض غموضاً ، والحيرة قلقاً ، و الظلام عتمة ، فهذا يعني الخروج عن المعقول لإيقاع القارئ في مستنقع الوهم ، وعدم فهم ما موجود أمامه ، والبحث عن مرسل آخر لرسالة اعلامية تختلف ، كي لا يضيع وقته وجهده ، ومن هنا أيضاً ضياع هدف كاتب النص الاول فيما أراده من نشر معرفة تنويرية أو عامة بكل المقاييس .
لن أغيّر من شيء ربما في كتابتي لهذا الموضوع ، وقد يستهجنه من يكتب بالطريقة التي لا هي ميتافيزيقية (اريد ان اتفلسف قليلاً ) ولا هي فكرية ، ولا هي إمتاعية واعية ، بل مجرد سفسطة مضروبة في نفسها عشرة أضعاف ؛ هذا اذا تذكّرنا ولم ننسَ كثرة الاخطاء الإملائية والنحوية التي يكتبها من يقول انه ناقد . لكن المؤكد الحقيقي ، هو وجوب معرفة لمن نكتب ، وماذا نكتب ، وكيف نكتب ، ولماذا نكتب وما هو الغرض من الكتابة؟ وإلاّ يكون ترك القلم في راحة أفضل بكثير .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"