تابعنا على فيسبوك وتويتر

رواية / نزف المسافات

صالح البياتي

الفصل الثاني / ح 3

جسر غزيلة *

  عاهدت نفسي أن اعرف حقيقة نبوءة العراف، برؤية الجسر الذي ستصل الدماء تحته الى ركاب الخيال، حينما تحدم معارك طاحنة في محيطه، والشيء الآخر أن أزور الكنزبرا* زهرون، أب صديقي الدكتور هلال، قبل السفر الى بغداد لعلاج امي، ولما كان امام جامع النجارين قد حسم رأيه، فقال كذب المنجمون وإن صدقوا، لذا حزمت أمري للذهاب لمسرح النبوءة، المكان (جسر غزيله)، عسى أن أستطيع فك اللغز المحير لتلك النبوءة، التي يعتقد بها الكثير من الناس هذه  الأيام.

  مصدرها عراف مندائي،ارتبطت طقوس قومه منذ القدم، بالمياه الجارية (يردنا)، شيدوا بيوتهم بانسجام وعلاقة حميمة مع نهرالكحلاء الذي يجري بمحاذاتها.

   تصطف بيوت الجوار، منكفئة على نفسها، تحتمي ببعضها، تحجب أفنيتها الداخلية، ستائر قماشية طويلة، تنسدل وراء الأبواب الخشبية القديمة، لتستر القاطنين عن أعين المتطفلين والمتلصصين، ولكن عندما تحركها الريح المتسللة من شقوق الأبواب، أو يزيحها جانباً احد الداخليين اليها او الخارجين منها، تكشف عن مجازات ضيقة؛ تفضي الى باحات مكشوفة للسماء مباشرة. بيوت كئيبة، مطبقة على ساكنيها، عمياء بلا عيون، تطل على الزقاق المترب، كان الأولاد يهربون من حرارة الصيف اللاهبة، بالسباحة في النهر، أو اللهو في حديقة البلدية، المغروسة بأشجار اليوكالبتوس، وأسيجة الآس القصيرة المشذبة، ومساكب أزهار الجعفري وعرف الديك وحلق السبع، وعباد الشمس، والقرنفل والجوري.

  في صباح يوم  ربيعي دافئ، قضيت شطراً منه في البيت أتحدث مع أمي حول تفاصيل السفر الى بغداد، في البداية رفضت، قالت انها لا تريد الذهاب الى أي مكان، لكنها اقتنعت اخيرا، بعد ان قلت لها بأني استأجرت شقة صغيرة في مدينة الكاظمية، وقريبة من باب المراد، فتمتمت بكلمات لم أسمعها، وقلت لها اني أخبرت عمتي فطم بموعد وصولنا، ارتحت أخيراً لموافقتها، وبعد الظهر جاءت أم سعيد لزيارتنا تحمل طعام الغداء، اكتفيت بشيء قليل، وخرجت انتظر السيارة التي استأجرتها للذهاب الى جسر غزيله، جاء السائق، صعدت بجانبه، وبعد أن عبرنا نهري الكحلاء والمشرح، انطلقنا على الطريق الترابي، تساءل باسما ان كنت من المصدقين بنبوءة العراف! لم اجبه على سؤاله مباشرة، ولكني ابديت له رغبتي بزيارة المكان، خاصة ان الربيع اثار في نفسي لذكريات قديمة هناك، ايام الرحلات المدرسية لمنطقة الفكة الحدودية، كانت الطبيعة فيها ساحرة. فقال السائق:

”  تغيرت الآن، ليس فيها شيء يذكرك بالماضي.”

  وصلنا المكان، ترجل السائق ومشى قليلاً، ثم اختفى في حفرة ليقضي حاجته، نزلت وانتصبت كشاخص وسط أرض منبسطة، نظرت حولي كأني أبحث عن شيء مفقود في تلك البرية الواسعة، أحاطت بي دائرة الأفق، كخيمة غطت المكان، شعرت بان قدراً محتوماً يحبس الأرض والمخلوقات، يحيط بالمكان من كل الجهات، في تلك الساعة في البرية الموحشة، قفزت لذاكرتي عبارة ” رحى الحرب” فقدحت مخيلتي، برحى حجربة عملاقة، هبطت من السماء، وحطت على الأرض، تديرها أيد خفية، بسرعة جنونية، سمعت صريرها، ورأيت اللحم والعظام والجماجم، والأعصاب والعيون، والأظافر؛ تهرس بين شقي الرحى، وتنبثق نوافير الدماء، تشهق لعنان السماء، ثم تهبط  للأرض، فتكون بركة متلاطمة الأمواج، في تلك اللحظة قطع نباح كلاب بعيدة سلسلة الصورالمتلاحقة؛ المنثالة امام عيني.

  كانت الجبال في أقصى الشرق، رأيتها مرات عديدة، تبدو الآن أكثر دكنة، اشبه بدخان رمادي، يتصاعد للسماء ببطء، قبل الغروب، بعدها أخذت الشمس بالأفول، وبينما كنت مستغرقاً ومتأملا؛ صاح السائق:

” سيهبط الظلام قريباً، لنعد  قبل أن تهاجمنا الضواري.”

تساءلت ان كانت لا تزال تعيش في هذه البراري الموحشة، دار الحديث عنها، وان ما تبقى منها قليل، بعد تناقص الغزال بشكل تدريجي، بسبب كثرة القنص في موسم تكاثره، وهروب بعضها الى ايران، وبصعوبة تجده الآن في هذه الفيافي المقفرة، التي كانت من قبل اشبه بحشائش السافانا، لقد زاول الخليجيون فيها القنص ببنادق صيد خاصة، كان السائق يراهم قديما، وعندما سألته فيما اذا كانوا يحصلون على ترخيص؛ موافقة من الحكومة المحلية في مدينة العمارة، اجاب بأنه لا يعلم، ولكنهم كانوا ينصبون خيامهم هنا، واشار بيده نحو الشرق، هناك، ومعهم الصقور والكلاب السلوقية المدربة، يطاردونها بسيارات جيب سريعة.

  أيدت ما قال السائق، فقد كنت أراهم يأتون في أوائل الربيع، يعبرون جسري الكحلاء والمشرح، في قافلة سيارات غريبة، مع عبيدهم وخدمهم، وكل ما يحتاجونه من لوازم ومؤن، يمكثون طوال الربيع، حوالي الشهر أو أكثر احياناً، اعتمادا على سقوط الأمطار، فإذا كانت غزيرة، امرعت الأرض بالعشب وحشائش الحلفاء، وظهرت الغدران، فتتحول الفكة والطيب والشيب ودويريج الى مراع وحدائق غناء، زاهية بالزهر البري المتنوع الألوان، فينشط الصيد.

” يقولون إن البراري كانت غنية بالكمأ ”

“صحيح لمن يبحث عنها.”

“يقولون ايضا إنها تنبت في التربة، بعمق خمسة الى خمسة عشر سنتمترا، حين يخطف ضوء البرق صفحة السماء، وعندما يسمع صوت الرعد في الهواء.”

“كان ابي يقول ذلك أيضاً، ولكني ما كنت أصدقه.”

“أكنت تأتي معه ؟”

” سأحدثك عن ذلك، ولكن بعد ان نعود الى السيارة قبل هبوط الظلام.”

 قبل مغادرة المكان، ألقيت نظرة أخيرة على الجبال البعيدة، التي اصطبغت لحظة المغيب بحمرة قانية، شعرت بحزن مفاجئ.. ناداني السائق:

” هيا بنا لنعود.”

وفي الطريق  وقفنا على جسر غزيله، المكان الذي ستدور فيه معارك طاحنة، وأنه سيمتلئ بالدماء حتى تطال ركاب الفارس، نظرنا تحت الجسر، كان مجرى النهر الصغير ضيقا وجافا، شرع السائق يحكي عن تلك الأيام الخوالي، كان الدخان الذي ينفخه من فمه في فضاء السيارة يرسم دوائر متلاحقة تتناغم مع ذكرياته، حينما كان لا يزال صغيراً يرافق والده في تلك الرحلات المدهشة.

كان الأب دليل صيد، يرافق شيخاً كويتياً، يأتي لهذه الأماكن كل سنة، عند حلول الربيع، لطم السائق جبهته، التفت اليَّ وقال نسيت اسمه، وحين يجئ الى مدينة العمارة؛ يبعث الى بيتنا أحد عبيده، وإسمه محبوب، ولما رآني ابتسم، بادلني الإبتسامة، قلت في نفسي لقد فطن الآن لسبب ابتسامتي، زفر من منخريه كمية من دخان سيجارته، ونظر نحوي ليتأكد من مدى اهتمامي بحديثه، ولما وجدني مستمعاً جيدا، تابع كلامه …

كان هو أول من يخرج، فيرى امامه رجلاً اسودا ضخماً عملاقاً، وزمرة من الأطفال متحلقين حوله، يحملقون به، باندهاش ممزوج بالخوف، عندما يفتح الباب، كان محبوب قد تنحى جانبا، بعد الطرقة الثانية، وكانت الجارات يختلسن النظر اليه من وراء ستائر الأبواب، بشيء من الفضول والحسد المكبوت، كان محبوب يسأله عندما يراه، “أبوك في البيت يا صبي؟” فيجيبه وجلاً وبهزة من رأسه “إي موجود” وبصوت أجش تخرج من شفتي محبوب الغليظتين؛ كلمتين فقط “روح ناديه”، يظل خائفا، متسمرا في مكانه، يأمره بحركة من كفه الضخمة “روح ناديه، الشيخ يبيه”، يعود للبيت يخبر ابيه، يخرج الأب ويسلم على محبوب، ثم يقوم مع ابيه بمليء عربة الصهريج والزمزميات والجيركانات بالماء، وبعد ان يفرغا من ذلك، يذهبا للسوق لشراء بعض اللوازم الضرورية للرحلة، يضعانها بسيارة البيك أب، ثم يصعد ابوه إلى سيارة الجي ام سي الأمريكية، ويجذبه من ذراعه فيصعد ويجلس على يمينه عند النافذة، تنعطف السيارة من زقاق لآخر، حتى يفضي بهم الدوران لشارع بغداد، وفي أثناء مرورهم..

توقف السائق برهة عن سرد ذكرياته القديمة، مج بعصبية دخان سيجارته، أمسك بالعقب، بين أصبعيه المصبوغتين بصفرة داكنة، وقال بزهو موجع، لقد عرض الشيخ على أبي الجنسية الكويتية، وسكت برهة، فسألته، هل رفضها!  وبنبرة تنم عن ندم وغضب في آن واحد، قال بل اعتذر، لأنه لا يحب مفارقة الوطن والأصحاب  قلت: أنا أعرف المرحوم والدك، اكتفيت بذلك، لم أذكر شيئاً عن ماضيه السياسي، تذكرته عندما كان مقاوما شعبيا في عام 59، متحمساً في المظاهرات للزعيم أثناء فترة حكمة القصيرة، ولكنه في عام 63 انظم للحرس القومي، بعد انقلاب 8 شباط، وإطاحة الزعيم وقتله، ولو أنه بقى حياً لأنظم الآن للجيش الشعبي، كان والده يتماشى مع كل الاتجاهات السياسية المتقلبة، مثله مثل السمكة التي تسبح في كل المياه، ولكن الأبن كان ساخطاً على ابيه، وصب جام غضبه عليه لسبب آخر، لأنه لم يتجنس كويتياً، فسألني: هل ما فعله أبي يا أستاذ نوح كان صحيحاً! قلت لا أدري، فقال: لا تترحم عليه إذن، كان غبياً وقصير النظر، تصرفه دمر حياتنا، ولو بقى الانكليز في العراق لكان حالنا أفضل بكثير عما نحن عليه الآن، واضاف، لكي أبرهن لك ما قلت، أذكر اننا مرة، توغلنا كثيراً، واجتزنا الحدود لعدة كيلومترات داخل الأراضي الإيرانية، فأوقفتنا دورية حدود، اقتادونا لمخفر الشيب الايراني، وعندما عرف مأمور المخفر بوجود شيخ كويتي معنا، أتصل حالاً بالمسؤولين، وهيأ أماكن مريحة للشيخ وحاشيته، بينما رمانا أنا وأبي كالكلاب في غرفة الحجز، نمنا على أرضية كونكريتية قذرة و باردة، وفي صباح اليوم التالي أطلق سراح الشيخ وحاشيته، أما نحن فبقينا أكثر من شهر ثم افرجوا عنا، لكن بعد ان اخذ القمل يدب على جلودنا، ومنذ ذاك الوقت، لم يعد الشيخ يأتي للصيد، وانقطع مورد هام وهدايا كنا نتلقاها منه..” لم أقل شيئا، بقيت صامتاً حتى وقفت السيارة أمام بيتنا، ترجلت مودعاً السائق.

• غزيلة : تصغير لغزال.

• الكنزبرا: مرتبة دينية رفيعة في السلم التراتبي للعقيدة المندائية.

يتبع

 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"