الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » صالح البياتي : رواية / نزف المسافات
(ح 2) الدخول للمطهر

صالح البياتي : رواية / نزف المسافات
(ح 2) الدخول للمطهر

رواية / نزف المسافات
صالح البياتي

ح 2
الدخول للمطهر

ركنت سيارتي امام منزل الكيال، ترجلت؛ قرعت الجرس، خرج البستاني العجوز، قلت تعال ياعم، ننزل هديتك من سطح السيارة، شكرني وأسرع يجر الدراجة، قادني كالعادة لصالة الاستقبال، دخل المطبخ، عاد يحمل صينية فضية صغيرة؛ فيها كأس برتقال، وضعها امامي على الطاولة المستديرة، خرج ليخبر الكيال، جاء؛ فقمت احتراما عندما دخل، صافحته، لم يجلس، استأذن وغاب دقيقة، ثم عاد يحمل سفطا؛ فتحه ونثر محتوياته على السجادة الكاشانية، قلًّبها بأصابعه المتيبسة:
“هذه مستندات مِلكيه تخص الناس ائتمنوني عليها، واوراق رسمية، احتفظت بها في مكان آمن ”
التقطت أصابعه وثيقة شهادة الجنسية، ومدها الي، اخذتها، أمعنت النظر في محتوياتها: شعار مملكة العراق، تاريخ الإصدار اوائل ثلاثينيات القرن العشرين، اصفرارالورقة، يبوستها كقشرة البصل، الكتابة بمداد أسود، لاتزال حروفها مقروءة بوضوح، الطوابع الملصقة عليها ملكية، نصل لونها، هذه الوثيقة التي برزت من وهدة الزمن البعيد، لا يريد سليم الخماش الإعتراف بها، حقيقة صارخة، تجبره ان حاملها عراقي مائة في المائة، تساءلت مع نفسي، التي أثقلها الحزن، عن الفائدة التي يجنيها الوطن من تلك الأباطيل والأفعال الغبية، فلم أجد جوباً لتساؤلي.. جمع العجوز الأوراق ورزمها بخيط، وضعها على المنضدة.
“هل تسمح لي بالاحتفاظ بشهادة الجنسية.”
“خذها، لم تعد لي حاجة بها، على كل حال سيصادرون كل ما نحمل من وثائق عند الإبعاد.”
“ونقودك المودعة في البنك؟”
“ليست ذات أهمية، لا تقلق، نحن التجار نعرف كيف نسوي حساباتنا مع بعض.”
سكت، لم اقل شيئا.
“سأحكي لك نكته قبل أن تذهب.”
ابتسمت، لأن الكيال فاجأني بأريحيته غير المتوقعة في ظروف كهذه..
” استاذ نوح انت تعرف طبعا الضابط فاخر خريبط؟ أومأت برأسي. اكمل الكيال كلامه.. امره سليم الخماش يقبض على العراف سنيجر، أو كما يسمونه زهلول.”
وسكت الكيال، ينتظر تعليقي.
” وبعد ماذا حدث؟ ”
” الضابط اطاع سيده، راح قبض على عاشور المخبل، وجاء به مكلبج للمدير.”
ضحكنا، سألته:
“على فكرة حاج، لم أر عاشور منذ مدة، اختفى فجأة.”
” خائف من التسفير.”
ضحكنا مرة اخرى بعفوية..
ناولني الأوراق، وطلب مني ان احتفظ بها، خوفا من مصادرتها عند تفتيش بيته. ودعته، عائداً الى منزلي، انزويت في غرفتي، وأخذت أحدث نفسي، ولكن في الحقيقة، كنت اخاطب الكيال الغائب، الذي تركته قبل قليل في منزله وحيداً، وكأنه أمامي الآن: من هم أجدادك يا موسى الكيال، أعرب هم، فرس، شركس، ترك، أرمن، أفغان…هنود، أم ماذا!!
ألهذا يشك بك الخماش، مع إنك عراقي، أكان أجدادك أغوات، سباهية، تجار، قطاع طرق.. من أين أتى أجدادك وأي طرق سلكوا ليحطوا رحالهم اخيرا على أرض المنفى والبلوى والسبي والكرب.. لماذا لم يولوا وجهوهم شطر أرض أخرى، ترحم من يلتجأ اليها طلباً للأمان والاستقرار والازدهار!
لم يكن الكيال طبعا يسمع ما قلته، لكنه كان يشعر به، كان حتى تلك اللحظة الزمنية القاسية حياً يرزق، كاسم علم في سجلات القيد الرسمية، إلا انه في الواقع، فقدَ هذه الصفة التي تمنح الأنسان الرغبة بالاستمرار بالحياة، يخيل اليَّ وأنا أفكر به، أنه ينظر الآن الى ملفات حياته، من خلال كوتين صغيرتين، خلف جمجمته المعطوبة، كلاهما أكثر عتمة من حاضره المعاش، إحداهما تفضي الى دنياه، التي عاشها ردحاً من الزمن منعماً، سعيداً وسيداً، في حين يطل على الأخرى، من ثقب ضيق، الى قبره و آخرته، مصير يجهله، لا يرى فيه بصيص أمل، دنيا جذبته بقوة وأغرقته بين أكياس المال، وآخرة حاول أن يشتريها بثلاث حجات، تصور أنها مبرورة تمحي ذنوبه القديمة والجديدة ..
أباح لي ذات مرة، ما يرقد في نفسه من لوعة وندم، في آخر مرة ذهب حاجا لبيت الله الحرام، وضع خده على الركن اليماني، كما فعل من قبل، نثر دموعه، بلل الحجر الأسود، وفي غمرة انفعاله، تخيل أن دموعه الغزيرة اختلطت بماء زمزم، فشرب الحجيج ذاك العام، ماءً أجاجا، فظنوا ان البئر ازداد ملوحة بسبب ذنوب الخاطئين، وفي آخر حج قام به بكى بمرارة طفل ضائع، اعترف بكل ذنوبه الصغيرة والكبيرة، التي ظن أن الله قد محاها من سجل اعماله، فعاد كما ولدته أمه بريئا نقيا طاهرا، كورقة بيضاء، اعترف أنه كان دائما يتذكر ذنوبه القريبة، ناسياً أو متناسيا البعيدة، أو متستراً عليها، ولكن حادثة مقتل عامل المطحنة التي طواها النسيان، قفزت من بين تلك الملفات، فرأى دمه يلطخ لباس إحرامه الأبيض الذي يلف جسده، فزع من رؤية إحرامه ملطخا بالدم، أثناء طوافه حول الكعبة، وتعجب حينما لم يلاحظ أحد ذلك، وكلما أتم طوافاً شعر بأنه اكثر ذنوبا، وعندما أكمل الشوط السابع ، انفلت من الزحام، وصلى خلف المقام ..
في تلك اللحظة من بوحه المرير، توقف عن الكلام، كي يلتقط أنفاسه المتلاحقة، ظل صامتا بوقار، تنير وجهة لحية بيضاء، وعينان ذكيتان رغم إنطفائهما، سألته لماذا توقفت، قال: “أخشى ان لا تصدقني، لان ما سأقوله لن يصدقه أحد” استغربت من كلامه، فسألته:
“ولماذا لا أصدقك، عهدتك صادقا دائما..أكمل سأصدقك، تابع بوحه بوتيرة اسرع وادعى للشفقة والأسى..
شعر وهو جاثم عند المقام، أن يدا حانية مست جبينه المحموم، ومسحت حبات العرق عن وجهه ورقبته، فأحس براحة نفسية عميقة، رأى أجنحة بيضاء كثيرة ملأت الحرم، أخذت ترفرف فوق رأسه، ساورته رغبة عارمة للغياب عن العالم، أخذته خفقة وسن مفاجئ؛ بعيدا، ورمته في حضن نوم عميق، تمنى ألا يفيق منها أبدا..
توقف الكيال يلتقط انفاسه المتقطعة، ثم تكلم كأنه غائب عن الوعي؛ كالمنوم مغناطيسيا:
” كنت أريد في تلك اللحظة النادرة، ان أنام نومة الموت الأبدية، لكن جموع الحجيج ونداء: لبيك اللهم لبيك، أعادتني لوعيي، فكرت عميقا بشي أعلنه أمام الجميع، ثم صرخت بأعلى صوتي: ياناس، أنسبوني من أكون.. لأي دين أو ملة أو قوم أنتمي ؟!”
أشفقت عليه وقلت في نفسي، هذا الرجل يبحث يائسا عن الجذور، عن الأعماق الغائرة في النفس البشرية، من هو ومن أين اتى؟! تلك هي الحيرة التي يعجز عن معرفتها الأنسان، رحت اتقصى تاريخ اجداده الافتراضي، مستعينا بخارطة الهجرات المستوحاة من وحي خيالي، فكنت أثناء فترات توقفه عن الكلام، أحدث نفسي متأثرا بما يبوح به؛ وبما يعتمل في نفسي ايضا.. أتساءل وانا انظر اليه، من أي أمة أو قبيلة تائهة أنحدر هذا الرجل؟ وأي سماوات أظلت أجداده الأقدمين، وأي نجوم أنارت طرق هجرتهم، على أي شواطئ رموا نظراتهم الأخيرة، بحر الخزر، البحر الأسود.. أرحلوا عبر جبال البرز أو زاغروس الشاهقة.. أجاءوا مع الريح الشمالية الباردة، وسلكوا السهول الفسيحة؟ حتى لفحتهم رياح السموم العقيمة، الهابة من اتون الصحراء العربية اللاهبة..
أسئلة كثيرة، وحكايات تسرد حتى السأم والملل. عن حقيقة انتشال الذات من قعرها المظلم، ورفعها عاليا لترى النور الساطع، وبهاء الوجود المترع بالفرح والحبور، الأشياء التي لا تستطيع النقود أن تشتريها، ولكن الذين حط المهاجرون رحالهم بينهم، لا يعرفون هذه الحقيقة، يظنون ان دافعهم للهجرة هو الفقر، وشظف العيش، والحاجة والعوز.. أو هو الانتقال من وعورة الجبال وبرودة طقسها، الى رحاب السهول الفسيحة الدفيئة الوسيعة.
فترة صمت طويلة، ثم واصل الكيال الحديث، وتوقفت أنا عن الانزياح في تأملاتي البعيدة، قال إنه شعر بإلحاح لحظة استعادته لوعيه، بالحاجة الى تصفية حساباته القديمة..
بعد عودته من آخر حج، تمنى وداع الدنيا الفانية، وتنقية روحه من كدوراتها المتراكمة، تضرع لله أن يساعده على شطب ذنوبه، فتوقف برهة، مترددا عن المضي في الكشف، وتعرية الذات وفضح اسرارها، ولما رآني أتطلع اليه باستغراب، واصل اعترافاته، قال:
” ذهبت بعد عودتي مباشرة الى بيت العامل القتيل، طرقت الباب، خرجت لي بنت حلوة، سألتها من أنت يا بنيتي؟ قالت: أنا هيلا بنت مظلوم، سلمت عليها ووضعت في كفها مظروفا، وقلت هذا دين عليَّ ، قولي لوالدتك عندما تصلي ان تستغفر لي وتبرئ ذمتي، وانصرفت ”
أزاح الكيال باعترافاته الجريئة، شيئا لا بأس به من ذلك الماضي الذي أثقل كاهله، وكاد يزهق روحه، ولكنه لم يتحرر بعد من عقدة الذنب التي تلاحقه.. وبقي عليه ان يدخل المطهر فيحترق كليا، ويتوهج كالنار..

يبتبع

2 تعليقان

  1. صالح البياتي

    تنويه: الدخول للمطهر، هي الحلقة 2 من الفصل الثاني من رواية / نزف المسافات، وليس الحلقة 6 ، للتنويه رجاءً.

  2. تم التصحيح علما أن النص جاء أصلا مكتوبا كحلقة 6 وليس 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *