الرئيسية » فكر » جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(15) ساعي بريد

جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(15) ساعي بريد

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيم وأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

(15)
ساعي بريد..
ثمة مطر ضحى الأول من نيسان عيد رأس السنة العراقية، البابلية الآشورية، مطر خفيف، رذاذ يتناسب مع رقة نيسان وآذار ولطفهما، وكنا نقف عند بسطية ناصر بائع الجرائد، فقال لي: لسنا أكثر من سعاة بريد، المطر في مثل هذا اليوم ينقل رسالة خاصة، وناصر ناقل رسائل أيضا عبر ما يبيعه ويخبئه لنا من صحف وكتب ومجلات وطرود، أم البروم هذه الساحة التي نقف الآن عند تخومها، ساعي بريد من نوع آخر، هي قلب العشّار، ملتقى كل البصريين، وإذا قلت العشّار فأنك تعني البصرة، البصرة أم الدنيا كما يسميها أهل الخليج وسيدة الحواضر ووريثة أور، وهي محور لخريطة من أربعة أجنحة، العراق والخليج وفارس والشام، من خلالها تتبادل الأجنحة الرسائل وتطوح بها بعيدا فتحط في الهند و بر الزنج الجميل وما وراء النهر وفي أوربا وما بعدها، البصرة ساعي بريد يا صديقي..
– ما تريد من طوافك السيميائي هذا؟
– لا أدري!
– لا تدري!؟
– لست إلا ساعي بريد، وهكذا حال كل خالق من دون الله أحسن الخالقين، وبتعبير أفصح المبدع ساعي بريد لا أقل وأكثر..
كل ما أبدعه العراقيون الأوائل من سومر وبابل وآشور كان رسائل ووصلت، ومنها رسالتهم اليوم..
– لم أفهم بعد معذرة.
– يا صديقي بعضهم يخطط بالمسطرة والميزان لما يريد كتابته أو إنجازه وهذا ناظم بتعبير الشعر أو مهندس أو سمه كما تحب، لكنه ليس مبدعا، ومن يحاول شرح إبداعاته يقع في وهم، فالفن لا يشرح، وباختصار فأن المبدع هو ساعي بريد الجماعة البشرية التي ينتمي إليها..
ولهذا فمن لا يعرف انتماءه ومرجعيته الاجتماعية لا يمكن أن يكون مبدعا، قد يلد شيئا ما، لكنه سيكون معاقا أو مسخا مشوها.
كنا نمر الآن أمام مبنى البريد فقلت له: لكنك تحدثت عن البصرة وعن أم البروم كسعاة بريد أيضا، كيف؟
– كهذا المبنى، عنيت توزيع الرسائل، نعم المدن والأماكن عالية التحسس وعميقة التاريخ مبدعات، هذا ما أراه!
– ما زلت أرى في عينيك ما تود قوله، رسالة ما.
– نعم، رسالة لك تحديدا ولأهل الإبداع عموما، كي تكون مبدعا الشرط الأساس، الموهبة، هل لك إرادة في وجودها؟ طبعا لا، لكن الموهبة وحدها لا تصنع منك إلا شيئا ناقصا، ومضة ما تضيء وتنطفيء بسرعة، الموهبة لا تنمو ولا تعيش من دون إروائها بالمعارف، من دون ثقافة لا تعيش الموهبة.
– هذا صحيح..
– لنستدير نحو الكنيسة أعلى نهر الخندق، قد ندرك الاحتفال هناك.
تمشينا متمهلين أمام أسواق الألبان ، كان النهر إلى يسارنا أشبه بالمستنقع، فقال: الموهوب كهذا النهر إن لم تتجدد المعرفة للموهوب يموت ويتحلل..
– معارف كيفما كان؟
– لا ليس أي ماء، هذا النهر مجاري المدينة تزوده بالماء كل يوم وكل ساعة
، لكنها عفن وقاذورات لا أكثر، ولو تزود من شط العرب ماء الفراتين لانتعش وأنعشنا، وهكذا المعرفة والثقافة السليمة هي المنعش الباعث لحياة الموهوب..
سكت للحظات ثم أضاف: وهذه أيضا لا تكفي من دون وعي، وأعني بالوعي، القدرة على القراءة والتحليل والتشخيص وحتى العلاج، وهكذا يتشكل المبدع من ثلاثة أضلاع(الموهبة +الثقافة، مع الوعي القادر على استثمارهما أو استغلالهما)
– إستثمار واستغلال ما تعني ؟
– أعني إن الأضلاع الثلاثة أو مثلث الإبداع لن يكون نافعا ومثمرا للمجتمع من دون أخلاق تحيط به، تحتضنه، مثلث المبدع ينبغي أن يتربى في حضن دائرة الأخلاق، وإلا فستُستغلُ المواهب والثقافات والمعارف وقدرات الوعي لتشويه الجمال، لقتل الفرح ولصناعة الماكياج والعدسات المحددة أو المشتتة للنظر، من دون دائرة الأخلاق التي ينادون بالتحرر منها، ستزدهر صناعة الطغاة وستُمتهنُ الإنسانية وتهان الطبيعة..
هل لك أن تتخيل ساعي بريد بلا أخلاق؟
ماذا سيفعل بالرسائل المؤتمن عليها؟
اقتربنا أكثر ولاحت صارية لسفينة في شط العرب، تخيلت ماءه السماوي الأزرق المتدفق وكنت اسمع من الكنيسة جوقة المصلين وهي تردد أبانا الذي في السماوات..
كان صاحبي منشدا إلى التراتيل بكل قلبه ومع سكوتها التفت إليّ قائلا: يبدو إننا تأخرنا قليلا، ليعذرنا السيد المسيح، رسول الأخلاق، رسول المحبة والتسامح والسلام..
عليه السلام يوم ولد، ويوم يبعث حيا، والسلام على كل مبدع ساع بحقيبة رسائله، يوزع المحبة وينشر السلام..

=====

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *