حسب الشيخ جعفر: عند السياب

(هو فندق شعبي كما يقال في الطابق التاني منم بناية قديمة، في الطابق الأخير منها أما الطابق الأرضي فقد تقاسمته دكاكين شعبية أيضاً أبوابها مفتوحة مخلعة ولا أحد فيها وبضاعة، الطريق الضيق خال والفندق يبدو مهجوراً الوقت هو أول الليل تحت السماء الداخنة الثقيلة السلم الحجري الصاعد إلي الفندق مثلم مضاء قليلاً بشمعدان معلق فوق الباب المنفتح عن غرفة استقبال شبه مظلمة ولا أحد فيها لم تزل تعلو السلم شظايا السلم بالطبع، بين الحين والآخر يسمع دويُّ قصف بعيد قد يقترب وكأنما هو آتٍ من الساحة المجاورة المنبسطة عند رأس الجسر العتيق، أو جسر الشهداء كما أطلق عليه منذ الرابع عشر من تموز يجد الزائر الزائر نفسه بعد السلم وحيداً في ظلمة المبني القديم المنقطة بأضواء هذه الشمعة أو تلك الغرف مفتوحة الأبواب خالية إلا غرفة تشرف علي الزقاق الخلفي، يطرق الزائر بابها المردود فيسمع صوتاً أبح عميقاً كأنما هو قادم من أعماق قنوٍ متآكل بالرطوبةِ والزمن).
ــ ادخل (صوتُ خال من الحياة)
(علي الكرسي الخشبي المهزوز عند الطاولة المغطاة بأوراق صحف قديمة جداً ورثة ممزقة يجلس الشاعر السياب وهو منهمك بالكتابة قائلاً من غير أن يرفع رأسه عن الدفتر المضاء بشمعة).
ــ تفضل (مرتدياً بيجامة، أبيض كالرؤيا).
الزائر وكأنما أنا في حلم
السياب: الحياة حلم، مثلما قال الشاعر الإسباني المسرحي كالديرون هل قالها قبل أن يترهب عندما كان في خدمة الملك فيليب الرابع.
لم أعد أتذكر جيداً مع أنني كنت أمتلك ذاكرةً يقظي.
الزائر: أجل قبل أن يترهب
السياب: ألم يغادروا الساحة بعد؟
الزائر: من تعني؟ (لم يزل القصف يُسمع بين الحين والآخر).
السياب: الأمريكان… ومن غيرهم؟
الزائر: وربما هم المغول علي ظهور الصافنان أتوا، كما قلت أنت مرة (لم يزل واقفاً، فلا كرسي آخر في الغرفة).
لا بد من أنني أحلم فقد أزيلت هذه المنطقة من الكرخ (أعني الشواكة) قبل أكثر من عشرين عاماً وأقاموا بدلا من منازلها وسوقها التليد عمائر عالية ومباني حكومية كبيرة، فكيف أعيد هذا الفندق الزائل إلي مكانه؟ وكيف عرفت طريقك إليه.. أو إلي (ظله) كما يقال شعرياً أو فلسفياً؟ أم نحن في قصيدة جديدة لك؟
السياب: لم يتغير أي شيء في تصوري عدا ما أسمع من قصفٍ وهديرِ طائرات بل إنني أشم رائحة الخضر منبعثة من السوق.
الزائر: ولكنك تكتب (بعد صمت قصير) أهي (أسلحة وأطفال) أخري؟
السياب: أنا لم أكتب (الأسلحة والأطفال) في هذا الفندق، كما أتذكر، بل كتبت (المومس العمياء) وعلي هذه الطاولة المحفرة بالسجائر وبقع الشاي أما الآن لا أكتب جاداً بل أتسلي.
الزائر: لا أحد غيرك في الفندق ولا شيء من الأفرشة والأثاث؟
السياب: جاء السوقة قبل يومين ونهبوا كل شيء
الزائر: وأبقوا لك هذه الغرفة بمتاعها الهزيل؟
السياب: هكذا وجدتها بعد أن هبط السلم آخر اللصوص
الزائر: ألم يُلهمك الغزو قصيدةً نابغية مثل (بور سعيد)؟
السياب: أنا أحلم بقصيدة حب.
الزائر: (معاتباًً) ما بك؟ والأرض تئنُ ذُلاً تحت مصفحات المحتلين ودباباتهم؟ لا ريب أنك تمزح يا صاحبي كنت أنتظر منك قصيدة غضبي مدوية، كانوا يرفعونك علي الأكتاف في تظاهرات 1948.
السياب: لن يتحرر الوطن إلا بالديموقراطية؟
الزائر: وأصبحت ديمقراطياً أنتَ أيضاً؟
السياب: ومتي كنت غير ذلك؟ إذا كنت تعني مرحلتي الشعرية (التموزية الجنائزية 1960) فأنت نصف واهم أو نصف محق، لا فرق ما دامت الحياة حلما، أو ما دمنا نحن الاثنين في فصل من فصول مرثية، أور كما دونها الكاهن السومري آنذاك، في تلك المرحلة كنت متأرجحاً بين ضفة البطولة، وضفة المرض العضال (الذي لم يبرح كامناً تحت جلدي) كنت حالماً بعهد فروسي جديد، بينما تتلبد آفاق الروح بالسحب المرضية الصفر أتتذكر الجندي الأسير في (المومس العمياء).
يصغي إلي قرع الطبول يموت في الأفق المضاء
(يسمع القصف قريباً جداً)
الزائر: يبدو أنعم يعاودون قصفَ الساحة
السياب: بل هو الصدي فقد دخلوا المدينة قبل أكثر من يومين، وبعدهم تدفق الغزاة الداخليون أو الدواخل، اللصوص وقطاع الطرق، لا صوت يسمع هنا غير الصدي، ولا شيء يري غير الطبول ما هو إلا حلم من أحلام امرأة عراقية، ذهب بعقلها مصرع أبنائها الأربعة في يوم واحد (قبل عشرين عاماً) وجيء بهن إليها في أربعة توابيت فارغة تقريباً ملتفة بألوان التاريخ العربي الأربعة ألا تريد أن تجلس؟
الزائر: وأين أجلس ولا كرسي آخر في الغرفة؟
السياب: تخيل لك كرسياً وأجلس عليه كل شيء مضبب مترجرج بعد السقوط شخصياً لم أعد أعرف الظلمة من النور أو القنفذ من العصفور كانت بور سعيد قصيدة حقاً آخذة الطرفين من الحداثة والقدامة كان أبو تمام آخذاً بيدي إلي…
الزائر (وحيداً عند مغسلة مقهي ما ناظراً إلي المرآة).
آن أن تتعبا
آن أن تكسر المغزلا
مندساً أعزلا
ذهبت بقناطرة الريح أيدي سبا،

شاهد أيضاً

الْأَرْشِيفِيُّ وَالْمَوْسُوعِيُّ الدّكتُور(صَباح نوري المرزوق) الْمُعَلِّمُ الصَّادِقُ الصَّدُوقُ.
موشي بولص موشي/ كركوك.

فِيْ عَامِ 1977 حَلَّ مُدِيرًا عَلَى مَدْرَسَةِ(ثانويَّةِ السِّرْيَانِ)، كُنْتُ حِينَهَا طَالِبًا فِي الصَّفِّ الْخَامِسِ الْعِلْمِيِّ. …

أستاذي الدكتور كمال نشأت
شكيب كاظم

يوم قرأت قصيدة الشاعر الغِرّيد عبد الخالق فريد، التي نظمها رثاء للأديب الشاعر والأستاذ الجامعي …

نهر الديوانية : ماذا فعلت بحياتي؟
رسالة في الحزن العراقي ومحنة الغائب/ المنتظر في شعر (علي الشباني)
حسين سرمك حسن
بغداد/ 2005 (ملف/20)

((آه من فقدان الالفة، فهو يشعرنا بقلق واضطراب وتعلق حميم بالاشياء المفقودة، وعلى مستوى آخر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *