الرئيسية » مقالات » مقالات ترجمة » افلام الرسوم المتحركة: دزننة ثقافة الاطفال
الكاتب : هنري أي غيرو
ترجمة : د. هناء خليف غني

افلام الرسوم المتحركة: دزننة ثقافة الاطفال
الكاتب : هنري أي غيرو
ترجمة : د. هناء خليف غني

افلام الرسوم المتحركة: دزننة ثقافة الاطفال
الكاتب : هنري أي غيرو
ترجمة : د. هناء خليف غني

اكتسبت فكرة أن الولايات المتحدة الامريكية تخوض حرباً مع المعنى اهمية متزايدة في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وليس ادل على ذلك من المعارك الثقافية المحتدمة حول ما ينبغي تعليمه في المدارس وتقديمه في وسائل الاعلام وعرضه في المتاحف والمعارض الفنية واعتماده في المكتبات العامة. أما في ساحات ما يسمى بـ “حروب الثقافة”، فتشتد حمى السجالات والصراعات وتستعر بشأن موضوعات أشد لفتاً للانتباه للاهتمام مثل الهوية الوطنية وحق الاجهاض والفوارق الثقافية والعرقية والقيم العائلية والتوجهات الجنسية ومعنى الحياة العامة. وعلى الرغم من الأهمية القصوى لهذه السجالات من حيث دورها في فتح الافاق أمام النقاش العام والنقد الاجتماعي، فإنها عادةً ما تؤدي الى تحويل الانظار بعيداً عن ميدان ثقافي لا يقل أهميةً وشأناً الا وهو ميدان ثقافة الاطفال حيث تجتمع عناصر التسلية والتعبير عن الرأي والمتعة لتشكيل تصورات مفهوماتية معينة بشأن المضامين المقترنة بشغل الطفل مجموعة متنوعة من المواقع الجنسية (ذكر/ انثى) والاجتماعية والعرقية والطبقية في مجتمع تتشكل صورة الفرد فيه بالارتباط مع صور الاخرين وظهوراتهم المتعددة.
إن الاهتمام المتنامي بثقافة الاطفال، بوصفها موضوعاً مناسباً للتحليل النقدي، يُعد حقاً احد العوامل المُسهمة في تدشين ميدان جديد يكتسب فيه الاطفال بعداً اضافياً مهماُ في النظرية الاجتماعية، فبينما شكلت ثقافة اليافعين عامةً والمراهقين خاصةً مكوناً مهماً ومؤثراً في الدراسات الثقافية، لم تحظ ثقافة الاطفال، بالأخص ما مُثل منها بأفلام الرسوم المتحركة بما تستحقه من عناية. من هنا تتأتى اهمية الدراسة النقدية لهذه الثقافة التي ستُسهم بلا شك في زعزعة العديد من المقولات والمُسلمات الشائعة مثل الفكرة القائلة بوجوب حصر نطاق المعارك الدائرة حول المعرفة والقيم والسلطة ومعنى اكتساب المرء صفة المواطنة في المجتمع في المدارس وميادين الثقافة العالية، هذا إضافةً إلى توفيرها الاطار التنظيري المناسب لمناقشة ومحص حقيقة أن الهويات الفردية والجمعية للأطفال واليافعين تتشكل سياسياً وبيداغوجياً في قنوات الثقافة المرئية الشعبية مثل العاب الفيديو والتلفزيون والافلام وحتى في مواقع قضاء أوقات الفراغ مثل اماكن التسلية والحدائق العامة والمتنزهات ومراكز الألعاب والأندية الترفيهية. إن تجاهل الدراسات الثقافية والاشكال التقدمية الاخرى من النظرية الاجتماعية لثقافة الاطفال لا يعني تجاهلها الميادين والظروف المتنوعة التي ينشأ في ظلها الاطفال فحسب، بل وتخليها عن مسؤولية تحدي المحاولات المتزايدة للمتنفذين التجاريين ورجال الدين الانجيلين المحافظين لخلق اجيال من الاطفال أما مستهلكين في الأسواق التجارية وأما جنوداً مسيحيين في النظام العالمي الجديد.
وعلى الرغم من مألوفية الفكرة وشعبيتها، فقد تنبهت في السنوات الاخيرة الى أهمية الدور الذي تؤديه الثقافة الشعبية في توفير الأساس المناسب لمناهج تعليم الاطفال الفاعلة والقادرة على الاقناع. ولأنني اب لثلاثة اطفال، وجدت نفسي ادخل، على مضض مني، عالم افلام الرسوم المتحركة الذي تحتكره هوليود، خصوصاً الافلام الذي تنتجها دزني. قبل شروعي في دراسة هذا الشكل من ثقافة الاطفال وتفحصه عن كثب، كنت اميل الى التسليم بصحة الرأي الذي يقول إن افلام الرسوم المتحركة هي أحد مصادر الهام الخيال والتحليق في عوالم الفنتازيا المغرية واعادة انتاج هالة البراءة والمغامرة المفيدة، أي انها على نحو عام “جيدة وصالحة” للأطفال الصغار. وبكلمات اخرى، فيما مضى، بدت لي هذه الافلام وسيلةً مناسبةً للتسلية ومصدراً قيماً لمتعة الاطفال واسعادهم. ولكني سرعان ما ادركت ان اهمية افلام كهذه والدور الذي تنهض به في تشكيل شخصية الطفل وتحديد ملامحها تتجاوز كثيراً حدود التسلية والامتاع، فغني عن البيان الدور بالغ الأهمية الذي تؤديه هذه الافلام لجهة تمثيلها أدوات تعليم فاعلة في بلورة افكار الاطفال ورؤاهم وتوجهاتهم بشأن ما يدور حولهم، اذ تؤثر في نوعية السلطة والشرعية الثقافية الأشد فاعلية في مجال تعليم الادوار والقيم والافكار والمُثل التي تحتكرها مواقع التعليم التقليدية مثل المدارس العامة والمؤسسات الدينية والعائلة. إن ما يُميز افلام دزني يتمثل تحديداً في جمعها ما بين ايديولوجية الدعم والتعزيز وهالة البراءة في رواية القصص التي تساعد الاطفال على فهم “من هم” وما “طبيعة المجتمعات التي يعيشون فيها” وماذا تعني عملية تشييد عالم اللعب والفنتازيا في بيئة البالغين. وعلى غرار ذلك، فإن المشروعية الآسرة والسلطة الثقافية التي تتمتع بها افلام كهذه تكمن، إلى حدٍ بعيدٍ، في الشكل المتفرد لتمثلاتها وينبغي أن لا ننسى أن عملية إنتاج هذه السلطة وضمان استمراريتها تتم بصرامة بالغة في البيئة المهيمنة لوسائل الاعلام المجهزة بأحدث التقنيات التكنلوجية والمؤثرات الصوتية والصور التحليلية المُقدمة كمواد تسلية، وهذا بلا شك يكفل نجاحها في تسويق بضائعها التجارية وقصصها المؤثرة.
وليس خافياً أن وسائل الإعلام ما بعد الحداثية تكتسب السلطة الثقافية عبر تمتعها بإمكانات تقنية ومالية وتسويقية هائلة تتيح لها الاستحواذ على مراكز التعليم التقليدية زيادة على تعزيزها هذه السلطة من خلال حرصها على تنويع الممارسات الفكرية في ميدان البحث النقدي وسعيها الدائم الى اخضاع العامل البشري للمغريات الاستهلاكية السطحية. إنها الآلية المفضلة لدى وسائل الأعلام حيث يجري فلترة الماضي وتنقيته عبر التوكيد على التجانس الثقافي والنقاء التاريخي الذي يلغي القضايا المعقدة والفوارق الثقافية والصراعات الاجتماعية. لا تكف هذه السلطة، في الواقع، عن العمل في تشييد بنية متكاملة تجارياً ورجعية سياسياً معنية بتحديد الملامح الايديولوجية والسياسية لثقافة الاطفال. تغدو الشخصيات الكارتونية، في النسخ التلفازية والهوليودية لثقافة الاطفال، نماذج اصلية لتسويق وتسليع الحروب الخاطفة ودراما الحياة الواقعية سواء أُعدت قصصياً أم لا مما يجعلها أداة فاعلة في ترسيخ الشعور بترادفية السعادة مع العيش في الضواحي في احضان عائلة بيضاء من الطبقة الوسطى.
لقد تعزز الدور الذي تؤديه افلام الرسوم المتحركة بوصفها مواقع للتعليم اثر ادراك حجم المشكلات التي تواجهها المدارس والمؤسسات العامة الاخرى التي تعاني أزمات حادة في مستويات الرؤية والغاية والدافعية. وخلافاً لهذه المؤسسات، تعرف وسائل الاعلام الجماهيرية ما تقوم به، فأفلام هوليود مثلاً تحرص بشدة على خلق عوالم وهمية شبيه بالأحلام يتمتع فيها الاطفال بالأمن والبراءة والانسجام النفسي ويجدون مكاناً لتجربة حيواتهم العاطفية. وبينما تشكل الواقعية القاتمة والتشدد الملازم للتعليم في المدارس عوامل تُنفر الاطفال وتشعرهم بالضجر، توظف افلام دزني تقنيات متطورة وتوفر فضاءً مرئياً تلتقي فيه المغامرة والمعلومة والمتعة في عالم فنتازي يضج بالإمكانات والقدرات والمغريات التجارية المرتبطة بالنزعة الاستهلاكية والتسليع. لقد تجلت على نحو واضح المزايا التعليمية لأفلام الرسوم المتحركة اثناء مراقبتي لأطفالي وهم يختبرون المتعة والقابليات التعليمية التي توفرها، وقد ادركت بعد مشاهدتي لعددٍ من الافلام التي انتجتها دزني ضرورة اعادة النظر بدور هذه الافلام واهميتها وتجاوز نطاق التفكير بها كعروض تسلية إلى دراسة التمثيلات والرسائل المتنوعة التي تؤلف رؤية دزني المحافظة للعالم.
بيد أن أي محاولة لإخضاع افلام دزني الى التحليل النقدي ستصطدم على نحو مؤكد بالرأي العام الامريكي، هذا ما ادركته مؤخراً. إن الشعبية التي تتمتع بها دزني بوصفها “المكان الاسعد والاجمل على وجه الارض” تأتت على نحو جزئي من الترويج لصورة راسخة ذاتياً عن البراءة المميزة لها التي تسعى للحفاظ عليها وحمايتها من تحليلات النقاد المتشككة واللاذعة. ولا يُشك في وجود العديد من الاطراف صاحبة المصلحة، الى جانب قسم العلاقات العامة، في الحفاظ على ارث الصلاح والرفاهية المتخيلة والاخلاقية الصارمة التي تدعيها دزني وحمايتها بكل الوسائل. وينبغي أن لا ننسى في هذا السياق حجم الامبراطورية الاقتصادية والسياسية التي حصدت في العام 1994 وحده 666،7 مليون دولار من قطاع افلام التسلية و330 مليون دولار من المنتجات الاستهلاكية و528،6 مليون دولار من المتنزهات وأماكن التسلية التابعة لها. دزني، في الواقع، ليست مجرد عملاق تجاري، إنها مؤسسة ثقافية تناضل بشراسة لحماية مكانتها الاسطورية كراعي للبراءة والفضائل الاخلاقية الامريكية.
ولا يُشك أن فاعلية دزني وسرعتها الهائلة في تحشيد وتعبئة ترسانتها الدفاعية المؤلفة من المندوبين والممثلين والمحامين ومسؤولي العلاقات العامة والنقاد الثقافيين المحترفين الحريصين دوماً على الذود عن حدود “المملكة الساحرة” قد كفلتا ضمان نجاحها في محاسبة منتهكي حقوق النشر وملاحقتهم قضائياً إضافةً إلى تمتعها بسمعة اسطورية في مجال إرهاب الكتاب والمؤلفين الذين يستعملون ملفات دزني ووثائقها ويرفضون السماح لها بالمصادقة على اعمالهم المنشورة سلفاً. لقد ذهبت دزني بعيداً في الواقع، في خضم حماسها وهوسها في الذود عن عوالمها، في حماية صورتها وزيادة ارباحها، حد التهديد باتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة ضد ثلاثة مراكز تسلية في جنوب فلوريدا وضعت صوراً لبعض من شخصيات دزني الكارتونية على جدرانها الخارجية من دون ترخيص. وقد أدى ذلك إلى تعرض الدور الذي تؤديه دزني، كمدافع شرس عن قيم العائلة وبوصفها السلطة الاخلاقية الاكيدة الحارسة لقيم الولايات المتحدة، وكذلك سمعتها الى هزة عنيفة لعدوانيتها المفرطة في الدفاع عن حقوق الملكية. بيد أن ذلك لم يؤثر كثيراً في مكاسبها المالية، إذ نجحت دزني نجاحاً منقطع النظير في الحفاظ على مكانتها الاسطورية ومضاعفة ارباحها.
دزني في كل مكان! هذه حقيقة يتعذر إنكارها. لقد اسهم تغلغل الافلام والرؤى والتوجهات التي تنتجها امبراطورية دزني في مفاصل الحياة الاجتماعية كافة في تعزيز صورتها الذاتية بوصفها الايقونة الأهم للثقافة الامريكية، فمع استثمارات مالية تًقدر بـأثنين وعشرين بليون دولار، تضطلع هذه الامبراطورية بدورٍ يفوق التوقعات في تشكيل تجارب الاطفال وميولهم الثقافية عبر شبكة هائلة من التمثلات والمنتجات والافلام المعروضة في شباك التذاكر السينمائية والفيديو المنزلي والحدائق العامة واماكن التسلية والفنادق وفرق الرياضة ومخازن التجزئة والافلام التعليمية واقراص السي دي وبرامج التلفزة والمطاعم العائلية. كما نجحت دزني، بفضل توظيفها المكثف للفضاء المرئي العام في ترسيخ موقعها ونفوذها في شبكة واسعة من علاقات السلطة التي تدعم عملية تشييد عالم من السحر والخيال المتكامل والمتداخل والخالي، ظاهرياً، من ديناميات بنى الايديولوجية والسياسات والسلطة. وزيادة على ذلك، ترعى دزني التي تروج لأنشطتها بوصفها اداة للتعليم وتنمية روح المسؤولية المدنية، “جائزة معلم العام” وتوفر “زمالات الفاعل والحالم” للطلبة وعرضت في الآونة الاخيرة المساعدات المالية والبرامج التربوية لشباب المدينة المعوزين عبر برنامجها المسمى “اهداف”. وفي ظل تصميمها على تغيير صورتها بوصفها مروج للأفكار اكثر منه السلع، تجهد دزني في تعزيز صورتها كمؤسسة لتقديم الخدمات العامة، فقد اعلنت، بما يمكن وصفه المغامرة الاستثنائية، عن خطتها تشييد مدرسة نموذجية في السنوات القليلة المقبلة، مدرسة ستمثل حسب ما جاء في أحد كراسات التعريف، “نموذجاً للتعليم في الالفية الثالثة، وهي جزء من مشروع سيُقام على مساحة 500 دونم وسيُصمم ، حسبما ذكر المديرون التنفيذيون لدزني، وفق نموذج “الشوارع الرئيسة لمدينة امريكية صغيرة وحتماً سيذكرنا ذلك بأفلام نورمان روكول”.
إن ما يثير الاهتمام حقاً في انشطة دزني أنها لم تعد ببساطة معنية بتقديم الأعمال الخيالية والفنتازية التي تنتج وتختبر وتعزز براءة الاطفال ومغامراتهم، بل إنها معنية بنحوٍ أكبر بإنشاء نماذج أصلية للعائلات والمدارس والمجتمعات. أما دورها في تشكيل ملامح مستقبل امريكا فينبغي التفكير به عبر عملية اعادة تشييد صرح الماضي. يجدر الانتباه، في هذا السياق، الى ما ذكره المُنظر الفرنسي ما بعد الحداثي، جين بوديارد، بشأن حجم نفوذ دزني وقوتها، إذ يرى أن دزني لاند هي أشد واقعية من الفنتازيا تحديداً لتوفيرها صورة تستند اليها امريكا في الترويج لنفسها. إنها، أي دزني لاند، تؤدي وظيفة “الكابح” المُصمم “لإحياء قصة الواقعي ولكن بالمقلوب”.
لقد صُممت دزني لاند لإخفاء حقيقة أن البلد الذي تمثله هو بلد واقعي، انه امريكا “الواقعية” التي تتبدى جليةً في دزني لاند (تماماً كما توجد السجون لإخفاء حقيقة تمثيلها تشكيلاً اجتماعياً متكاملاً بحضوره الطاغي والمبتذل). صورة دزني لاند الرائجة هي صورة عالم تم تخيله وتشييده ابتغاء دفعنا الى تصديق واقعية ما تبقى من جوانبه في الوقت الذي لم تعد فيه لوس انجلس ولا امريكا ذاتها واقعية وانما دخلت منظومة الهايبريل والمحاكاة.
وعلى الرغم من المجازفة التي ينطوي عليها التوظيف الحرفي لأفكار بوديارد، تتعدد امثلة دزننة امريكا وتتنوع، مثال ذلك، قرار مهندسي مطار هيوستن الجوي بناء مدرجه الصغير على وفق النموذج الذي عرضته دزني. ولم يقف الامر عند هذا الحد، فقد امتد تأثيرها الى العديد من المدن الامريكية الصغيرة المنبهرة بها عبر تقليدها الطراز المعماري الفكتوري للشارع الرئيس في دزني لاند. ويبدو أن صناع القرار الفعليين ليسوا من يقيم في واشنطن دي سي، وانما في دزني لاند، كاليفورنيا، حيث يستبد الحماس بصانعي الخيال والابهار والمتعة في غمرة حرصهم على احتكار صناعة التسلية وهذا يعني عملياً انهيار الحدود الفاصلة بين ميادين التسلية والتعليم والغايات التجارية؛ الأمر الذي اتاح لدزني اختراق مجالات متنوعة من الحياة اليومية. إن حجم امبراطورية دزني المالية تعكس بوضوح السياسات التجارية الحصيفة المتبعة وكذلك الحرص على امداد الجماهير بالأحلام والمنتجات عبر اشكال متنوعة من الثقافة الشعبية التي يميل الاطفال الى الاستثمار فيها مادياً وعاطفياً.
اللافت للانتباه ميل جمهور المشاهدين الى تجاهل بل وحتى رفض الصلة بين الايديولوجية وعالم التسلية المبهر في افلام دزني. وبرغم ذلك، يرى بعض النقاد في ادعاء دزني البراءة قناعاً تجميلياً توظفه للتغطية على آلياتها التسويقية العدوانية ودورها الفاعل في اغراء الاطفال بمزايا اكتسابهم صفة المستهلكين الفاعلين. في (خطاب دزني) الذي يتناول بالنقد والتحليل دورها في تشكيل ملامح الثقافة الامريكية، بينَ ارك سمودن ان “دزني لاند تشيد عالم الطفولة بأسلوب يتوافق والنزعة الاستهلاكية السائدة”. الأخطر، ربما، الاعتقاد الشائع ان البراءة المطروحة بوصفها العلامة التجارية المميزة لدزني تجعلها بمنأى عن مسؤولية بروز هذه الأساليب المتنوعة التي توظفها لصوغ العالم الواقعي الذي تقدمه مغلفاً بالمؤثرات والألوان والمغامرات المبهرة للأطفال الذين يواصلون اكتساب مفاهيم معينة وملطفة في المعتاد عن الهوية والفروق والتاريخ في العالم الثقافي اللاسياسي ظاهرياً لمملكة “السحر والبراءة”. لحظ، جون وينر، في هذا السياق، أن النسخة التي انتجتها دزني للشوارع الرئيسة في المدن الامريكية تعود بنا الى “صورة المدن الصغيرة المتميزة بأنشطتها التسويقية التجارية الهادئة والمربحة ومحلات الحلاقين والايس كريم والاستعراضات الرائعة”، مؤكداً أن شيوع هذه الصورة لا يؤدي الى انتشار كليهشيات قصصية عن هذه الشوارع الحقيقية في بداية القرن العشرين فحسب، وإنما يتفه تاريخها، “إنها عملية تمثل للماضي ابتغاء شرعنة الحاضر الذي يصور عالماً بلا شقاء ولا فقر ولا صراع طبقي حضري…إنه حلم البروتستاني الابيض لعالم بلا سود ولا مهاجرين”.
سأنتقل، في هذا الجزء من المقالة، إلى مناقشة الطبيعة المتناقضة في عالم دزني عبر تحليلي احدث افلام الرسوم المتحركة التي انتجتها في غضون السنوات العشر الماضية. تعود أهمية هذه الافلام الى الثناء النقدي الكاسح الذي خصتها به وسائل الاعلام الامريكية الرئيسة والى شغلها مكانة اسطورية غير مسبوقة. لقد دشنت هذه الافلام بالنسبة للعديد من الاطفال مرحلة دخولهم الى عالم دزني. وعلى الرغم من النجاح المالي المذهل الذي حققته في شباك التذاكر والشعبية الهائلة التي حظيَت بها، فإنها لم تحظ بذات الاهتمام والتحليلات النقدية التي تحظى بها عادةً افلام البالغين. وبكلمات موجزة، يبدو جمهور شباك العرض اكثر ميلاً لتعليق احكامهم ومنظوراتهم النقدية عند مشاهدتهم هذه الافلام. ويبدو أن عوالم الفنتازيا والمغامرة والإبهار التي تعد بها افلام الرسوم المتحركة تضعها خارج عوالم القيم والمعنى والمعرفة المرتبطة عادةً بأشكال تعليمية محددة وواضحة مثل الافلام الوثائقية والسينمائية او حتى افلام البالغين المنتشرة على نطاق واسع. لقد حظيَ هذا التوجه باهتمام الناقدات السينمائيات اليزابيث نيل ولندا هاس ولورا سلز، اللائي بينَ أن “مشاهدي افلام دزني والمؤسسات القضائية ومنظريَ الافلام السينمائية والنقاد الثقافيين وجمهور شباك التذاكر يعملون جميعاً من اجل هدف واحد هو حماية حدود افلام دزني بوصفها واقعة “خارج” منظومة المشروع النقدي، وكذلك في تشييد دزني بوصفه رمزاً لـ “امريكا” النظيفة والمحترمة والمُجدة. وبناءً على ذلك، فقد ترسخت صورة “المكان الأسعد على وجه الارض”، في السياق الثقافي للوجدان الشعبي والحس العام”. وفي ظل التأثير الهائل الذي تمارسه ايديولوجية دزني على الاطفال، يغدو واجباً على الاباء والمدرسين وغيرهم من المسهمين في تشكيل ملامح شخصية الطفل فهم الاليات التي يعتمدها صانعو هذه الافلام ابتغاء لفت انتباه الاطفال وتشكيل القيم التي يؤمنون بها بما انهم الفئة التي تشاهد وتتفاعل مع هذه الافلام وبالتالي تشتريها. ولذا، لا ينبغي التهاون مع دزني تحديداً لأنها تُعرف ويُروج لها بوصفها القلعة العالمية للمرح والبهجة واحتكارها شبه المطلق لقطاع انتاج ثقافة الاطفال. الأهم ضرورة اخضاع الأعمال التي تقدمها دزني للنقاش النقدي والمساءلة العميقة تحديداً لدورها كأحد المؤسسات الرئيسة التي تشيد ثقافة الاطفال في الولايات المتحدة الأمريكية. ولا ينبغي أن يقتصر نقاش كهذا على المنزل، بل أن يتحول الى نقاش عام في المدارس ومراكز التعليم العامة الاخرى ذات الطابع النقدي.
وليس القصد من توكيدي على ضرورة دراسة افلام الرسوم المتحركة ومحصها نقدياً ادانتها بوصفها مؤسسة رجعية ايديولوجية تدعم على نحو خادع وجهة نظر محافظة للعالم تحت غطاء التسلية ولا-بالمقابل- الاحتفاء بها بوصفها نسخة هوليودية للسيد روجرز الذي لا يفعل شيئاً سوى توفير التسلية والسعادة لأطفال العالم اجمع؛ فدزني ببساطة تقوم بالأمرين كليهما. إن الجانب الانتاجي لدزني يتجسد بجلاء في قدرتها على اشباع توقعات الاطفال واحتياجاتهم ورغباتهم بصيغ بيداغوجية ناجحة ومبهرة للغاية، إذ توفر افلامها فرصة للأطفال لتجربة مشاعر المتعة والمرح ووضع أنفسهم في عالم يشع برغباتهم واهتماماتهم، عالم تغدو المتعة فيه المبدأ المُعرف لما تقدمه دزني والاطفال هم موضوع المشروع الدزنيوي وفي الان عينه هدفه. لذا، وعوضاً عن تجاهل هذه الافلام ووضعها خارج المشروع النقدي، ينبغي اخضاع افلام الرسوم المتحركة للتحليل النقدي ودراسة مكوناتها بدقة لدورها الكبير في إنتاج ثقافة الاطفال. وينبغي، في الوقت نفسه، وضع تأثير دزني وسلطتها ضمن الفهم الاوسع لدور المؤسسة بوصفها عملاقاً تجارياً مصمماً على نشر القيم المحافظة والتجارية. وهذا عملياً يؤدي الى محو المجتمع المدني بينما تدعي دزني حرصها على اعادة بنائه.
إن الدور الذي تؤديه دزني في صوغ الهويات الفردية وضبط حقول المعنى الاجتماعي التي يفاوض الطفل بوساطتها العالم يتسم بتعقيد شديد بلغ حداً لا يمكن معه تجاهله لأنه أحد أشكال السياسات الرجعية. وفي حال رغب التربويون والعاملون الثقافيون في تضمين ثقافة الاطفال موقعاً مهماً للصراع والتنافس والمساجلة، يغدو لازماً تحليل آليات التأثير المتنفذة التي تتمتع بها افلام الرسوم المتحركة والفاعلة من حيث دورها في تشكيل المشهد الثقافي الامريكي. ويدفعنا هذا الأمر إلى اعادة النظر في طبيعة الرؤية النصية التي تتبناها دزني تجاه المجتمع والطفولة؛ الرؤية التي تبدو بأمس الحاجة الى المزيد من الاهتمام باعتبارها موضوعاً مناسباً من وجهة النظر التاريخية للتحليل والتدخل الاجتماعي الذي يخاطب المعاني التي تعرضها هذه الافلام والادوار التي تعمل على شرعنتها والسرديات التي تقدمها لتعريف الحياة الأمريكية وتصويرها.
إن التسويق والنجاح التجاري والشعبية الهائلة التي تتمتع بها افلام الرسوم المتحركة اتاح لشرائح متنوعة من مشاهدي التلفزيون والسينما الفرصة لتحدي ومساءلة المعتقدات التي تبيح للناس إرجاء احكامهم النقدية وتعطيلها فيما يتصل بمسؤولية دزني عن تحديد انواع التسلية المناسبة للأطفال. وليس القصد من التحليل النقدي للآليات التي توظفها دزني في بناء المعاني وخلق المتع واعادة انتاج الفنتازيات والخيالات المشحونة ايديولوجياً ان يدعم ميداناً معيناً من النقد السينمائي، فعلى نحو مماثل لغيرها من المؤسسات التعليمية، ينبغي العناية بدراسة رؤية دزني للعالم من حيث الآليات التي توظفها لسرد ثقافة الاطفال ومسؤوليتها كأحد الميادين الثقافية العامة المؤثرة. ولا مراء لإيما تحظى به دزني من سمعة اسطورية من حيث نجاحها في الترويج للبراءة كصورة وعلامة مميزة لها وصرامتها في التعامل مع النقد الاجتماعي وموقفها الذهاني نحو تسويغ ما تقوم به، وهذا يدفعنا الى بذل المزيد من الجهود ويوفر لنا اسباباً اضافية تسوغ اصرارنا على تحدي دزني ودراستها نقدياً. وزيادة على ذلك، فأن التأثير الثقافي المذهل الذي تمارسه دزني والقوة التجارية الهائلة بصفتها مؤسسة عملاقة تعدى رأسمالها البلايين، قد بلغا من الضخامة والانتشار بحيث تبدو عملية تعريفها لنفسها حصرياً ضمن الخطاب التخيلي للبراءة والزهو الوطني والتسلية مغلوطة في جوهرها وقاصرة.
ليس ثمة اجوبة سهلة جاهزة للسؤال المتعلق بمدى ملائمة افلام الرسوم المتحركة التي تنتجها دزني للأطفال. كما أن سؤالاً كهذا يقاوم ببساطة التحليل المعتاد ضمن الميادين التقليدية والايديولوجية ظاهرياً للمرح والمتعة والتسلية. إن الافلام التي انتجتها دزني مؤخراً مثل (الحورية الصغيرة)(1989) و(الحسناء والوحش) (1991) و(الاسد الملك)(1994) توفر فرصاً مذهلة لدراسة الكيفية التي تشيد بها دزني اركان ثقافة المرح والبراءة عن طريق مزاوجة مفردات التسلية والتعبير عن الرأي والمغامرة والمتعة الاستهلاكية. وثمة جانب آخر لا يقل أهمية هو أن المكاسب المالية المذهلة التي تحققها هذه الأفلام لا تقتصر على ارباح شباك التذاكر التي بلغت، في العام 1994 وحده، اكثر من 598،08 مليون دولار. وبالنظر الى نجاحها المطلق في الربط بين شعائر الاستهلاك وطقوسه وارتياد السينما، توفر افلام الرسوم المتحركة لدزني “سوقاً مثالياً للثقافة”، وارضية مناسبة وخصبة لعدد لا يحصى من المنتجات والسلع مثل كاسيت الفيديو والالبومات الغنائية وملابس الاطفال واللعب والاثاث والتهافت على الحدائق والمتنزهات وأماكن التسلية الخاصة. إذ بلغت عدد اشرطة الفيديو المباعة عن فلمي الحورية الصغيرة والحسناء والوحش، في سبيل المثال لا الحصر، أكثر من 34 مليون شريط وحصل علاء الدين على بليون دولار من ايرادات شباك التذاكر ومبيعات اشرطة الفيديو ومنتجات ثانوية اخرى مثل ثياب الأميرة ياسمين وقدور الطباخ الجني. ولم يقتصر استثمار دزني على اشرطة الفيديو فحسب، اذ اصدرت “لعبة تواصلية” الكترونية مصورة مأخوذة عن الفلم باعت منها ثلاثة ملايين نسخة في 1993 ويتوقع أن يحصد (الاسد الملك) فلماً ولعبة تواصلية ايرادات مماثلة، اذ بلغت قيمة الارباح الصافية الى حد 24 اب 1994 ما قيمته 253،5 مليون دولار. إن احتلال هذه الافلام للصف الاول في قائمة الايرادات الأعلى يفرض واقعاً محدداً على المشهد الثقافي الامريكي، وبهذا الصدد، ذكرت الناقدة جيسيكا ريف أن “الارباح التي ستحصل عليها دزني في غضون السنتين او الثلاث القادمة ستبلغ بليون دولار امريكي”. وعلى نحو مماثل، اضحت الشخصيات الكارتونية في افلام الرسوم المتحركة مثل ميكي ماوس وسنو وايت وياسمين وعلاء الدين وغيرهم نماذج اصلية لعدد لا يحصى من الدمى والالعاب في مدن الملاهي وعلى رفوف المخازن في مختلف انحاء العالم. كما ضمن بيع الدمى المأخوذة عن شخصيات افلام الرسوم المتحركة لمدن الالعاب والملاهي في دزني لاند الحصول على الجزء الاكبر من ارباحها البالغة 3،4 بليون دولار في 1993. ولا يختلف ما حققه فلم (الاسد الملك) عن سابقيه، اذ بلغت ايراداته التجارية بليون دولار في عام 1994 فحسب ناهيك عن الأرباح التي جنتها دزني من بيع المنتجات الثانوية المتفرعة عن الفلم، اذ باعت الشركة ثلاثة ملايين نسخة من الشريط الصوتي الخاص بالفلم. إن الثقافة التجارية والتسليعية لدزني مثمرة تماماً، اذ توفر سوقاً تجارية ضخمة، فالدمى المأخوذة من الشخصيات الكارتونية تملأ رفوف مخازن دزني الثلاثمائة المنتشرة في انحاء العالم. وينسجم هذا السياق مع ما ذكره احد المعلقين في نيوزويك مؤخراً: “تبلغ نسبة الارباح التي تحصل عليها دزني من بيع المنتجات والبضائع الثانوية مثل دمى الحورية وملابس علاء الدين واشياء تذكارية مثل فأر الحقل العائد لبامبي 20% من ايراداتها الفعلية.”
إن محاولة دزني تحويل الاطفال الى مستهلكين ودعمها لثقافة التبضع والتسليع بوصفها مبدأ “مُعرفاً” لثقافة الاطفال لا ينبغي ان توحي بابتذال موازٍ في رغبتها الافادة جمالياً من الأشكال الشعبية للتمثيل. اظهرت دزني، في الواقع، قدرات وامكانيات ابداعية مذهلة في محاولاتها اعادة تشييد الاُسس التي تشكل الثقافة الشعبية وتُعرف بموجبها، فبتعريفها الثقافة الشعبية بوصفها نطاقاً مُهجناً يجمع ما بين الاجناس والأشكال التمثيلية المتنوعة وعادةً ما يمحو الحدود الفاصلة بين الثقافة العالية والمتدنية، فأنها تعيد تعريف الشكل الجمالي والمشروعية الثقافية. اثار عرض الفلم (فنتازيا) في 1930، في سبيل المثال، عاصفة نقدية غاضة، اذ عاب النقاد الموسيقيون المؤمنون بالرؤية النخبوية للموسيقى الكلاسيكية على الفلم استعارته النوتة الموسيقية من التراث الموسيقي للثقافة المتدنية. وعليه، فإن جمع دزني تمظهرات الثقافتين العالية والمتدنية في شكل واحد هو افلام الرسوم المتحركة فتح افاقاً ثقافية جديدة أمام النقاد والفنانين على حد سواء، كما أن عملها بوصفها كمراكز تسلية، يتيح لها جعل الاطفال والبالغين على تماس مباشر بعوالم المغامرة والمرح. تُمثل هذه الافلام، في جوهرها، مواقع لخبرة المتعة حتى إن اضطررنا الى شرائها.
على الرغم من ذلك، ثمة اعتقاد بإمكانية “قراءة” قدرة دزني الفائقة على توظيف الأشكال الجمالية والنوتات الموسيقية والشخصيات الجذابة في ضوء التصورات المفاهيمية الاوسع للمواقع والميول والنزعات التي تصوغها افلام دزني ضمن نطاق اشمل من التمثيلات المهيمنة حول الادوار (ذكر/انثى) والعرق والعامل البشري التي يتكرر عرضها الى ما لا نهاية في العوالم المرئية للتلفزيون والافلام السينمائية الهوليودية واشرطة الفيديو.
لقد اعتمدت الأفلام الاربعة المذكورة في أعلاه الى حد كبير على مواهب كاتبي الاغاني هوارد اشمان والان منكن الذين وفرت توزيعاتهم الموسيقية البارعة الهالة العاطفية للتجارب في افلام الرسوم المتحركة. فأغنية “في اعماق البحر” او “الكاليبسو اليقظ” في (الحورية الصغيرة) و”كن ضيفنا” لباسباي بيركلي والمشاهد الموسيقية الرائعة في (الحسناء والوحش) ما هي سوى برهان على الموهبة الموسيقية الفذة التي زينت هذه الافلام. ثمة عنصر اخر مهيمن في صناعة هذه الافلام هو الفنتازيا بكل تقنياتها واشكالها ومبهراتها، اذ تحرص دزني على تقديم مجموعة رائعة من الابطال والبطلات والاوغاد غريبي الاطوار غير المألوفين، فالأثاث المطبخي والمنزلي في قلعة الوحش المسحورة في (الحسناء والوحش) يتحول الى أكواب راقصة وقدور شاي ناطقة وملاعق فضية راقصة. ومع ذلك، يُعد ارتباط هذه الافلام بعوالم الفنتازيا الساحرة والنوتات الموسيقية المرحة والمبهجة المؤلفة لتمثيلات وثيم تقلد الصور التقليدية المكررة من السمات المميزة لرؤية دزني لثقافة الاطفال، فبينما ينفجر الحبار الارجواني الاسود اللون والكبير الحجم في (الحورية الصغيرة) حقداً وشراً وسخرية، تُقدم البطلة والحورية اريل على وفق نموذج المراهقة المتمردة العنيدة وموديل عارضات الازياء من كاليفورنيا الجنوبية. ويبدو أن تمثلات دزني للنساء الشريرات والصالحات قد تأثرت الى حد بعيد برؤية المحررين وتصوراتهم في مجلة الازياء الشهيرة (فوغ)، هذا فضلاً عن تمثيل الوحش الشرير في (الحسناء والوحش) لمزيج نادر من الارهاب والرقة بينما توحي شخصية سكار الماكر المهذب بمزيج بارع من الشر والخيانة. وغني عن البيان أن المجموعة الرائعة التي تقدمها افلام دزني من الحيوانات والاشياء المتحركة تتمتع بأفضل واحدث المقاييس الفنية، الا انها لا توجد في منطقة مريحة ومفرغة ايديولوجياً. فهذه الشخصيات مرتبطة بسرديات أكبر وأهم حول الحرية وشعائر البلوغ والتسامح والخيارات المختلفة وفظائع الشوفينية الذكورية. وهذه لا تمثل سوى نقطة في بحر من الثيم والافكار التي تتناولها افلام الرسوم المتحركة. ولهذا الافتتان والانبهار بالعوالم الساحرة ثمن باهض لأن أحد اثاره الواضحة هو اغراء المشاهد بإرجاء او تعليق احكامه النقدية فيما يتصل بالرسائل الايديولوجية الرئيسة التي تبثها هذه الافلام. وعلى الرغم من امكانية قراءة هذه الرسائل عبر تشكيلة متنوعة من الدلالات التي تُصاغ في سياقات تلقٍ مختلفة، فأن الطروحات والفرضيات السائدة التي تنطلق منها هذه الافلام تمارس تأثيراً هائلاً في تحديد طبيعة المعاني الثقافية التي تجسدها خاصة عندما يتألف أكثرية المشاهدين من الاطفال. وهذا قطعاً لا يعني حصر المهمة التي يؤديها الناقد في تحليله لأفلام الرسوم المتحركة في منحها قراءة ايديولوجية معينة. بل أن التحدي الذي تمثله افلام كهذه يتمثل في تحليل الثيم والمعتقدات والافكار المختلفة التي تؤطرها في داخل التشكيلات المؤسساتية والايديولوجية السائدة التي تحاول تحديد طرائق تلقيها وكذلك في خارجها. وهذا يتيح فرصة مناسبة للتربويين لفهم الآلية التي تجعل من افلام كهذه مواقع فعالة للمنافسة والتبادل والتفاعل والتفسير ابتغاء قراءتها على نحو مختلف. ولكن ثمة ما هو أهم من مجرد ادراك حقيقة تعددية القراءات التي تستدعيها افلام كهذه، اذ تبرز الاهمية السياسية الاستثنائية لتحليل الكيفية التي تعمل بها القراءات المهيمنة لنصوص كهذه في تشكيل معانيها الحساسة تجاه السلطة، لإنشاء مواقف وظروف معينة تُعرف الاطفال بمفاهيم محددة للسلطة وظهوراتها في المجتمع.
إن السياقات تقولب التأويلات، الا ان هذه السياقات السياسية والاقتصادية والايديولوجية تنتج النصوص التي ستُقرأ كذلك. ولذا، ينبغي دعم عملية التناول النقدي لهذه الافلام بتحليل الممارسات المؤسساتية والبنى الاجتماعية الفاعلة في صوغ نصوص كهذه. وليس القصد من اجراء هذا النوع من التحليل إلزام الناشطين الثقافيين المشاركة في نوع محدد من الحتمية حيث تكتسب النصوص الثقافية معانً محددة، بل المقصود هو تحليل الاستراتيجيات البيداغوجية التعليمية اللازمة لفهم الاليات التي تعمل بوساطتها الانظمة المهيمنة للسلطة على تقليص عدد الآراء ووجهات النظر التي قد يدلي بها الاطفال في اثناء مشاهدتهم أفلام الرسوم المتحركة. ويمكن للنقاد والمدرسين تحديداً، عبر الكشف عن العلاقة بين السلطة والمعرفة وفي الوقت نفسه ادخال البديهيات والمسلمات في اطار مرجعي معين، يمكنهم توظيف افلام الرسوم المتحركة بيداغوجياً لتمرين الطلبة وغيرهم من المهتمين على قراءة افلام كهذه ضمن نطاق الشفرات المهيمنة وبإزائها وفي خارجها التي تؤثر في بنائها. ثمة حركة بيداغوجية ثنائية هنا، إذ تبرز الحاجة، اولاً لقراءة افلام دزني في ضوء موقعها من النصوص السائدة وعلاقتها بها ابتغاء تقييم جوانب التشابه بينهما من جهة دورها في شرعنة ايديولوجيات معينة، وثانياً، ضرورة قيام العاملين الثقافيين بتوظيف الصورة الثيمية لأمريكا التي تقدمها دزني وصورة دزني التي تقدمها امريكا بوصفها احالة للكشف عن الشفرات السائدة وفي الوقت نفسه تقويضها ومساءلتها مع ضرورة فعل ذلك في جو تسوده روح الحوار والسجال والقراءات البديلة. إن احد التحديات البيداغوجية الرئيسة التي تواجهها دراسة افلام كهذه تتمثل في تقييم الطريقة التي تعتمدها الدلالات المهيمنة التي لا تتوقف الافلام عن تكرارها والتي تحظى بدعم النصوص الثقافية الشعبية الاخرى بصفتها احالات دالة على الطريقة التي يُعرف الاطفال عبرها وبوساطتها انفسهم ضمن تمثيلات كهذه. تبعاً لذلك، ينبغي تقديم المزيد من القراءات لهذه الافلام التي تُستعمل بوصفها إحالة بيداغوجية لوضعها في السياق الذي يتم وفقه صوغها وفهمها أو ربما دراستها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *