صالح البياتي : رواية نزف المسافات
(ح 4) حادث قديم

رواية
نزف المسافات
صالح البياتي

ح 4

حادث قديم

بيت ام سعيد؛ يقع على مبعدة ثلاث بيوت من بيتنا، اشتراه ابنها سعيد، بعد ان ترك العمل في مطحنة الحبوب، التي يمتلكها الكيال، بسبب خلاف حصل بينهما، حول عدم تعويض عائلة العامل الذي قُتل، رأيتها عند باب بيتنا؛ رحبت بها ودعوتها للدخول.
هنأتها بزواج ابنها الأستاذ مقبل، ووعدتها بزيارة لهم، لتقديم هدية العروسين، فتمنت لي إمراة تسعدني واسعدها، دخلنا معا، تركتها مع امي، وانزويت في حجرتي.
أم سعيد كعادتها عندما تختلي بصديقتها القديمة، تبدأ بالسؤال عن صحتها، فتحمد امي الله وتشكره، انها بخير، ثم يدور الحديث بحلقات مغلقة؛ عن معارضتي للزواج، وامتناع سعيد ايضا، لأنه يعتقد أن الرئيس الجديد سيزج البلاد في دوامة مشاكله مع ايران، وقد تندلع حرب شعواء، إذا لم يردعه احد، ولهذا يرفض الزواح حتى لا ينجب اولادا يقتلون فيها، فتقول امي ساخرة، الجنون فنون، ابنك يخاف على اولاد لم ينجبهم بعد، يقتلون في حرب لم تقم بعد، وابني نوح يؤجل الزواج كلما حاولت إقناعه، بحجة الحصول على الدكتوارة اولا.
تناهي لسمعي، ان ام سعيد سألت امي، ان ابنها مقبل يقول عن الرئيس انه دكتاوور، فهل ابنك نوح يحب ان يصير مثل الرئيس!
عندما خرجت اليهما؛ لأحذر ام سعيد، كانت المرأتان لا تزالان تضحكان.
” على راحتكما، إضحكا علينا.. ولكن خالتي لا تقولي أبدا.. ابني مقبل يسمي الرئيس دكتاتور، هذا الكلام خطير؛ إذا سمعه احد؛ ونقله للحكومة، خطر كبيرعلى حياة ابنك.”
خافت المرأة، واكدت لي، انها ستقطع لسانها لو قالتها مرة أخرى، وحلفت ايمانا مغلظة.
عدت لغرفتي أفكر بها، لم أصدق أنها ستمسك لسانها، فهي قد أطلقت عليه لقب “الدريع”، وتعني بلهجتها الريفية السفيه، وإذا تمكنت من نطق كلمة ” دكتاتور” صحيحة، كما ينطقها مقبل مدرس التاريخ، فتلك الطامة الكبرى، وفكرت بمخاوف سعيد حول نزعة الرئيس للحرب، فوجدتها واقعية، ولكنني استغربت من المصادفة العجيبة التي جمعت بين النبوءة الغيبية و تسارع الأحداث، فوجدت ان هناك الف سبب وسبب للحرب، وفي النهاية يقفز واحد، فيكون كافيا لإشعال فتيلها، حدثت نفسي.. شيء غريب حقاً يا نوح.
لم أستطع الجواب عن هذا السؤال، تركته للزمن فهو كفيل بفك كثير من ألغاز الحياة، وعدت أفكر بسر نفور امي من موسى الكيال، لعل حادث مقتل العامل مظلوم، تلقي شيئاً من الضوء على هذا السر الذي يكتنفه الغموض.
في العطلة الصيفية، اثناء المرحلة الإعدادية، عملت كاتبا في مكتب الكيال أتقاضى أجراً شهرياً مقداره ستة دنانير، كانت أكثر من راتب الموظف المطرود، دخل سعيد يوما المكتب، وكان ذلك بعد مقتل العامل، حياني، وظل واقفاً في مكانه، يطيل النظر الى الجدار، فكرت انه ينظر لصورة الكيال الذي كان بالزي التقليدي، يغطي رأسه اليشماع والعقال، ويرتدي قميصاً أبيضاً وسترة بدت داكنة، ربما كان لونها بني، الصورة كانت قديمة، بالأبيض والأسود، وجهه ابيض، تلتمع فيه لحية مشذبه بعناية، فيها شعرات بيضاء قليلة، أما الشاربان فكانا كثان واسودان، لا أدري إن كان الكيال أصلعا، في ذاك العمر الخمسيني، لأني لم أره حاسراً إلا مرة واحدة، كانت قبل عشرين سنة، في ضحى العاشر من محرم، كان يمشي حافيا، وقد تلطخ رأسه بالطين، الذي جف وتيبس تحت أشعة الشمس، فبدى كأنه يعتمر قلنسوة طينية، تكسرت فأخفت الشيب القليل في شعره.
كانت الصورة وراء المكتب، حيث كنت جالسا، وانا آنذاك في ريعان الشباب، كلما تطلعت لنفسي في المرآة، أرى فيها وجها ابيضا وسيما، وشعرا اسودا كثيفا ومرسلا، وزغب خفيف ناعم على شفتي العاليا، طلعة تهفو اليها قلوب البنات، بعكس سعيد، الذي شوه الجدري وجهه الأسمر، الواقف أمامي كالأبله، يحملق بالجدار خلفي، يدفعه حب استطلاع لشئ ما، فسألني عن تلك الخطوط العربية الكوفية المتشابكة، داخل اطارين مذهبين مزججين على جانبي صورة الكيال، كان يخجل ان يسأل الكيال عن الشيء المكتوب فيهما، ولكنه انتهز غيابه فجاء ليسألني. انتصبت واقفاً، وقلت مازحاً:
” ولماذا لا تقرأهما أنت بنفسك؟”
” ألم تعرف أني أمي؟”
” الحمد لله انت امي ولست ابي، ابتسمت وأكملت، ولكن لماذا لم تذهب للمدرسة؟”
” اتضحك مني، لا توجد عندنا مدرسة في قريتنا”
وضحكنا معاً، استدرت خارجا من وراء المكتب، وقفت بجانبه، وأشرت بيدي للوحتين.
” تلك التي على اليمين: (لإن شكرتم لأزيدنكم) والتي على اليسار (وأما بنعمة ربك فحدث) والاثنتان آيتان من القرآن الكريم، أتريد أن أفسرهما لك!”
” لا.. المعنى واضح، ولكن اتمنى ان يفهمها الكيال كما فهمتهما انا!”
“ماذا تقصد يا لئيم!”
فهمت قصده، كان يعني أن الكيال أنسان منافق، فعندما قُتل العامل مظلوم في حادث المطحنة، قبل بضعة أيام، أقام مجلس تأبين على روحه، في جامع النجارين، وتبرع بمصاريف الجنازة والدفن، ولكن عندما جاءه سعيد يستعطفه لمساعدة عائلة العامل القتيل؛ بتعويض مالي؛ او معاش ثابت، انزعج، واعتبر ذلك تدخلاً في شؤونه الخاصة، وعندما ألح سعيد عليه، متوسلاً ان يرحم أرملته التي أمست بلا معيل، غضب الكيال، ورد عليه، أنه قام بما يمليه عليه الواجب الديني، وان الحادث الذي وقع له كان قضاءاً وقدراً. انسحب سعيد من المعركة غير المتكافئة، وهو يشعر بمرارة الاندحار أمام تعنت الكيال. ولكن بعد أن قرأت لسعيد الآيتين، شعر انه قد تسلح بشيء؛ يستطيع أن يحارب به الكيال، فعاد مرة آخرى يدافع عن العامل القتيل، ولكن هذه المرة بقوة وشراسة، وعندما تذرع الكيال بالقضاء والقدر، أقر له سعيد بذلك، ولكنه جادله ورد عليه، بانه لا ينكر عجز الأنسان عن دفع القدر عن نفسه، ولكن الموضوع يتعلق بمصير ارملة وطفلين يتيمين، وحاول إقناع الكيال، ولكن قلب الكيال كان قاسياً كالحجر، لم يرق لمناشداته المتكررة، اعتصم بصمته، منشغلاً بمسبحته التي مسح خرزاتها السوداء على جدران الكعبة، صرخ سعيد منفعلاً، ارحم المساكين يا حاج، رد عليه الكيال غاضباً، لا تصرخ هكذا بوجهي يا جاهل، وبدل ان يستجيب، حمَّل سعيد مسؤولية الحادث، باعتباره الميكانيكي المسؤول عن العمال، ومن واجبه إجبارهم على ارتداء البنطلون أثناء العمل، كما تقضي التعليمات، بدلاً من الدشداشة، التي لفها قايش الماكنة، فارتطم رأسه بالأرضية الكونكريتة ومات على الفور، وتمادى الكيال بتأنيب سعيد، واستفزازه واحتقاره :”أنتم معشر المعدان جهلة، ولا تريدون أن تتعلموا شيئا” في تلك اللحظة التي سمع سعيد شتيمة الكيال، التهب وجهه الأسمر المجدور بحمرة الغضب، نزع بدلة العمل الزرقاء ورماها بوجه الكيال، وخرج من المكتب بملابسه الداخلية، كان شعره المجعد معفراً بغبار الطحين، وعيناه محتقنتان بالدم، توحيان بأنه قادم على عمل لا يحمد عقباه. لكنه تمالك نفسه، وذهب فوراً الى بيت المرحوم مظلوم ونفح أرملته بما جادت به يده من نقود قليلة، كان هو بأمس الحاجة اليها.
في الليلة التي سبقت الحادث، كان سعيد ومظلوم، يعاقران الخمرة، احتسى الأثنان قنينة عرق كاملة، لم يتأثر سعيد كعادته، ولكن الآخر، افقدته الخمرة صوابه، وراح يبكي، وعندما عاد لبيته، تشاجر مع زوجته وضربها، فأخذت تصرخ وتولول، سمعها سعيد، وكان واقفاً عند الباب، لكنه واصل طريقه، وفي اليوم التالي وقع الحادث، فقدت المرأة زوجها، فبكت المسكينة هذه المرة بحرقة أكثر، ومن غرائب الصدف أن يغرق صديقي منير، أبن الكيال، بعد ايام قليلة من الحادث، وكنا آنذاك نستعد للجلوس لامتحانات البكالوريا.
كنت جالساً على حافة سريري، أفكر، وأنا أستعد للخروج أتساءل: هل يعقل أن أمي لا تزال تكره الكيال بسبب موقفه مع عائلة مظلوم!، وهل يا ترى كان غرق ابنه منير عقاباً إلهيا على قسوته!؟

انتهى الفصل الأول

يتبعه الفصل الثاني بحلقة جديدة

شاهد أيضاً

يُغارِمُ النهرَ جوداً
شعر: كريم الأسدي ـ برلين

ينامُ ملءَ جفونٍ عن شواردِها ( ويسهرُ الخلقُ جرّاها ويختصمُ ) وتصطفيهِ من الأكوانِ كوكبةٌ …

قصتان قصيرتان جدا…
عامر هشام الصفار

اللوك داون كان ينتظر جاري مارتن هذه اللحظة بفارغ الصبر.. ها هي شمس هذا الصباح …

نِصْفُ لوَحاتٍ مُبعثرَة
حسن حصاري الجديدة / المغرب

1 – ظلُّ شَجرَة أطفو فوقَ المَاءِ بِظلي، رُبمَا الظلُّ الأبيضُ لِشجَرةٍ عَجُوز، رَحَلَ عَنْها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *