الرئيسية » نقد » ادب » د. قيس كاظم الجنابي : هشاشة المأوى (دراسة في الرواية العراقية بعد الاحتلال الأمريكي)

د. قيس كاظم الجنابي : هشاشة المأوى (دراسة في الرواية العراقية بعد الاحتلال الأمريكي)

هشاشة المأوى
(دراسة في الرواية العراقية بعد الاحتلال الأمريكي)
د. قيس كاظم الجنابي

-1-
لقد عبرت لفظة هشاشة في المعجم العربي عن رخاوة الشيء.(1) ولكن ارتباطها بالمأوى، أو مكان السكنى الذي يأوي اليه الانسان ليلاً أو نهاراً.(2) له موصفات أخرى ؛ فقد جاء في الذكر:فإنّ الجنة هي المأوى[ سورة النارعات/40].؛ ذلك أن المأوى هو السكن ، لهذا سميت الجنة بالمأوى[سورة النجم/15]. بمعنى أنّ المأوى امتداد ديني وغير دنيوي.
والمأوى هو المكان الذي يأوي اليه الانسان في أوقات راحته، وسكينته مع أسرته، أو منفرداً وهو ذو أهمية خاصة، وقد يتعالى المكان أو الفضاء، لأن المكان هو مفهوم عام؛ والمكان الواقعي في الرواية هو الذي يحتضن الأحداث والأفعال والشخصيات ؛ بيمنا المكان الوهمي هو الحاضن لتفكير الشخصيات، لطموحاتها واحلامها ،وهو الملجأ أو الملاذ الذي يهرب اليه الانسان وترتاح فيه روحه.(3)
وفي هذا الصدد يشير (باشلار) في كتابه(جماليات المكان) الى أنه من الواضح تماماً أن البيت كيان مميز لدراسة ظاهراتية لقيم إلفة المكان من الداخل، على شرط أن ندرسه كوحدة، وان نسعى الى دمج كل قيمه الخاصة بقيمة واحدة أساسية، وذلك لأن البيت يمدنا بصور متفرقة ،وفي الوقت ذاته يمنحنا مجموعة متكاملة من الصور.(4)
لهذا يرى بأنّ الاحساس بالهناءة الى بدائية المأوى. ومن ناحية جسدية فإن الكائن الذي يمتلك المأوى يتكور ،ويتستر ،ويختفي ،ويرقد، ويتلذذ ،وهو غائب عن الأنظار.(5)
ولكن المأوى ليس مكاناً ليس مكاناً وهمياً ، بقدر ما هو مكان المن والراحة والسكينة، والاحساس بالوجود والحياة ،والانسان في ظل الظروف الصعبة يصبح المأوى لديه هو مكانه المفضل، الذي يشعر فيه بأنه مازال حياً، يعيش يتمتع بالطعام والشراب والمعاشرة، والاحتفاء بالدفء والحنين، يهرب الانسان من الخوف والأصوات المزعجة، وأخبار الموت والصرعات الى رحابة المأوى؛ ومع ضيق أركانه ومحدوديته الا أنه يشعر بأنه فضاء حميم، يمكن أن يقضي في ساعات الرهبة، وان كان لا يمثل طموحه واحساسه الدائم بالأمان ،ولأنه يشعر بأنه دائماً مهدد من الخارج، خارج البيت وفي الشارع وفي مكان عمله وفي السوق ، لهذا يصبح المأوى ملاذه الأكبر.

-2-
تثير لدى المعماريين المباني المتعددة الطوابق المعروفة بـ( ناطحات السحاب) قدراً كبيراً من انتباه مشاهديها، انتباه ما انفك يقترن بالدهشة. ذلك لأن مغزى تلك المباني تتجاوز محدودية بواعثها في إيجاد (مأوى)، بالمفهوم المعماري الواسع لتلك الكلمة ،والذي ارتبطت مظاهره بوعي مبكر لدى الانسان، بلزوم توفير أحياز ملائمة تقيه تقلبات الظروف المناخية والطبيعية وتسعى وراء توفير أسباب الراحة في سكنه ومعيشه وعمله.(6)
وبعد سنة 2003م جرى التلاعب بتصميم الكثير من الأبنية ، سواء التي في الصيانة والترميم ، في هجمة فجة وشرسة؛ ففي سنة 2011م زار المعماري الدكتور خالد السلطاني بغداد وشاهد العمارة العراقية يتحكم بها أناس شبه متعلمين أوكلوا مهمة (تجديد) بعض المباني الى أشخاص غير مهنيين ولا محترفين مطلقاً ؛ فعمارة العمل المنتج فضلاً عن شعوبيتها الصارخة المبتذلة، وأسلوب تنفيذها ونوعيته لا يمتان ، لا من قريب ولا من بعيد ، الى أيّ من مواصفات البناء ، فكانوا شهوداً لكارثة معمارية.(7)
وقد كان بالإمكان تخفيف وطأة وتبعات النزعة الشعبوية المهيمنة، ذلك أن الشعبوية populistهي غير الشعبية popular ،ولكنها نزعة تمجد الابتذال وتسخر من الحلول الجادة على أصحابها. كما انها تروّج لحلول تبسيطية عادة ما تكون وهمية وكاذبة، وهي تمثل صيغة من صيغ انحطاط الذوق الفني، والاعلاء من شأن رموز شائعة ومتداولة بكثرة لدى فئات منحدرة ، في الأغلب ، من قاع المجتمع ،والتبجح بإظهارها بأساليب فاضحة ومستفزة. وغالباً ما تختفي بالصدفوية وتتقبها على حساب العمل المهني المحترف.(8)
تمثل الحالة التي تتناولها اطروحة ( ما بعد الكولونيالية) وضعاً يتسم بالتعقيد المركب ، منبعه شدة تداخل الوعي باللاوعي وتلازمهما في الحالة المدروسة. ولكن كل ذلك لم يكن عائقاً في مهام تشكيل مفهوم ( ما بعد الكولونيالية) لاستراتيجية معروفة ، تتطلع الى (تهشيم) نسق التراتب الهرمي للثقافات ، الذي كان شائعاً قبلها.(9)

-3-

وصحب الاحتلال الامريكي للعراق موجة اعتقالات كبيرة ضد المدنيين، وجرى زجهم في أمكنة هشة مورست ضدهم شتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي ،وتعرض الكثير منهم الى ممارسات وانتهاكات خطيرة تتنافى مع ما أقره الاعلان العالمي لحقوق الانسان؛ وكان ابرزها ما حصل في معتقل أبي غريب.

الروائي شاكر نوري

وكتب عدد كبير من العراقيين روايات توثق وتكشف عن هشاشة المأوى وهشاشة الحياة تحت ظل الاحتلال، ومن ذلك رواية (مجانين بوكا) للكاتب العراقي شاكر نوري، و(حارس التبغ) لعلي بدر، و(حليب المارنيز) لعواد علي، و(الحفيدة الأمريكية) لأنعام كجي جي،و(أموات بغداد) لمحمود سعيد، وغيرها من الروايات التي جسدت هشاشة الحياة، وبالذات السجن الذي يعد من الأمكنة المنتهكة جسدياً ونفسياً ،وأبرزها سجن (بوكا) السيء الصيت؛ فقد كان شاكر نوري في روايته يجسد نسيجه الروائي بتفاصيل واقعية مريرة عن شهادات كابوسية ، تغلب عليها لغة التعذيب التي أجاد المحتل الأمريكي استخدامها لإنتزاع الاعترافات من سجنائه.(10)
وقد لاحظ الناقد محمد علي النصراوي ذلك من خلال قراءته لنصوص القاص محسن الخفاجي( قطرات من ماء السراب) بأن المكان الوعائي ليس الافتراضي جامعاً لكل نصوص (القطرات) ؛ فقد تركز الاشتغال على فكرة (الوهم / الحلم) الذي كان المتنفس الوحيد للسجناء وهم يسكنون داخله، وقد حاول القاص في هذه النصوص أن يلتقط الحالات الانسانية لطيف واسع من السجناء.(11)
وبقدر ما كان معتقل (بوكا) يمثل رمزاً من رموز العنف والهيمنة الاستعمارية المباشرة ،ولممارسة أقصى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي والجنسي ،على الجنسين (الرجل والمرأة)، فقد أصبحت هذه الرقعة الجغرافية الصغيرة بمثابة الملاذ( المأوى الهش)أو بمثابة الوعاء المكاني ،والبؤرة الانفجارية على توليد الحدث وانشطاره على شكل أجزاء متناثرة، وموزعة على مساحات نصوصه… أي أن تلك النصوص ، بقدر ما تهتم بالسخرية والتهكم والكشف عن الحالات الانسانية المنهارة للسجناء، فهي تضمر في داخلها شفرات ملغزّة تسبر غور النفس الانسانية للسجناء المقيمين، كما أنها تعد وثيقة تاريخية مهمة لمرحلة الاحتلال الامريكي بما لا يمكن للمؤرخ صناعته.(12)

الروائي حامد فاضل

وفي رواية حامد فاضل (بلدة في علبة) الصادرة عام 2015م،يتحدث عن مدينته السماوة وتاريخها عبر مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي تشكل ذاكرتها القريبة نوعاً ما من معتقل نقرة السلمان الشهير، وثمة احالات واضحة الى تاريخ الأب ورحلة حياته في المأوى الهش في مشواره النضالي” بين سجون العراق ، من الخناق في السماوة الى أبي غريب في بغداد، ومن المجلس العرفي الأول في الوشاش الى المجلس العرفي الثاني معسكر الرشيد ،ومن سجن بغداد الى سجن بعقوبة، وسجن بعقوبة الى سجن نقرة السلمان”.(13)
وهنا أتساءل: لماذا عدد الكاتب كل هذه السجون؟ لماذا سردها دفعة واحدة؟ أعتقد أنه أراد أن يعطي صورة موجزة عن تاريخ الاضطهاد في تاريخ العراق المعاصر، حيث تعرض الكثير من المعارضين السياسيين الى السجن والتعذيب والانتهاك والاعدام.
ومع ذلك فإن الصيغة التي عبرت عنها الرواية العراقية في مواجهة الظروف الصعبة كانت واقعية وليست رمزية. وأن الأمكنة الهشة عبرت عن هشاشة الحياة نفسها في بلد منتهك الحريات، ومن بدت الكثير من الأمكنة هشة وضعيفة وغير قادرة على مواجهة الاوضاع الطارئة؛ فلا غرابة أن يسرد الكاتب سعد محمد رحيم روايته(فسحة للجنون) الصادرة عام2018م، في ظل أجواء من الجنون والحروب واصفاً بلدة (س) أثناء الحرب العراقية – الايرانية حيث تتعرض المدينة للمدافع، فقد كانت المدينة ” في عجلة من أمرها. ترحل بأشيائها وناسها . بأحلامها وأوهامها .(…) بما تستدعيه النباهة المثلومة في خضم دوي القنابل التي تقترب حيناً ،وحيناً تبتعد . وبذا لن يبقى سوى القمامة، سوى ما يعجزون عن أخذه، سوى جثة البلدة الباردة يمثّل بها مخلب الحرب”.(14) فالحرب جعلت المدينة خراباً مدمراً، يؤول الى حرق الكتب التي هي برأي العسكر لا فائدة بها، لأن الحرب كما يرى ” أن ترحل كميلة وتُذبح السدرة وينقطع حبل الارجوحة”.(15)

الروائي سعد محمد رحيم

وقد تنوعت لدى الكاتب المدن فهي (ب)و(ك),(س) ولكنها ارتبطت بالجنون، وتعلقت بالفن والرسم؛ ذلك أن الجنون شعبة من شعب انتهاك العقل الذي يتناغم مع انتهاك الجسد والمأوى. وحتى الصور كانت مقطعة وملصقة على الحائط” مثبتة بالصمغ بلا انتظام . كلّها للوحات تشكيلية لفنانين عالميين ومحليين. مجلات صحف يجدها مرمية في المزابل”.(16) حيث تكثر الأمكنة الخاوية والعفنة والمنتهكة جسديا ونفسياً، وهي تعاني من هشاشة التواصل مع الانسان .

-4-
في رواية طه حامد الشبيب (اللا أين) الصادرة عام 2017م، يصبح القارب هو المكان المعبر عن المأوى، وهو كيان هش وقابل للغرق، والكاتب يصفه بالقول:” القارب صغير ؛ أو لنقل إنَّ جوفه أضيق من أن يسع عددنا، فضلاً عن السائق ومساعده. فثمة أغراضنا: حقائبنا ، نحن الركاب، وصناديق صغيرة ضمّت مستلزمات طوارئ وحاويات بلاستيكية ملئت بغازولين احتياط”.(17)
وهؤلاء الناس يفزعون الى اللاأين بكل رعبه، للعيش في ” كنف المجهول؛ والمجهول لا يعدل معناه سوى المعنى الذي يُرسِّخه الظلام في واعيتنا. إننا نهزم فنفرُّ نحو اللاأين ، نلوذ به”.(18)
وهذا يعني أن المأوى مفقود فليس ثمة مكان سوى القارب الذي ينقلهم نحو المجهول، وهذا الاحساس تعبير عن فقدان الامان ومقومات الحياة في بلاد محتلة ومنتهكة جسدياً وأمنياً.

الروائي علي لفتة سعيد

وفي رواية علي لفتة سعيد (مثلث الموت) الصادرة عام 2016م،ثمة حركة دائمة، وعمل في الصحافة وتوثيق لمتغيرات الواقع اليومي ،يبدو المأوى بعيداً عن الشخصيات ،وخصوصاً في ظل التدخل الأجنبي والصراعات السياسية المحتدمة، والعمليات المسلحة المختلفة؛ فيصبح الصراع بين المأوى والحياة نفسها واضحاً، حينما تجتاح فضاءات الموت الحياة جميعها، وخصوصاً بعد أن استحوذ السياسيون على السلطة وقطعوا الشوارع التي تؤدي الى بيوتهم، واستأثروا بالمال، حتى صار البحث عن المأوى الآمن مستحيلاً، فقد أباحوا القتل وانفردوا بالامتيازات؛ فقد ” كان الوقت مرعباً بالنسبة لخضير.. كأن كلاباً مسعورة تركض خلفه .. يشعر بأنها تقصدهم جميعاً حتى آمال.. وكان يحاول ادراك ما شاهده بالابتعاد عنة مصدر الخوف”.(19)
كان الاحساس بهشاشة المأوى كبيراً، فقد كان (خضير) يشعر بالخوف من زوج عشيقته، لذا أخذ ” يبتعد عن المكان مسرعاً في مشيته الى الشارع العام ليركب سيارته وينطلق”.(20)
ولأنه يعيش في مدينة دينية هي (كربلاء) فإن الكثير من الممنوعات والمحظورات تواجهه؛ فثمة ضغوط خارجية متمثلة بقوات الاحتلال الأمريكي، قادرة على هز كيان المدينة ووضعها الأمني الهش، وبث الخوف في أركانها المختلفة، فقد ” كان رتل الهمرات يتحرك في الاتجاه المعاكس من الطريق ويتخذ من وسط الشارع مساراً لا يتجاوزه أحد ولا يسمح لأحد بتجاوزه.. كانت المدينة صامتة لا يُسمع فيها شيء سوى هدير محركات السيارات وهزيز الريح وهبوبه الذي يصطدم بالأشجار والأبنية ، فيحرك معه التراب اليابس من قلة المطر في الشتاء(…) وكان الانتظار بالنسبة لأحمد وخضير هو الأكثر إزعاجاً”.(21) حتى تصبح المسافة بين المسلح الذي يبرك خلف السيارات وما بين الرتل الأمريكي ” كأنها المسافة الفاصلة بين الموت والهلع”.(22)
لذا كان يسترجع أحداث الحرب بين العراق وايران وفي صحراء الكويت؛ ومن هنا جاء وصف الكاتب للاحتلال من منظور (سلام) وما يعنيه اسمه بأنه المصير المشؤوم “لأنها الحرب الألعن في التاريخ .. فقد دخلت غرف النوم”.(23)أي أن الحرب دخلت الى مخادع الناس والمأوى الذي يسكنون اليه زمن راحتهم، ومن هنا صار يحلم بالمدن النظيفة ،ويحاول دائماً أن لا يمكث كثيراً في المكان، فقد كان (خضير) يرى بأن” الأرصفة دائماً تعني الانتظار والغياب وهذه أرصفة بغداد تنتظر من غاب عنها بسبب الخوف والتفجيرات .. الناس لا يبالون (…) ثمة خوف بدء كان أبعاده في النفوس لكنها أكثر الخائفين الآن من أهل بغداد الذين تعودوا كيف يمرُّ بهم الموت يومياً.. الخوف من ركوب سيارة أجرة”.(24)
وقد لعبت المحظورات دورها في زيادة هشاشة المكان والتي عمت بعض المدن ؛ ففي كربلاء يرى (سلام) أنّ” كل شيء ممنوع الا الموت.. الجنس ممنوع والخمر ممنوع والرقص ممنوع.. والموسيقى حتى في الموبايل ممنوع .. لكن السرقة في كل المشاريع حلال”.(25) مما يعني أن هذه الهشاشة مقصودة من الطبقة السياسية الخاضعة لإرادة المحتل وغيره من الأجندة التي تساعده.

-5-

الروائي قاسم حول

وفي رواية (على أبواب بغداد)لقاسم حول الصادرة عام 2014م، يقترن البيت ،وهو المكان الأثير للأسرة عند الراحة، بالفعل الخارجي الذي يؤدي الى تهدم البيوت ، بفعل سقوط الصواريخ والقذائف” فتتحول الى كتل نارية يصعد لمسافة في الفضاء، ثم تتهاوى”.(26) وحين ينجح المحتل باحتلال البلاد ، يقول:” وطنك الآن تحت الاحتلال. كل المقولات سقطت. كل الشعارات سقطت. كل الاحلام سقطت. ماذا تفيدني النظريات والاحلام والبرامج التلفزيونية. كلّها تأتي عبر الهواء”.(27) ولهذا يعود (عبدالله) الى بيته فيشاهد بيته قد تهدم فيصاب بالفزع (28)؛ مما يعني هشاشة البيوت واندحار الذات الانسانية أمام التحديات المطروحة.
وفي رواية (لماذا تكرهين ريمارك؟) للكاتب محمد علوان جبر ، الصادرة عام 2018م، يمضي البطل أيامه بين العمل والقراءة والرسم، برتابة تسبب له (الاضطراب والتوتر)،وعنوان الرواية يقوم عل توظيف رواية (إريك ريمارك) المعروفة ( للحب وقت .. وللموت وقت)، وهي من روايات الحرب ،تؤازرها بعض الروايات العالمية مثل(الحب في زمن الكوليرا) لماركيز ،و( الأبله) لدستويفسكي؛ ورواية (لماذا تكرهين ريمارك؟) توثق بعض أحداث ما بعد الاحتلال الامريكي للعراق المثيرة، فقد كان البطل يقول:” شوارع بغداد قبل أن أصعد مع سيارتي الى السماء وسط غيمة من الدخان والنار والبارود .. احترقت السيارة تماماً”.(29)

الروائي محمد علوان جبر

ويبدو بيت (باجي ثريا) متهالكاً، بالرغم من أنها لا تريد أن تغادره، حيث تبدو العلاقة بين التشكيل/ اللوحة والسرد الروائي متداخلة، لأن البناء السردي يحاول ان يستثمر البناء التشكيلي الذي يوازي البناء المعماري للبيت، ولكن زمن (ثريا) يصبح مشبعاً بالغربة؛ فقد كانت تحمل معها تمثالها الجبسي الذي يتآكل بسبب هطول الأمطار، أي” بسبب قطرات المطر المتساقطة من السقف على منطقة الرأس، ما أحدث ثقباً قريباً من الجبهة العريضة لوجهها”. بعد أن طال الخراب المأوى، فسبب سقوط الماء ” من سقف بيتها المتهالك الذي لا تريد أن تفارقه.”.(30). كما يتعرض البطل الى حادث انفجار يؤدي الى حدوث عوق في ساقه.
وقد بنيت رواية ناطق خلوصي ( اعترافات زوجة رجل مهم)الصادرة عام 2015م، على اسلوب المخطوطة، من خلال سرده لاعترافات الزوجة، عبر ما كانت تكتبه، الى جانب سرد الكاتب، فهي تشير في حوارها مع أحد رجال السياسة الذين جاء بهم الاحتلال الامريكي والذي يصرح بأن الناس يسمونهم (كلاب الأمريكان)؛ فكانت تحاول أن تكشف عن خفايا زوجها وأسراره، وهذا الأسلوب التجسسي والموبوء بانعدام الثقة بين الزوجين ، يشير من دون شك الى هشاشة الأسرة العراقية المرتبطة بالمحتل وأجندته وخوفها من المستقبل واحساسها بعدم مشروعية حضورها ودورها في البناء الوطني والنفسي؛والكاتب يتابع طبيعة تفكك القوى وانعدام ثقتها بجماعتها واستخدام المراقبة الدائمة في متابعة حركتها وأفعالها، وهشاشة بناء الدولة وضعف وهشاشة كوادرها، لأن الذي يديرونها هم (أشباه أميين) ؛ لهذا يتم الاستحواذ على بيوت الآخرين ودور الدولة لغرض تمليكها للطبقة السياسية المتعاونة مع المحتل، فعندما كانت زوجة الرجل المهم تتصفح الملف في غرفة مكتبها هالها ما يحتويه من ” قوائم بأسماء الذين تم تمليكهم الدور التي تم الاستحواذ عليها، مع أسماء زوجاتهم وأرقام ومواقع الدور. وجدت أن سلطان أبو صماخ استحوذ على ثلاثة دور: واحد باسم زوجته الحقيقية واثنتين باسمين مزورين لزوجتين لا وجود لهما في الواقع. هتفت لنفسها” عوافي”. قرأت اسم فاخر مصحوباً باسمها، واذا قلبت الصفحة قرأت اسمه مرة أخرى مصحوباً باسم “خديجة سليمان” فأدركت أن هذه هي زوجته الثانية التي حدثه عنها معروف”.(31)

الروائي ناطق خلوصي

فإذا كان المأوى هو مكان الأسرة ، فإن الأسرة غدت تتشظى الى أمكنة وزوجات سريات وغير سريات، ومحظيات ، يكتم رجال السياسة عليهن ولا يظهر على الشاشة مباشرة. ومن هنا كان الزوجة الحقيقية صاحبة الاعترافات، تراقب حياة زوجها بحساسية المرأة، لهذا ” بدأت تشعر بأنّ جدار الزوجة القائم بينهما أخذ يتآكل وربما سيكون آيلاً للانهيار”.(32). لأن هذه الطبقة السياسة في العراق لم تكتف بالاستحواذ على المأوى، وانما قامت بتشتيت نظام الحياة الأسرية والاجتماعية معاً، مما ينبئ عن هشاشة المنطلقات التي انطلقت منها، ومن هنا كانوا يظهرون للمجتمع بأنهم رعاة الدين ،ويتصرفون بشكل منافٍ له، فكان السؤال المطروح والمحيّر، هو :” كيف يوفق بين الصلاة وشرب الخمر”(33). وهذه هي ازدواجية السلوك التي انتجت مجتمعاً متناقضاً ، يوهم الآخرين بالاستقامة في يد، ويسرقهم من اليد الأخرى.

-6-
وفي رواية محمد حياوي (خان الشابندر) الصادرة عام 2015م، تتصدع الأمكنة مع تصدع حياة المجتمع؛ ذلك أنّ الكاتب يرصد مكاناً ما في قلب بغداد القديمة يتعرض للضرب بالصواريخ، وهو في حقيقة الأمر مكان لإيواء العاهرات؛ مكان تصدعت فيه القيم الاجتماعية المتعارف عليها، لكن هشاشة الحياة فيه ليست نابعة من تدهور تلك القيم حسب، وانما من انفلات الوضع الأمني، وشيوع حكم اللا قانون ،والجماعات المسلحة، والخطف والقتل، فهو يصف في بداية الرواية المكان البغدادي القديم بقوله:” اجتزنا أوّل الأمر أزقة ضيقة تملأها الأزبال وانقاض البيوت المهدمة.. ثم سرعان ما صرنا نخترق خرائب آيلة للسقوط وبقايا بيوت بغدادية قديمة هدّها الزمان ، فإتكات على بعضها بعضاً في مشهد مرعب”.(34)

الروائي محمد حياوي

وفي هذه الحارة مكان تتعلم فيه البنت كيف تتحول الى بغي(عاهرة)، حيث الخمر والرقص في الليل، والرجال الطارئين ،والكاتب يجيد وصف الأمكنة بحذق وبملاحظات قيمة ذات دلالات واضحة؛ لذا يقول في بداية واحدة من فصول الرواية:
” لا شيء مثل خرائب الحيدرخانة في الظهيرات: انتظر بفارغ الصبر طلوع الصباح ، لأدخل ظلالها السود، وأهيم وسيط أضلاعها المُمزقة بفعل القنابل والزمان.. كل أجرة فيها تذكرّني بروحك الطافية بغموض مع الفواخت الرمادية”.(35)
فالمأوى هنا يتعرض لضرب القنابل، من الناحية المعمارية، مثلما يتعرض الى تصدع أخلاقي يطال المدينة والحياة بفعل التدخل الخارجي.
وفي رواية ناطق خلوصي( بستان الياسمين) الصادرة عام 2018م،ثمة علاقات ى نسائية غير قويمة، بالرغم من البناء السردي القويم لها، اذ تنتشر على صعيد الواقع الثقافي شهادات وهمية كتبت لآخرين؛ مما يعبر عن هشاشة الجانب العلمي المتزامن مع هشاشة الواقع الاجتماعي، بسبب ظروف الاحتلال، فلا ملاذ للبطل ” سوى الحاسبة وهو في حالة حصار داخلي هو امتداد للحصار الخارجي الخانق المفروض على الناس في هذه الأيام بفعل دوريات الأمريكان التي تجوب الشوارع ليل نهار، والمخاوف من عمليات المقاومة.. صارت الحاسبة لديه بديلاً للصحف والاذاعات ومحطات التلفزيون ودائرة البريد والهاتف : مصدراً للأخبار والاستمتاع والتواصل مع الآخرين لرجل في مثل حساسيته المفرطة مما يحدث خارج حدود بيته الذي لم يعد يغادره الاّ عند الضرورة”.(36)
وفي رواية أمجد توفيق (الساخر العظيم) الصادرة عام 2018م، تبدو هشاشة المأوى، من خلال تهشم الروابط الأسرية ؛ فقد” حرصت الأرملة أن تظهر جمالها ومفاتنها ،وكنت مبتهجاً بما أرى، تناولنا العشاء، بعدها انسحبت العجوز الى غرفتها ، فنهضت مدعياً أنني متعب وسأنام، اتجهت الى غرفتي ،وبدأت ملابسي ثم تسللت الى غرفة الأرملة لأقضي ليلة فيها السحر والجمال وفران الغرائز ما يجعل من الجسد الفتي للأرملة واحدة نادرة للمتعة الخالصة”.(37)

الروائي أمجد توفيق

وتبدو أجواء بغداد، ملبدة ” بغيوم كثيفة من عدم الثقة والتشكك، وتعدد الولاءات والمصالح. فاحت رائحة الفساد وكثرت القصص الخيالية والواقعية عن أرقام فلكية من أموال الدولة، تسرق وتستنزف دون رادع، حتى بات المواطن في حيرة من امره، فالأسماء والعناوين المتداولة تمثل رموز المشهد ،وردود الأفعال لا تستجيب ولا تتناسب مع حجم ما يجري من أمور تزكم الأنوف”.(38)
يعبر هذا الوصف لبغداد عن هشاشة الحياة فيها، وبالذات الانكسار الداخلي الذي يبدو أكثر تأثيرا من الانكسار الخارجي” بفعل الغزو. وما نشهده اليوم هو خلاصة الطفح الداخلي الذي يبحث عن صفات أو بغير صفات قائمة”.(39)

-7-
لقد عبرت روايات ما بعد الاحتلال الأمريكي عن هشاشة المأوى، وهشاشة الواقع، بطرق مختلفة، سواء كان سجناً أو بيتاً أو وسيلة نقل، كما كشفت عن تأثير هذه الهشاشة على واقع المجتمع العراقي ،وتفكك عراه، عبر الحروب الطائفية وغياب الدولة وسيادة الجماعات المختلفة، المسلحة وغير المسلحة، وعن تفشي القتل وعدم الاستقرار؛ وهذا بدوره انعكس على طبيعة بناء الرواية السردي ،وبناء المكنة الروائية التي تتردد عليها الشخصيات ،وعن تحولات الذائقة الجمالية وتفشي النفايات والبنايات الآيلة للسقوط ، بسبب الزمن أو بسبب الحروب ،والكاتب مهما يكن موقفه فهو مصوّر بارع في نقل صوره الواقعية وقراءة ما يحيط بها من ظروف استثنائية ، بحيث بدت هشاشة الحياة والذات معاً، وما تعانيه من رثاثة التاريخ المسربل بالدم وحياة قاسية، وتشرد وخوف ولا مبالاة؛ فقد شاع ذكر الأمكنة مشفوعة بالجوع ، بحيث تبدو التداعيات السردية والنفسية انعكاساً للتداعي الاجتماعي والاخلاقي. وقد تلاشت مع هذه الحياة الاحلام المشبعة بحبّ الحياة والوطن، وأصبحت الذات الانسانية تبحث عن ملاذ لها يقيها تلك التداعيات الذي سببها الاحتلال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

هوامش:
1- العين: الفراهيدي، تح ابراهيم السامرائي ومهدي المخزومي، وزارة الثقافة الإعلام( بغداد، 1980- 1983م)، مادة(هش).
2- لسان العرب: ابن منظور، تصنيف يوسف خياط ، دار لسان العرب(بيروت، د.ت)، مادة( أوا).
3- شعرية السرد وسيمائيته: عبير حسن علّام، دار حوار ، ط2( اللاذقية، 2017م)، 134.
4- جماليات المكان: باشلار، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ط2(بيروت، 1404هـ/ 1984م)، 35.
5- جماليات المكان، 101.
6- فعل العمارة … ونصّها، قراءة في عمارة الحداثة … وما بعدها: د. خالد السلطاني، دار المدى(بيروت – بغداد،2013م)،175.
7- فعل العمارة، 255.
8- فعل العمارة، 260.
9- فعل العمارة، 270.
10- توقيع الأثر، استحضار أثر (المنطقة المقدسة) وتفكيكه: محمد علي النصراوي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – دار الفارس (عمّان، 2017م)،101.
11- توقيع الأثر،103-104.
12- توقيع الأثر،105-106.
13- بلدة في علبة: حامد فاضل، دار سطور(بغداد، 2015م)،132.
14- فسحة للجنون: سعد محمد رحيم، دار سطور( بغداد، 2018م)، 5.
15- فسحة للجون، 198.
16- فسحة للجنون، 24.
17- اللاأين: طه حامد شبيب، دار سطور(بغداد،2017م)،6.
18- اللاأين،33.
19- مثلث الموت: علي لفتة سعيد، دار سطور(بغداد، 2016م)،35.
20- مثلث الموت،40.
21- مثلث الموت،123.
22- مثلث الموت، 124.
23- مثلث الموت، 130.
24- مثلث الموت، 158.
25- مثلث الموت، 208.
26- على أبواب بغداد: قاسم حول، دبي الثقافية( دبي، 2014م)،99.
27- على أبواب بغداد، 139.
28- على أبواب بغداد، 190.
29- لماذا تكرهين ريمارك؟: محمد علوان جبر، دار الحكمة، لندن – دار بابل( بغداد، 2018م)،53.
30- لماذا تكرهين ريمارك؟، 54.
31- اعترفات زوجة رجل مهم: ناطق خلوصي، دار ميزوبوتاميا( بغداد،2015م)،159.
32- اعترافات زوجة رجل مهم، 208.
33- اعترافات زوجة رجل مهم،210.
34- خان الشابندر: محمد حياوي ، دار الآداب (بيروت،2015م)،9.
35- خان الشابندر،121.
36- بستان الياسمين: ناطق خلوصي، دار ميزوبوتاميا( بغداد، 2018م)، 36.
37- الساخر العظيم: أمجد توفيق، دار فضاءات(عمّان،2018م)، 125.
38- الساخر العظيم، 265.
39- الساخر العظيم، 271.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *