الرئيسية » نقد » ادب » د.ثائر العذاري : الراوي الملتبس في (اللص والكلاب)

د.ثائر العذاري : الراوي الملتبس في (اللص والكلاب)

الراوي الملتبس في (اللص والكلاب)
د.ثائر العذاري
في الامتحان النهائي لطلبة المرحلة المنتهية لهذا العام وضعت سؤالا عن رواية نجيب محفوظ (اللص والكلاب) بعد أن كنا قد قرأناها وحللناها في أثناء العام الدراسي، وكان السؤال: هل كان سعيد مهران في رأيك شخصية طيبة أم شريرة؟ ولماذا؟ وجاءت إجابات طلبتي مثلما توقعت تماما، تشي بصعوبة الحكم والحيرة فيه، فقد تراوحت إجاباتهم بين من رأى أنه شخصية شريرة أو طيبة أو الاثنين معا ولكل منهم أدلته.
يوظف محفوظ في هذه الرواية وروايات أخرى وفي عدد من قصصه القصيرة كما في مجموعة (همس الجنون)، تقنية خفية تدفع القارئ نحو التعاطف مع شخصياته مهما كانت سيئة، أو السخرية منها مهما كانت طيبة، وهذا ما يؤدي إلى بناء أثر الشعور بالذنب عند القارئ كما سنبين.
أضاف (كلينث بروكس) فصلا إلى كتابه (فهم السرد Understanding Fiction) في طبعته الثانية، عنونه (المسافة Distance)، يرى فيه أن ثمة تنويع مهم في صيغة الروي لم يحظ بالاهتمام المناسب، ذلك هو مقدار ما يستطيع الراوي معرفته من أفكار الشخصية الرئيسة ومشاعرها، وهو ما سماه المسافة بين الراوي والشخصية التي تتيح مروحة كبيرة من التنويعات في صيغة الروي.
وفي كتاب (بلاغة السرد The Rhetoric of Fiction) يرى (واين بوث) أن من السخف ان نحاول حصر صيغ الروي بثلاثة أنواع أو أربعة، لأن هناك الآلاف من الاحتمالات.
ويمكننا الدخول إلى صيغة الروي في (اللص والكلاب) بالجمع بين المدخلين السابقين، إذ إن صيغتها من تلك الأنواع التي قصدها (بوث) التي يصعب تصنيفها، بينما يمكننا أن نكتشف أن المسافة بين الراوي و سعيد مهران تساوي صفرا.
تبدأ الرواية هكذا:
“مرة أخرى يتنفس نسمة الحرية ، ولكن في الجو غبار خانق وحر لا يطاق. وفي انتظاره وجد بدلته الزرقاء وحذاءه المطاط، وسواهما لم يجد في انتظاره أحدا. ها هي الدنيا تعود، وها هو باب السجن الأصم يبتعد منطويا على الأسرار اليائسة.
هذه الطرقات المثقلة بالشمس ، وهذه السيارات المجنونة…”
تتسم هذه البداية بسمات يفترض أنها ستحدد صيغة الروي، فمعظم الذين كتبوا عن الرواية رأوا أن الراوي فيها راوٍ عليم، فهو يقدم سعيد مهران بصيغة الغائب، فضلًاعن تمكنه من الكشف عن أفكاره.
يستغل نجيب محفوظ شعور القارئ بموثوقية الراوي العليم، لكنه لا يجعله يتحدث بلغة تعبر عن حياديته، فالمفردات التي استعملت في هذا المفتتح تحمل شحنات عاطفية تعبرعن شعور سعيد حال خروجه من بوابة السجن. فهده الانزياحات الممتدة في هذه الأسطر لا يمكن أن نكون مشاعر الراوي، فمن يشعر بتنفس الحرية والغبار الخانق وبعدم وجود من ينتظر وجنون السيارات، مثلا، هو سعيد مهران لا الراوي، لكنها تشي بانعدام المسافة بينهما، وهذا ممكن في تقنية الراوي العليم القادر على النفاذ إلى وعي الشخصيات، لكن غير الممكن هو:
“… ولا شفة تفترعن ابتسامة. وهو واحد، خسر الكثير، حتى الأعوام الغالية خسر منها أربعة غدرا، وسيقف عما قريب أمام الجميع متحديا. آن للغضب أن ينفجر وأن يحرق، وللخونة أن ييأسوا حتى الموت، وللخيانة أن تكفر عن سحنتها الشائهة. نبوية عليش، كيف انقلب الاسمان اسما واحدا؟، أنتما تعملان لهذا اليوم ألف حساب، وقدما ظننتما أن باب السجن لن ينفتح، ولعلكما تترقبان في حذر، ولن أقع في الفخ، ولكني سأنقض في الوقت المناسب كالقدر … استعن بكل ما أوتيت من دهاء، ولتكن ضرتك قوية كصبرك الطويل وراء الجدران . جاءكم من يغوص في الماء كالسمكة ويطير في الهواء الصقر ويتسلق الجدران كالفأر وينفذ من الأبواب کالرصاصن …”
ففي هذه الأسطر القليلة تتغير صيغة الروي ثلاث مرات، من غير علامة ترقيم تدل على الانتقال من صيغة إلى أخرى، فبشكل مفاجئ يظهر صوت سعيد بصيغة المتكلم بعد أن كان يشار إليه بضمير الغائب، ثم فجأة، أيضا، يتحول إلى مخاطب، ثم يعود إلى صيغة الغائب.
يمكن، عبر الفحص اللغوي، أن نصل إلى أن الرواية كلها تقدم العالم كما يراه سعيد مهران بعينيه وفكره، فهو موجود في كل مشاهدها من اول كلمة إلى آخر كلمة، وليس هناك حدث صغير واحد يحدث في غيابه، رأينا عليش ونبوية وسناء ورؤوف علوان ونور والجنيد والشرطة، بعينيه هو، ولم نجد أثرا لقدرة الراوي العليم على النفاذ إلى وعي الشخصيات، فكل شخصيات الرواية، عدا سعيد نفسه، رسمت من الخارج كما يراها هو، وإذا ما أبدلنا ضمير الغائب الذي يشير إليه بضمير المتكلم فلن نحتاج إلى تعديل أية فقرة في الرواية. وهكذا يكون من الصعب عد الراوي عليما. كما لا يمكن القول أن الراوي سعيد نفسه لأن الصيغة اللغوية التي تشير إليه بضمير الغائب تمنع ذلك.
إن من السهل بمكان الاستدلال على الشبه الكبير بين سعيد مهران وراسكولنيكوف، وكما رأينا العالم بعيني سعيد هنا، كنا نراه بعيني راسكولنيكوف في (الجريمة والعقاب). فنجيب محفوظ يوظف الصيغة نفسها التي وظفها معلمه دوستويفسكي، إذ يبدو كما لو أن الراوي يجلس في رأس كل منهما، فيطلع على تفكيره ومواقفه من العالم الذي سيشاركه رؤيته. ولهذا ستكون كل أفعالهما مسوغة ومقنعة، مع الإيهام بموثوقية الراوي باستعمال ضمير الغائب، وهكذا سنتعاطف معهما على الرغم من معرفتنا أنهما مجرمان.
ولأن الراوي يجلس في رأس سعيد سيتوحد معه إلى الدرجة التي تختلط فيها الضمائر (أنا، أنت، هو)، وهذا ما يفسر اختلاط الصيغ في مفتتح الرواية.
إن تنويعات صيغة الروي التي يتيحها عامل المسافة بين الراوي والشخصية، هي أحد أهم أسباب سخرية واين بوث من محاولة تصنيف الصيغة، فكلما اقترب الراوي من وعي الشخصية تغيرت طبيعته، وقل بالضرورة مقدار ما يعرفه من وعي الشخصيات الأخرى، حتى إذا أصبحت تلك المسافة صفرا، اصبحت قدرة الراوي على النفاذ إلى وعي الشخصيات الأخرى منعدمة.
أسمي هذا النوع من صيغ الروي (الراوي الملتبس)، ولا أقصد إضافة مصطلح لصيغة روي جديدة، بل هو مصطلح يمكن أن ندخل فيه كل صيغة روي لا تدخل في التصنيفات المعروفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *