الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء التاسع والأربعون) (الأخير)

الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء التاسع والأربعون) (الأخير)

الجزء التاسع والأربعون (الأخير)
نزلت مروة بتثاقل واستحياء وتأفف وكأن صديقتها تجرها جراً وهي تشدُّ يدها حتى وصلتا لدى الباب ، فوضعت سُـبـُل يدها على زر الجرس ، برهة حتى فُتح الباب وتم الترحيب بحفاوة بمروة وصديقتها .
مروة مبتسمة : أين أختي أم ألق والعائلة .
زوجة ألق : خالتي وعمي في السوق ومنذر معتكف في غرفته كالعادة ، ثم توجهت لتحضر لهما العصير .
سُـبـُل مبتسمة واثبة على مروة : هيا توجهي بالحال لمنذر اعتذري منه وأدعيه ليتناول الغداء معنا متُّ من الجوع هيا بسرعة … وإلاّ .
مروة بتأفف وحذر : حسناً حسناً ، أهدئي ولا تثيري الإنتباه أرجوك سأذهب ، وبالفعل توجهت بالحال الى غرفة منذر مرتقية السلم الضيق البائد بتثاقل وهي تتأمل أجزاءه القديمة ، وهكذا حتى وصلت باب الغرفة وقفت لدى الباب ثم راحت تتأمل أجزاء المكان بعين البؤس لحظة ثم طرقت الباب واضعة يدها على مقبضه فسمعته يقول : أدخل ، فدخلت الغرفة بهدوء دون أن تنبس بأي كلمة وعيناها تتفحصان المكان حيث بعض ملابسه وأغراضه على الأرض والأتربة على كتبه وهو مستلقي على سريره وفي أذنيه سماعة أذن موصولة بالنقال والإبتسامة مرسومة على محياه وعيناه مسدودتان مما أثار دهشتها وتبسمها ، وعندما فتح عينه ليرى منَ الطارق لم يصدق ما رأى وكأنه في حلم ، مروة واقفة في غرفته وتنظر إليه هكذا وتبتسم ، فنهض بسرعة البرق والخجل يعتريه وقال بتلقائية مروة وهو يحاول أن يلملم أشياءه المبعثرة هنا وهناك .
مروة مبتسمة : لا تُحرج مني يا منذر فأنا زوجتك .
منذر متلعثماً : والله أكاد لا أصدق هل أنا في حلم أو واقع ؟
مروة مبتسمة شادة على يده : سامحني عما بر مني بغير قصد فأنت زوجي وحبيبي ولا يمكنني الاستغناء عنك .
منذر مبتسماً مسروراً شاداً على يدها بتأثر : بل أنت التي تسامحني حبيبتي ، لا أتذكر الآن أي موقف أختلطت عندي المشاعر .
مروة مبتسمة : ماذا كنت تسمع أغنية ؟!
منذر مبتسماً : نعم كنت أسمع وأستمع كل يوم قبل نومي وعندما استيقظ الى أجمل أغنية في حياتي وأجمل صوت ملائكي في الوجود أغفو والسماعة في أذني .
مروة وقد غارت بسمتها متنهدة عن غير رضا : ومن هذه التي تنام وتصحو على صوتها الملائكي يا ترى أسمعني صوتها ؟!
منذر مبتسماً وهو يضع السماعة في أذنها ويسمعها الصوت الذي ينام ويغفو عليه كما قال لها ، وراحت تنتبه بتلهف وعندما سمعت هدأ تعجبها وأحمرّت عيناها تأثراً وهي تنظرُّ إليه بعين الرضا متنهدة : هل كنت تسجل كل مكالماتنا .
منذر مبتسماً : نعم كل مكالماتنا موجودة حتى قبل سنة من الآن .
مروة مبتسمة : أشكرك حبيبي وأنا أيضا والله أحبك وأرجو أن تفهمني وتتفهمني عندما أمرُّ بظروف صعبة وتقف معي وتآزرني ولا تتركني .
منذر مسروراً : لم ولن أتركك يوماً لأنك الروح في جسدي وأنت تعرفين هذا جيداً ، ولكن الزعل يحول بيننا أحياناً فأنت أيضاً تفهميني .
مروة مبتسمة نهضت : هيا حبيبي تأنق لنخرج لأن سُـبـُل دعتنا على الغداء وهي تنتظرنا في الصالة قرب زوجة ألق .
منذر وقف بسرعة مندهشاً وقد غارت بسمته : قصدك بأن سُـبـُل هي التي أحضرتك هنا لتعتذري لي أليس كذلك ولم يكن القرار قرارك ؟
مروة منزعجة متوترة واضعة يديها على جانبي وجهها : يا إلهي يا إلهي صبرك ، ثم قالت له بتوتر إذا كنت تتزعل كل حين فأنا لا أملك الطاقة لإستيعاب زعلك ، أعرفت أسمعت وهمت بالخروج ، وعندما رأها هكذا تشبث بها كالطفل مبتسماً : أهدئي أهدئي حبيبتي وقبّل يدها ، نحن نتحاور ، أعتذر أعتذر أرجوك أهدأي ، إنزلي لسُـبـُل الآن وسأوافيك بسرعة البرق .
بعد ذلك توجه الثلاثة الى أحد المطاعم لتناول وجبة الغداء وقد طلبت مروة من منذر أن يقود السيارة بدلاً من سُــبُل ، فركبت مروة وسُــبُل في المقاعد الخلفية للسيارة وسارت بهم والبِشر يطفح على وجوههم ، ومروة تتحدث مع صديقتها بهدوء شادة على يدها ، وبينما هي كذلك استدار منذر إليهما مبتسماً ملقياً أنظاره على تمسك مروة بيد سُــبُل واسترسالها بالحديث معها ، حيث التوقف عند نقطة المرور فإنتبهت له مروة وقالت له مبتسمة : هااا … ما بك تنظر شزراً هكذا ألديك إعتراض أم تحاول أن تسترق السمع بيننا ، يبدو عليك علامات الزعل وتحتاج أشهر للمصالحة .
منذر ضاحكاً : ومن قال لك بأني أصم .
مروة ضاحكة : وماذا سمعت ؟!
منذر : تحدثي عادي يا مروة فسُــبُل أكثر من أخت وخالد أروع وأنقى إنسان رأيته في حياتي .
سُــبُل مبتسمة : أشكرك عزيزي منذر .
مروة ممازحة : ما هذا تتغازلان وأمامي … أكثر من أخت وعزيزي ، أنا أغار ولا أسمح لكما إلاّ بمغازلتي أنا فقط دون منازع .
منذر ضاحكاً : أذن تحدثي بصوت طبيعي ولا تتعبي نفسك .
مروة مبتسمة : نعم كما سمعت فأن خالد طلب مني أن أتكلم مع سُــبُل ، يعني بعبارة أخرى خطبها مني بصفتي ولية أمرها .
منذر : ولماذا خطبها منك وكيف يتحدث معك وأين رأك ومتى ؟
مروة ممازحة مبتسمة : يعني ستزعل من جديد ؟ فلديك طاقة نووية من الزعل .
منذر : وما هو رأي أختي الدكتور سُــبُل .
مروة ممازحة : ألم أقل لك لا تمدح غيري هل تريدني أن أزعل ؟!
وبعد أن قضوا وقتاً جميلاً جداً ألتقطوا بعض الصور التذكارية لتوثيق الحدث ، وفي العصر رجعوا الى بيت مروة بحسب طلب منها ، وعلى الرغم من إمتناع سُــبُل عن النزول من السيارة ، نزلت تحت إلحاح مروة ودخلوا المنزل ورحبت بهم زكية وقد فرحوا كثيراً بأطفالها الذين يملأون المنزل سعادة ،وما هي إلاّ دقائق معدودة حتى إمتلأ المكان بأخوة مروة،وبعد التحية والضيافة همست مروة مبتسمة بإذن والدتها أتعرفين يا أمي أقسم لك بأني نسيت موعد أخوتي هذا لجمال الوقت الذي قضيته اليوم.
أم مروة مبتسمة : جعل الله كل أيامك سعادة حبيبتي .
سُــبُل شعرت بالحرج وهي تهمس لمروة : هل هم مدعون أم زيارة لهم ؟
مروة : لا بل إجتماع عائلي نسيته .
سُــبُل نهضت وهمت بالحال للخروج مسرعة : استأذن منكم جميعا الى اللقاء .
مروة تسير خلفها وهي تشدُّ على يدها : أقسم لك بأني نسيت موعدي مع أخوتي ونسيت نفسي معك وأشكرك حبيبتي نكمل حديثنا بالهاتف حول خالد .
سُــبُل مبتسمة : المهم الآن أهتمي بمنذر ، فأوصلتها للباب وعادت وجلست قرب منذر الذي كان جالساً قرب زوجة أخيه أم فريال وولدها ألق ، التي يعدها بمثابة أمه كما أسلفت لأنه بعمر أبنائها .
منذر همس بأذن مروة : ما الخطب الكل مجتمعون هنا لم تخبريني بذلك ؟
مروة مبتسمة : لا بأس الآن عرفت بأنه اجتماع عائلي .
منذر : اجتماع ! حول ماذا ؟ وبينما هما يتحادثان ، برز نائل قائلاً : أنا أفضل أن يكون الاجتماع بحدود ضيقة ويضم العائلة فقط وهو ينظر الى منذر بقصد اخراجه من المكان ، وعندما سمع منذر ذلك همّ بالخروج إلاّ أن مروة نظرت الى عينيه بشدة ، شادة على يده هامسة بأذنه بهدوء : لا تخرج ، قف بجانبي ولا تكرر موقف الأمس ، بقاؤك يعني وقوفك بجانبي ، ثم اتجهت الى أخيها نائل قائلة : نعم يا أخي العزيز كلامك صحيح فلتخرج زوجتك إكرام من المكان .
نائل معترضاً : هذه زوجتي يا مروة .
مروة مبتسمة : احترامي وتقديري لهاوايضاً منذر زوجي يا نائل .
سراج الدين : أرجوكم لاغريب بيننا ثم أن الأمر ليس سراً ، وأزيدكم علماً بأن والدي رحمه الله أوصى أن تقرأ الوصية على كل العائلة بفروعها ، فضلاً عن أم سالم وشامخ وزكية ، وبعض العوائل التي كان يكفلها طوال هذه السنين ، وأنا بجابني لم أدعهم حتى لا يطلع كل الناس على مشاكلنا وانما أكتفي بإيصال حقوقهم لهم كاملة ان شاء الله .
أم قتيبة : أحسنت أبا قتيبة الأفضل أن تبدأ .
سراج الدين : حسناً فلنقرأ سورة الفاتحة أولاً على روح والدي ، ثم وضع قتيبة الحقيبة على الطاولة أمام والدته فتحها واستخرج الوصية ، وأحب أن أنبه الجميع بأن الوصية مصدقة من قبل المحكمة من قبل الوالد ، وهو من قام بكتابتها بخط يده وبإمكان الجميع التأكد من هذا الأمر بنفسه أن أراد .
نائل مبتسماً : هيا يا أبا قتيبة فأناعرضت هذا المنزل للبيع وربما سيأتي المشترين بعد دقائق .
أم مروة منزعجة لم يروق لها الحديث : أنا أستأذن يا أبا قتيبة .
سراج الدين مبتسماً : أرجوك يا أم مروة أجلسي الى الأخير تحملينا ، وكل شيء سيعود الى وضعه الطبيعي تفضلاً منك ان بقيتي وسمعتي فهذه وصية والدي وعلينا جميعا سماعها .
مروة منزعجة : أمي أرجوك ، كلام أبا قتيبة صحيح هذه وصية .
نــائــل مبتسماً : هيا يا أبا قتيبة لا تتعب أعصابنا لدينا أعمال ومشاغل ، أحسم أهم الأملاك هذا القصر والمعمل .
سراج الدين راح يتلو عليهم : نعم لا تستعجل رزقك يا نائل ، بأن المنزل هو بالأساس بأسم السيدة أم مروة ونصف المعمل بأسم مروة .
نــائــل منتفضاً والجميع ينظر له بإستغراب : كيف ذلك هذه قسمة غير صحيحة أنا أطعن بمصداقية هذه الوصية ووالدي منصف وكلنا يعرف ذلك .
سراج الدين : أن هذا المنزل شيّده والدي نعم ، ولكن بمال السيدة أم مروة الذي ورثته عن والديها وأنا أشهد بذلك ، ولأن والدي منصف كما تقول وضعه بأسمها من البداية ، وان كان عندك إعتراض فالمحكمة موجودة أذهب لها ، وعلى ماذا تعترض ألا تفهم الموضوع هذا المنزل ليس من ضمن أملاك الورث .
قتيبة مبتسماً وهو ينظر الى منذر قائلاً لوالده : أكمل أبتي أرجوك .
سراج الدين : نعم يا قتيبة أنا أقرأ وأوضح الأمر ومن حق كل وريث أن يطرح أسألته ، أما بالنسبة للمنزل الذي جمعنا بوالدتنا ولنا فيه كل ذكريات الطفولة فهو بأسم والدي وسيوزع بحسب القانون والوصية بين سراج الدين ونائل وأسيل .
أم قتيبة : ومروة ؟!
إكرام معترضة : لا تخافي عليها فلديها حصة الأسد ثم إنه بيت صغير وقديم .
نائل منزعجاً : يا أخي أن المعمل يعمل على قدم وساق وخيره وفير وقد رأيته بأم عيني يعمل دون هوادة وكل العمل يسوّق فوراً والحجز مسبقاً .
سراج الدين مبتسماً : لا تستعجل رزقك قد لا تعلم بأن لوالدي بساتين من هذه الخيرات التي تحدثت عنها ، أحدهما بالأساس منذ بداية الشراء بأسم مروة ووالدتها والأخر بأسمائنا نحن الثلاثة سراج الدين ونائل وأسيل فقط ، هذا بالنسبة للأملاك ، أما بالنسبة للأرصدة النقدية فقد قسمها والدي بيننا جميع عائلته دون استثناء ، فضلاً عن مبلغ متواضع بأسم شامخ وزكية وأم سالم وبعض العوائل التي كان يكفلها ، وأخر كلامه يوصينا جميعاً بتقوى الله أولاً في أنفسنا وصلة رحمنا وأن لا نتخلى ما دمنا أحياء عن زكية وعائلتها .
نائل معترضاً : نحن أولى بهذه المبالغ التي بعثرها هنا وهناك بين هذا وذاك .
سراج الدين وجه كلامه لأخته أم فريال : ما رأيك أختي ؟
أم فريال وقد أغرورقت الدموع في عينيها : تمنيت لو كان موجوداً الآن ، لم ينسني والدي في حياته ، ماذا أقول ليتني أوفيه حقه علي ّ .
سراج الدين وجه كلامه للجميع : هذه هي الوصية ومن كان لديه أب تساؤل أو اعتراض ليعترض لأن أنا المحامي الموكل من قبل والدي وبالقانون .
مروة مبتسمة وهي تشدُّ على يد منذر لئلا ينهض : وبما أنكم مجتمعون كلكم هنا حفظكم الله جميعاً ، أريد أن أبلغكم بأن زوجي منذر سيعيش معي هنا في منزلي ، ووالدتي من أتخذت هذا القرار ومن اليوم .
نــائــل قلب شفتيه : بدون عرس وإعلان وإشهار أمام الجميع .
مروة : أنتم عائلتي وقد عرفتم بذلك ، لم ينقض ِ على وفاة والدي إلاّ بضع أسابيع فعن أيّ عرس تتحدث ، سأسافر الى تركيا .
سراج الدين : قرار سديد وصائب وأنا أشدُّ على يدك ، وحتى أطمأن عليك من الآن ، ومنذر ولدنا ويسرنا جميعاً أن يكون أحد أفراد العائلة .
أم قتيبة مبتسمة : ألف مبروك حبيبتي قرار سديد فالتأخير ليس بصالحك .
إكرام : نعم التأخير ليس بصالحك لاسيما وقد تأخرتي أكثر من المقرر .
أم فريال فرحة : منذر ليس أخا زوجي فحسب وانما ولدي وحبيبي وقد تربى في أحضاني ولطالما تمنيت له هذا اليوم ، فربما أنا أشدُّ سعادة منه الآن فألف مبروك يا حبيبي منذر وألف مبروك لك يا أختي وأبنتي وحبيبتي مروة .
منذر متأثراً : أشكرك أيتها الغالية أم فريال والله إنك لصادقة في كل كلمة قلتيها فأنت أمي ولن أنساك ما حييت حفظك الله لي ان شاء الله .
فاطمة بكآبة : تمنيت أن يكون حفل زفافك يا مروة حديث الناس .
مروة متنهدة : أمي أرجوك لقد تناقشت معك في الأمر تمني لي الخير فقط ، وليكن تجمعنا الآن بمثابة حفلة بسيطة .
أم مروة : كانت أمنية والدك أن يعيش منذر معه لأنه يحبه كثيراً كأحد أولاده .
قتيبة مبتسماً : هل لديك إعتراض يا صديقي منذر .
منذر محرجاً : ماذا أقول غير اني لن أتخلى عن مروة وسأوافقها بأي رأي .
مروة مبتسمة : أشكرك يسرني تأييدك لرأيي يا حبيبي ، وبعد تناول العشاء بارك الجميع لمروة وانصرفوا ، ولعل فرحة زكية وشامخ لا توصف أكبر من كل فرحة في الكون ، فشعوهم بالآمان والاستقرار وزال الخطر الذي كان يهددهما ، أهم شيء وأهم فرحة صادفتهما في حياتهما ، وبينما مروة ومنذر يصعدان سلالم الدرج المؤدي الى غرفتهما ، سألها عندي سؤال يا مروة ؟
مروة مبتسمة : لندخل الغرفة وسأسمع كل أسألتك وما هي إلا لحظات حتى دخلا غرفة جميلة جداً بكامل أثاثها وعدتها ، فقالت له وقد ترقرقت عيناها : أتعرف بأن هذه الغرفة قد هيأها والدي وتمنى لي هذا اليوم ، وتمنى أن تعيش معه ، ولم أدخلها لأن غرفتي كانت في الأسفل قرب غرفة والدتي الآن .
منذر مسح عينيها متأثراً : سبحان الله كل شيء صار سريعاً بحسب إرادة السماء ، لم أكن أتوقع أحداث اليوم ولم أكن أتوقع أبداً بأن الحياة ستجمعني معك في غرفة واحدة وسقف واحد وباب مسدود ، فالحمد لله رب العالمين .
مروة : لماذا فأنت زوجي شرعاً وقانوناً .
منذر متلعثماً : أ … لأنك قلتي لي بأنك لن تلبسي الثوب الأبيض الذي تمناه والدك ، ولكنك اليوم وأمام عائلتك أعلنتي زواجك مني .
مروة : نعم وأنا عند كلمتي وهل تراني لبسته الآن ، فأرجوك أغلق كل الملفات القديمة ، أريد أن نبدأ بداية جديدة بعيدة عن كل التوترات .
منذر مبتسماً : مجرد سؤال حبيبتي فأنت حلمي وحضوري وكل أهلي وخاصتي .
مرّت الأيام سريعة حتى جاء موعد سفر أيار وزوجها الى بريطانيا وعلى الرغم من سعادتها البالغة في هذا السفر ، إلاّ أنها تأثرت عند توديع والديها وأخوتها وعمتها وكل افراد العائلة ، فخرجت والدموع تنحدر من عينيها متوجهين الى مطار البصرة الدولي ، ولكن الأجواء الجديدة التي دخلتها جعلت دموعها تجف وشوقها ولهفتها وحنينها الإسطوري لسبأ خففت من تأثرها ، وعبد الحافظ من النوع الذي يوثق كل اللحظات وفي كل خطوة لها وهكذا حتى وصلا مطار لندن منهكين من التعب بعدها توجها الى السكن المخصص سلفا لهما ، وعلى الرغم من التعب فان أيـار طلبت منه إن يذهبا حالا لسبأ .
عبد الحافظ ضاحكاً : ألم يرهقك السفر والله أنا متعب جداً جداً دعينا ناخذ قسطاً من الراحة ولا تستعجلي الغيث فأنت في ذات المنطقة التي تسكنها هي ، اطمئني وعدتك وأنا عند وعدي سأجعلك تقفين أمامها ، ولكن أين تحبين أن تلتقي بها في بيتها أم عملها أم في لقائها الإسبوعي أم مع عشيقها الأجنبي ؟
أيار فغرت فاها : عشيقها الأجنبي ولكن لماذا لم تكلمني عنه أهي مفاجأه أم ماذا ؟
عبد الحافظ : لا والله يا أيار كلمتك عنه أكثر من مرة .
أيار منزعجة : لا تقسم يا رجل لم أسمع البته بهذا الموضوع .
عبد الحافظ : ألم أخبرك بأنها تقابل عشيقها عند نهر التايمز كل يوم خميس ؟
أيار متنهدة : أرجوك زوجي لا تتلاعب بأعصابي ، ثم إني أريد أن ألتقيها عند هذا النهر الذي تعشقه ، وسأجعلها لها مفاجأة ، ولكن من من يرافقها كل أسبوع الى التايمز ألم تستعلم الأمر ؟
عبد الحافظ : حسناً أذن إتفقنا وغداً الخميس هيئي نفسك عصراً ، لا طبعا استعلمت أحياناً بمفردها وأحيانا أخرى برفقة أصدقائها وصديقاتها الانكليز .
أيار : ولكن هل سباً من تدعوهم لرفقتها ؟
عبد الحافظ ضاحكاً : وكيف لي أن أعرف ذلك ؟! أهو شعور بالغيرة ؟
أيار متنهدة : ربما . . نعم . . وربما … لا . . ولكن الرفقة أفضل من الوحدة ، فلترافق منَ تُرافق هذا شأنها . . . ليس لي علاقة بها .
عبد الحافظ ضاحكاً : واضح حبيبتي واضح من كلامك .
وبعد شهر من زواج مروة تم زواج خالد لسُبُل وتحقق حلمه اليتيم الذي كان يظنه بعيداً جداً بعد السماء عن الأرض عن ولكن سبحان الله هذه الرسائل التي تكتبها دائماً أنامل القدر وتسوقها الى من تريد دون أن يعلم وما أجملها من رسائل ان كانت تجمع بين الأحبة وتحيطهم بأغصان الخير والمحبة وتحقيق الحلم الذي يظنه العبد مستحيلاً ، وقد تعود منذر على الحياة في مسكنه الجديد ، والعودة للعمل في المعمل بذات وظيفته السابقه بوجود نائل في الإدارة الذي غيّر أسلوبه معه مضطرا وبدافع المصلحة ايضاً ، وبحث من مروة لمنذر ان يلين جانبه لنائل لأجلها حتى تستمر الحياة بدون مشاكل ، وفي جلسة جميلة لاحتساء الشاي في حديقة مروة تجمعها بزوجها ووالدتها واطفال زكية يجلسون حولهم بمودة من أم مروة يتجاذبون أطراف الحديث. مروة مبتسمة : أمي كم أتمنى لو تذهبي معنا الى تركيا أرجوك .
والدتها مبتسمة : لا يا حبيبة قلبي أنا لا أرتاح إلا في بيتي فهو جنتي وسعادتي لا أذهبا حفظكما الله الله ، ولكن متى ستذهبون بالضبط ؟
مروة : انتظر سُبُل وخالد .
ام مروة ام مبتسمة : حسناً تفعلين فالرفقة جميلة في السفر ، ماذا تقول يا منذر ؟
منذر مبتسماً : إذا تعلق الأمر بسُبُل . فلا قرار يعلو على قرار مروة .
مروة ممازحة : ها . . . أهي غيرة أم نوبة زعل ؟
منذر مبتسماً : بصراحة أشعر أحيانا بالغيرة لأنك تهتمين بها اكثر مني .
أم مروة : نعم لابد أن تعتاد على ذلك لأني أيضاً أحبها كحبي لمروة .
منذر مبتسماً : أعرف خالتي الغالية ولعلي أضمر أمراً لا لا تعرفه مروة ، فأن عمي أبا سراج رحمه الله أيضاً كان يحب سُـُبل كثيراً ، فقد أعطاني المال لأشتري المستلزمات الضرورية لعيادة سُـُبل وأوهم الجميع بأني ابيع لها بالاقساط ، وأنتم تعرفون القصة ، وما كان هذا التصرف إلا حباً وإهتماما سُـُبل وبي لأتقرب بهذا العمل الى مروة من وجهة نظره بحسب تحليلي للأمر.
وبينما كانت أيار جالسة متوسطة سريرها فتحت نقالها فاذا به يهلل برسائل ماري فرحت بها كثيرا وراحت تقرأها بصوت عالٍ لتسمع عبد الحافظ الذي كان مشغولاً بترتيب أوراقه داخل حقيبتة الدبلوماسية ، فراحت ترد عليها وبصوت عالٍ أيضاً : أهلاً ماري أنا بخير انشغلت ولم أفتح النت بالأمس.
ماري : بماذا أنشغلتي هل تفكرين بصديقتك المهاجرة يا ترى ؟
أيار مبتسمة : أية صديقة هذه وعلى قولك مهاجرة ، مجرد ذكرى سيئة لم أعتد أهتم لها ، أصبحت نسجاً من الخيال وأطمنك الحمد لله أنمحت مشاعرى تجاهها تماما ، وإحتمال حتى إذا رأيتها لا ألقي عليها التحية لا تستحق ذلك ، وأطمئنك ايضاً تعرفت على شخصية جديدة تعودت عليها ، لذلك تفضلاً منك لا تفتحي سيرة هذه المهاجرة الماكرة ، إتفقنا ، وبينما هي تكتب وتتكلم ومسترسلة قاطعها عبد الحافظ باستغراب وإعتراض : ما هذا يا أيــار سبحان الله سرعان ما تنتقلين من الترغيب الى الترهيب ومن الترهيب الى الترغيب ، الذي يسمعك الآن لا يصدق كلامك وحنينك ودموعك لها بالأمس ، لا يعجبني هذا الاسلوب .
أيار متنهدة : أريدها أن تتذوق من ذات الكأس الذي سقتني منه ، وأعرف بأنها الأن تأثرت كثيراً وأظنها دخلت في في موجة بكاء كما كنت أنا عندما أتأثر .
عبد الحافظ معترضاً : يكفى يا أيــار لا أحب شخصيتك عندما تتلون بهذه المقاصد ، أحبك كما عرفتك بلون واحد فقط ، ثم أشار الى نقالها ولاحظي لم ترد على رسالتك ولاحظي كلامك وأنت تصفين حجم تأثرها ، لماذا ، هذا الإسلوب الحاد ألأنك أصبحتي على مقربة منها أليس الله تعالى قادراً على أ أن يحرمك من رؤيتها تماماً ؟ وأين روحك الطيبة وأين توقك وحنينك ؟
أيار متأثرة : لا يا عبد الحافظ تحليلك خاطىء للأمر ، فليس لرسالتي علاقة بمشاعري وانما لها علاقة بعمق شوقي إليها وتأثري من موقفها ، أريدها أن تعرف خطأ تصرفها وأن وضعت له المبررات أريدها أن تتصل وتتكلم مميطة اللثام عن وجهها وتقول هذه أنا سبأ ، اجتهدت وأخطأت ولكنها تستمر بالخطأ .
لقد تأثرت ماري كثيراً بسبب كلمات أيــار الديناميتية ولم تستطع حتى الرد على الرسالة وانطوت على نفسها مما أثار إنتباه والديها اللذين تعودا على تقلبات مزاجها بحسب تغيرات الجو ، وبما أن اليوم الخميس وقد تعودت على الجلوس قرب نهر التايمز تتحدث مع أيار ، شعر والدها بأنها متأزمة علماً بأنها لم تخف ِعنه الامر ورأى رسالة أيار وإبتسم ، ولكنه اليوم رافقها الجلوس قرب التايمز وعن طريق الصدفة كانوا بعض أصدقائها الأنكليز عرفوا بموعدها مع التايمز فأحبوا الفكرة جلسوا قربها وقد فرحت بهم كثيرا ، وراحوا يتكلمون مع والدها وهي تترجم له ما يقولون ولكنهم يهتمون كثيرا بل يلحون عليها بترجمة كلام والدها حتى عندما يتحاور معها معها مما خفف عنها الكثير من التوتر .
يمان ( والد سباً ) والكل يستمع له : بنيتي أنت راشدة وناضجة أما آن الأن لوضع النقاط على الحروف ، أما آن الأوان للإستقرار الروحي من هذا التوتر .
سبأ تترجم حرفيا علماً بأنهم يعرفون قصتها مع أيار : أنا رهن أشارتك دلني على الطريق يا والدي كيف تستقر روحي من وجهة نظرك .
يمان متنهداً : لديك خيار واحد من خيارين ، فإما الإنسجام مع هذه الورود ( مشيراً بيده الى أصدقائها الأولاد والبنات الإنجليز ) كبديل ، ، وأما الإتصال وحالاً بأيار وإنهاء هذه المهزلة التي تتعبك وتتعبني .
سبأ تأثرت : والدي أما الطريقة الأولى فهي نسج من الخيال ولا تطبق إلا في الاحلام ولا بديل للأصيل تعرف جيداً لكنك تواسيني ، ، وأما الثانية فهي الأصعب لا أستطيع المواجهة أخاف من ردة فعلها ويا ليتك تساعدني في ذلك .
يمان مبتسماً : نعم أساعدك والأن اتصلي بها وسأكلمها بالحال ، وحالما تمت الترجمة لأصدقائها أيدوا الفكرة بفرح وصفقوا بشكل مضحك مع أصوات بالتأييد ، فسال الأب ابنته ضاحكاً : على ماذا يصفقون ويصرخون يا ماري .
سبأ ضاحكة : هكذا هم يا أبي دائماً : يصفقون دليلاً للفرح والدعم والتشجيع يعني قصدهم الآن اتفقوا معك في الرأي .
يمان ضاحكاً : حسناً أخبريهم بأني أحببت رفقتهم وسألبي دعوتهم هيا هيا لنصعد القارب الجميل ، وهكذا توجهوا الى ركوب القارب النهري الجميل الذي يشق أمواج النهر الرقراقة العذبة ، وفي هذه الأثناء وصلت أيــار وزوجها الى جانب من جوانب النهر الواسعة الأركان والجوانب والأبنية والزوارق والجسر منظر رائع جداً ويبهر العين للوهلة الأولى ، وحالما وقفت تنظر الى النهر المترامي الأطراف بدأت دموعها بالإنهمار وهي تسأل : في أي مكان تجلس ســبأ ، كيف ساجده وسط كل هذا الزحام . عبد الحافظ ضاحكاً : سترينها أكيد وستتخاصمين معها كل يوم ، فيما كانت ســبأ والمجموعة في القارب وهو يتوسط النهر استلت هاتفها من حقيبتها تحت إصرار والدها وأصدقائها الأجانب الذين يطالبونها بالترجمة الحرفية متحمسين ، وقد إزدادت ضربات قلبها فوق المعتاد وعلامات وجهها توحي بذلك بمائة مصداقية ، فاتصلت برقم أيـار مترقبة سماعها والخوف من ردة فعلها عندما جو تسمع صوتها يزيدها توتراً ، ولكن دون جدوى الرقم خارج التغطية .
يمان : لا تحزني حبيبتي يوما ما ستكون قريبة منك ، بلحظة يقول فيها الله تعالى كن فيكون ، لأن الإخوة في الله أسمى ، العلاقات البشرية ، حتى انها اقوى من علاقة الزواج بين الرجل والمرأة التي كثيرا ما تؤول الى الفشل والى الانتهاء بالطلاق ، إلا الصداقة فأنها جزء لا لا يتجزء من الروح ، هذه هي الحياة ، مهما تباعدت أطرافها تبقى قريبة منا جداً وتدبري قول الله تعالى دائماً : {{ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ( 1 ) }} سورة الطلاق .
سبأ متاثرة : والنعم بالله يا أبتي لكنك تعرف جيداً بأنها الأقرب الى روحي وإن باعدت بيننا المسافات ، أشعر وكأنها الآن موجودة قربي هنا في القارب أتحدث إليها دائماً واسمع ردها بصوتها الملائكي أيضاً .
يمان مربت على كتفها : نعم بُنيتي أفهمك أعدك بان كل شيء سيكون على ما يرام وسأتكلم معها وأن متأكد بأن المياه ستعود بينكما الى مجراها .
سبأ متاثرة : أبتي أعذرني كل شيء يذكرني بها ، وحتى عبارتك الأخيرة هذه ، يوما ما كانت تتمازح معي وأنا أقول لها ستعود المياه الى مجراها ، فقالت لي ضاحكة نعم تعود أكيد الى مجراها ولكن تصبح غير صالحة للشرب ، أشكرك أبتي أنا أحبك كثيراً لولاك لما تحملت هذه الحياة البائسة في لندن ، وفي هذه الأثناء اعترض أصدقاؤها الأجانب لإنفرادها بالحديث مع والدها دونما ترجمة انهم مباشرة ، ، فسألها والدها ما بهم ، فأخبرته بطلبهم فقال لها ضاحكاً أخبريهم بأن الحياة هنا جميلة معهم ولا تترجمي حرفيا ولا تنطقي كلمة البؤس .
سباً مبتسمة : أكيد أبتي فأنهم أصدقاء طيبون ولم أقصدهم البته في كلامي توقف القارئب لنتهيأ الى النزول ونتمشى على جوانب النهر الرائعة .
أيار تسأل زوجها : هل أتيت بنفسكك الى النهر ورأيت أين تجلس سبأ دائما .
عبدالحافظ مبتسماً شاداً على يدها : نعم نحن في طريقا إليه أنظري الى النهر وإحفظي جوانبه ومعالمه ، فهو ثاني أطول أنهار بريطانيا وواحد على قائمة أجمل أماكن السياحة فى بريطانيا والعالم فهذا النهر جزء أصيل من ثقافة وحضارة وسياحة بريطانيا وبمجرد التنزه والمشي على ضفافه سوف تشعري بمتعة لا تقاوم ، ويمكنك أيضا ركوب القوارب فى النهر ويوفر لك النهر فى مشاهدة باقي أجمل أماكن السياحة في لندن من جسر لندن وبيج بين ومبنى البرلمان ومسرج جلوب فهل شعرتني بذلك؟ أيار : أعذرني حبيبي مشاعري مضطريه الأن لم أسمع منك أية كلمة مما قلت ، وبينما هي كذلك فإذا تلمح من بعيد سبأ مع مجموعتها فشعرت وكأن كيانها أختل من الفرح مشاعر مضطربة تشبت بزوجها بقوة وهي تصرخ فرحة والدموع تنهمر من عينيها هذه سبأ هذه سبأ أنظر أنظر هناك .
عبد الحافظ ضاحكاً واضعا يده فوق ناصيته محاولاً الرؤية : أين هي لا أرها ؟ ليتك تُحبيني بهذا الجنون الذي أراه الآن ، فإذ بأيار تنحني أرضاً لتسجد لله شكراً وتطيل ، لله السجود في الحمد والشكر لله الذي أعطاها ما كانت تعتقد انه مستحيل ، وعبد الحافظ يحاول أن يساعدها على النهوض وهو يقول لها أنهضي بسرعة فأنك في لندن ولست ِ في البصرة لئلا يظن أمن المنطقة بأنك إرهابية وجلستي لتدفني عبوة ناسفة ، ثم أريد أن ألفت انتباهك بأن كل المكان هنا محاط بالكاميرات حتى لحظة سجودك هذه ، هيا ها انهضي بسرعة ، فنهضت وكأنها تطير بجناحي نسر لا كأنها تمشي على أرجل حتى وصلت لدى المجموعة وألتقت عيونهما على أمتار ، كادت سبأ أن تصاب بالسكته فوثبتت على أبيها والدموع تتصبب من عينيها تسأله والذهول يملؤها : أبتي هل أنا في واقع ؟ أو حلم ؟ هل ترى ما أرى ؟ والوالد أيضاً أصيب بالذهول وبدأت دموعه بالتصبب وهو يرى أيــار تقترب منها فقال لها بصوت متحشرج فرح : هذه أيار يا سبأ هذا لطف الله بكما ، وحالما وصلت إليها إنكفأت عليها كالموجة العارمة وكلتاهما تبكيان دون ان تنبس بأي كلمة ، والأصدقاء الأجانب ينظرون بذهول وهم يسألون الأب ولماذا يبكي ومن هذه التي تعانقها سبأ بكل هذه اللهفة ولماذا البكاء ، ومن هذا الشاب الذي يحاول أن يخفي دموعه وهي تتصبب أيضاً ، فلم يستطع الوالد الترجمة فأجابه عبد الحافظ بأنه يجيد الإنكليزية وقال لهم هذه صديقتها أيار.
الأجانب بذهول فرحين : يا ألهي وكيف وصلت إليها بعصى سحرية ثم إستداروا حولهما وبدأؤا يرفعون أصواتهم معلنين فرحهم بصراخ مضحك وتصفيق ملفت للنظر وكانهم أيقظوا الصديقتين من عناق أعمى ، فسحبت سباً نفسها بسرعة وإنحنت على الأرض ساجدة سجدة طويلة باكية شاكرة حامدة لله على ما أعتقدته مستحيلاً ، وبعد التحية بين المجموعة عرفت بزواج أيــار من عبد الحافظ وفرحت لذلك أيما فرح ، وجلست الصديقتان على افراد على احدى المصاطب الموجودة في ذات المكان .
سبأ بفرح متشبثة بيد أيار : يا حبيبة روحي تعالي قولي لي كيف نزلتي عليّ هكذا كالطيف الجميل والسحر الأخاذ ، كيف وأين ومتى …الخ أريد ان اعرف بالتفصيل ؟ أيار غارت ابتسامتها وكأنها توترت : قبل أن تبدأي بأي سؤال لابد أن تلومي نفسك على ما سببته لي من أذى فكيف أكون حبيبة روحك بهذا الكم الهائل من الوجع .
سبأ بدأت تبكي بحرقة : لك الحق في تعنيفي لك الحق في قول أي كلام ، ولكن دعيني ، اشرح لك اسمعيني أولا قبل أن تصدري حكماً جزافاً بحقي ، حسبي إني أجتهدت وأخطأت ظننت بأني أستطيع أن أجعلك تكرهيني ولا تتاثرين لفراقي.
أيار باكية : كل أعذارك ضعيفة وواهية لمستوى ولا ترقى لمستوى عذر منطقي ، ولن انسى لك الوجع الذي سببته لي أبداً طوال هذه المدة كنت أموت من الشعور بالإهانه .
سبأ باكية : أسمعيني أرجوك من الألف الى الياء ( كيت وكيت ) ، فأنا والله لم أنم يوما إلا بعد الإطمئنان عليك من خلال النت .
أيار متوترة باكية بصوت عالٍ : تصرف احمق وأهوج وقرار صبياني مراهق ، عرفت بأن ماري هي أنت ( كيت وكيت ) وعبد الحافظ عرف من وعــد كل شيء وأخبرني ، وإلا ما كنت لأسامحك لو إنطبقت السماء على الأرض ، ولكن لماذا هذا التصرف الأهوج الأجوف وهل ماتت بيننا لغة الحوار حتى تعاقبيني بهذا الإسلوب البوليسي ، جئت فقط لأسمع منك سبب هروبك من حياتي وسأرجع غداً الى البصرة ، وحالما سمعت سبأ هذا الإسلوب العنيف دخلت في موجه عارمة من البكاء ثم شعرت وكأنها أصيبت بأزمة قلبية وهي تضع يدها على قلبها وتطلب من أيــار أن تنادي و والدها وقالت لها : ربما سأموت الحمد لله لقد رأيتك هذا كل ما تمنيته فسامحيني على قراري المراهق ، جئتِ لتعاتبينى أو لتحاسبينى وتعاقبيني وتقتليني بلقاء ساعة وتسافري غداً .
أيار تشبت بها بتوتر : أهدئي حبيبة روحي أهدئي لقد سامحتك وأرجوك سامحيني لقد تخبطت خبط عشواء ، ولا تصدقي كلامي لقد أتيت لأجلك ولأجل عبد الحافظ الذي سيكمل دراسته العليا هنا وسأبقى معك سنوات وربما العمر كله ووالله لن أسافر غداً. سبأ تنفست الصعداء مبتسمة وسط الدموع : أرجوك رفقاً بي لا أحتمل والله ما قلتيه كاد قلبي ان يقف والله ولكني الآن أشعر بتحسن أزال الألم .
أيار مبتسمة وسط الدموع : حبيبة قلبي وروحي نحن هكذا تعودنا ولدت صداقتنا من رحم المعاناة وهي كالبحر تارة مد وأخرى جزر ، ولكن بحر صداقتنا زاخر بالحب والأخوة الصادقة في الله والصداقة الراشدة لا تموت أبداً ، واتذكر قول والدي الحبيب ، قبل سنين قبل أن أعرفك ، ستنسين هذا الشغف لصديقات المراهقة ، أتعرفين لماذا ، لأنك في المحطة الأولى من العمر ولم تتبلور مشاعرك بعد بالصورة التي يقتضيها العقل ، وهذا التلهف الأن يسمى نزوة عابرة ، وكلما تقدمتي في محطات الحياة ، ستتعرفين على صديقات أخريات بمشاعر ناضجة وستتذكرين كلامي هذا ، فكلنا عاش هذا الدور التراجيدي الذي تلاشى مع زحمة الأيام وامتلائها بالوجوه الجديدة .
سبـأ : علمت من علماء النفس بأن المشاكل المستمرة بين القلوب المحبة تُعدُّ حالة صحية ، لذلك أتنفس الصعداء كلما سمعت ذلك .
أيــار : بالله عليك كفى عن هذا الكلام وإن زعمتي بأنه تحليل لعلماء النفس ، تحليلاتهم محض تفسيرات بحثية تكسبية ليس إلاّ ، ولا أؤييد أبداً بان التوترات بين الأصدقاء الأوفياء هي حالة صحية بل بالعكس هي حالة مرضية هيسترية غير إرادية ، وأرجوك لا تبرري لأخطائنا وتلبسيها ثوب الشرعية ، وانما تعالي ، نبحث عن الأسباب المرضية المتجذرة كالفيروس ، للوقاية منه والعمل على علاجه علاجاً ناجعاً وإياك والقول مرة أخرى بأنها حالة صحية أو طبيعية ، لقد قرأت الكثير من الكتب ولعل هناك من الكتب الجميلة الرائعة التي تتفق مع رأيك نوعاً ما في تحديد السلبيات ، ومنها كتاب طوق الحمامة في الألفة والآلاف للإمام الفقيه ابن بن حزم الأندلسي ، يُعدّ هذا الكتاب أدق ما كتبه العرب في دراسة الحب ومظاهره وأسبابه ويتناول الكتاب بالبحث والدرس عاطفة الحب الإنسانية على قاعدة تعتمد على شيء من التحليل النفسي من خلال الملاحظة والتجربة فيعالج أبن حزم بأسلوب قصصي هذه العاطفة من منظور انساني تحليلي ، والتوافق الروحي بين البشر بصورة لا مثيل لها ، ولكني لست تابعة لما يكتبه المؤلفون والعلماء ولا أنساق خلف تحليلاتهم وتفسيراتهم لقصص عاشوها هم أنفسهم وفي ضوء تجاربهم الشخصية شخصوا العلل .
سبأ : نعم أحسنتِ حبيبتي فهمت الآن ؟
أيار : أحسن الله إليك حبيبتي ، لابد أن نجلس نحن ونشخص الاسباب والمسببات التي تعكر صفو علاقتنا الملائكية دائما لا لشيء سوء الاختلاف الرؤى ووجهات النظر التي تقود الى ضبابية في فهم المقصود من المنطوق ، هل فمتي قصدي ؟
سبأ مبتسمة : لقد تحدثنا كثيرا عن هذا الأمر لسنوات خلت لا تتعبي نفس وأقصد بأن هناك يداً خفية تجعلنا دائماً نتأرجح ما بين ما الجفاء والحنين ، لنعود ، من جديد بعد الشد ونرى عقدة صداقتنا أشد توثيقاً من ذي قبل ، حتى لو أصبح الجو مغبرا سيتغير المزاج وتختلف الرؤية ونتخاصم .
أيار ضاحكة : أذن تحليلي صحيح بأننا نعاني خللاً وحالة مرضية .
سباً مبتسمة : أرجوك حدثيني عن نفسك واخبارك وعائلتك وكيف تحققت امنيتي لك بزواجك من عبدالحافظ لطالما رأيته مناسباً لك فأنا أحب زوجك هل سمعتي أنا الأن أحب زوجك ؟
أيار ضاحكة : نعم سمعت وهو يحبك أيضاً ، أنا بخير وعائلتي بخير عدا وفاة جدي التي عكرت صفو راحتنا ، عمتي تزوجت منذر ومُعاذ استقر في دبي في وقتيبة كما تعرفين تعين مع ابي في المحكمة وحبيبي تسنيم كبر وأصبح له أصدقاء أولاد أخي قتيبة ، وانس في الاعدادية ، والدكتورة سُبُل تزوجت خالد .
سبأ مبتسمة : كم أتمنى أن أن أبارك للدكتورة مروة الحمد لله وفقها الله تعالى تستحق منا كل الخير والتقدير والاحترام ، ولكن . . . بالنسبة للكتورة سُبُل ألا ترين هناك غرابة في الأمر كيف تقبلته ، وهي بالمستوى العلمي المتكلف الذي يشعر به كل من راها في موقع عملها .
أيار مبتسمة : هناك فرق ما بين الحياة الاجتماعية والحياة الوظيفية ، وهي ما انسانة عادية بسيطة كما تقول عمتى مروة ، ثم هي ليست مجبرة ان تتعامل بإبتذال مع عامة الناس ، والذي لا تعرفيه بأن خالد هذا الذي استغربتي لأجله اكمل دراسته في المعهد الطبي وتعين معاون طبيب وهو الآن في المرحلة الأولى من كلية الصيدلة ، أحب الدكتورة سُبُل وطوّر ذاته ليكن في مستواها العلمي وربما سيتجاوز مستواها لأنه كما عرفت طموح جداً .
ســبأ : والله أخبار حلوة وتثلج الصدر نعم التاريخ مليء بمثل هذه القصص والحب طاقة فولانية تدفع الانسان الى الرقي دائماً ولا سيما بمثل قصة خالد .
أيار مبتسمة : وأزيدك علماً بأن ملاك ياس حكيم الأخت الصغرى لخالد في المرحلة الأولى من كلية الصيدلة ، وهنا نرى بأن أنامل القدر كتبت رسائلها لخالد بعناية تامة لأنه كما تقول عمتي يستحق ذلك .
راحت سبأ تفرج أيار على معالم لندن وجيرانها العراقيين والعرب ، ولاسيما الأماكن التي كانت ترتادها في عملها وأصدقائها وكل جانب من جوانب نهر التايمز ، وفي كل مكان ترتاده سبأ تجد لها أصدقاء أجانب يبدأون يسألون بإلحاح للتعرف على صديقتها أيار ، لاسيما وهم يعرفون القصة كاملة مما يجعلها مسرورة وتبدأ بالإجابة مباشرة ، ولكن أيار تتذمر من الأمر وتطلب منها بإلحاح أن تتجاهل لقائهم أو حتى غلق الحديث عنها ، لأنها تقدس الخصوصية التي تجمعها دائماً بصديقتها حتى عندما تتحدث معها في الهاتف تحرص على أن لا يسمعها أحد ، حتى وأن كانت أحاديثها عن أفلام الكارتون ، فكيف واليوم تعيش في هذا الجو المفتوح ، وفي اليوم التالي قام الأصدقاء الأجانب بإخبار سبأ بأنهم قد أحضروا لها مفاجأة ستسعدها ، ففرحت كثيراً وأخبرت أيار بذلك وكانت متلهفة بتوق لمعرفة ما هي المفاجأة ، لاسيما وهي تثق بأن هذه المجموعة تحبها كثيراً ولعل في دواخل سبأ فكرة استخدام هذه المجموعة لأثارة غيرة أيـار بشكل غير مباشر ، ولكن المضحك المبكي بان هذه المفاجأه التي هيأها الأصدقاء الأنكليز كهدية لصديقتهم ، قادت الى زعل شديد وخصام وصدود من أيــار ، فاحتارت سبأ من جديد في الأمر ، لاسيما وأن ليس لها يد في الأمر .
عبد الحافظ ضاحكاً : لم يمر أسبوع لماذا هذا الزعل ؟
أيار منزعجة : لا تضحك دعني وشأني .
عبد الحافظ ضاحكاً : لماذا لا تردين عليها فقد اتصلت مراراً وتكرار ؟
أيار منزعجة : قلت لك لا تتدخل أرجوك فان سبأ تغيرت كثيرا .
عبد الحافظ مبتسماً : إن سبأً فى طريقها إليك الآن .. أسمعتي يا طفلتي الأن.
أيار منزعجة : قلت لك لا تتدخل ولا تتصرف دون علمي .
عبد الحافظ : أنا ساخرج الى الجامعة وبينما هو يتكلم معها رن جرس الباب فأسرع مستبشراً فإذا بها سبأ والإبتسامة تملأ وجهها وحالما رأتها أيـار بادلتها ذات الإبتسامة وأخذتها في الأحضان ، فضحك عبد الحافظ وقال لهما سبحان مغير الأحوال وبعد الجلوس بدأ الحديث بوجود عبد الحافظ بحسب طلب سبأ على الرغم من استعجاله. سبأ مبتسمة : ارجوك يا أيار أسمعيني ثم علقي بما تشائين وبوجود عبد الحافظ ليحكم بيننا بالحق ويرى من المخطىء .
عبد الحافظ مبتسماً : والله من بعد أذن أيــار لا أراك مخطئة أبداً حتى قبل أن أسمع.
أيار : ماذا تقصد أنا المسببة أسمع الخطب الجلل أولاً الذي سيزعجك أيضاً لأنك كذلك موجود في الصورة فلا تستعجل الحكم يا حكيم .
سبأ متنهدة : أرجوكما حتى لا نتفرع دعوني أتحدث .
أيار : تحدثي حبيبتي لا عليك بعبد الحافظ فهو هكذا دائما غير أبه بكل شيء .
سبأ : نعم حبيبتي . . . . أنت تعرفين جيداً ما عانيت بسبب فراقي لك وبإختصار الكل هنا لاحظ ما كنت أشعر به من كآبه بكل ما ما تعنيه كلمة كآبه ، وهذه المجموعة تكونت من خلال موقع عملي ومن المحيط الذي أعيش فيه ، وكانوا دائماً يواسوني ويسألوني دائماً ، ولفرط عشقي لذكرى أيــار أجد نفسي أتلذذ بالحديث عنها ، حتى أنهم اعتبروا الأمر قصة حفظوا كل أجزائها وحلقاتها ، وراحوا في الأيام الأخيرة يأتون معي عصر الخميس على الرغم من أن عطلتهم تبدأ الأحد .
أيار منزعجة : وطبعاً وجودهم أنهى وجود أيار بحسب ما تقدم من قول .
عبد الحافظ ضاحكاً : يا إلهي كم تغار عليك ، يا ليتها تغار عليّ بمثل ما تفعل معك. أيار منزعجة : أرجوك لا تكلمني بهذه الطريقة فأنا راشدة وأعي ما أقول .
سبأ مبتسمة وهي تشدُّ على يد أيار : وأنا أيضا أبادلها ذات الشعور فلا تتعجب يا عبد الحافظ فعلاقتنا روحية ملائكية ، المهم وعندما فاجأتني السماء بأجمل رسالة كتبتها لي أنامل القدر يوم رأيت أيار على نهر التايمز وهو أجمل يوم رأيته في حياتي.
أيار مبتسمة شاعرة بالرضا متسائلة بنظرات شزر : أكيد ؟!
سبا مبتسمة : نعم أكيد والله وبالله وتالله شعرت بأن الله يحبني لأنه استجاب لدعائي الذي حفظته كل يوم في سجودي بأن أراك من جديد ولو لساعة فقط .
عبد الحافظ مبتسماً : عذراً سبأ عندي دوام في الجامعة وماذا بدر من هذه المجموعة. سبأ مبتسمة : في اللحظة التي رأيت فيها أيـار شعرت وكأني في حلم لم أر ولم أسمع احداً أمامي غيرها وأنت كنت موجوداً في المشهد ورأيت كل الحاضرين أليس كذلك؟ عبد الحافظ : نعم رأيت ، أختصري أرجوك والنتيجة ما هي !
سبأ مبتسمة : أيار لا تحب الإختصار ولا تقتنع إلا بالتفاصيل .
أيار بغير رضا : لستُ ثرثارة وبالأصل فأنا مغلقة مع الناس ولا أحب إلا تفاصيلك أنت فقط فعليك عندما تتحدثي عني أن تحددي بالضبط صفاتي ولا تتكلمى جزافاً.
عبد الحافظ ضاحكاً : يا إلهي قبل أن تتخاصما من جديد اعطوني الملخص .
سبأ مبتسمة : نعم وصلت الى الحبكة انتهى الصراع ، فان صديقتي ديـانـا هي بالأصل كاتبة للقصة القصيرة ، فاتخذت مني موضوعاً حياً لكتابة قصة جديدة بناءً على ما تسمعه مني كل أسبوع وأقسم بالله بأني لم أعرف بالأمر وقد فاجأتني به .
عبد الحافظ مبتسماً : رائع لقد أصبحتما أذن من المشاهير.
أيار وهي تضع يدها على خدها : واسمع المتبقي من من الحديث .
سبأ : نعم وقد قامت ديـانـا بتسجيل لحظة لقائي مع أيار وأدخلته في مونتاج رائع مع مع قصتها القصيرة التي انتهت حالما وصلت أيار الى لندن .
عبد الحافظ بدهشة : وأين القصة الآن أخشى أن يكون فيها ما لا يناسب مجتمعنا العربي اخشى ان تكون كتبتها بروح التحضر والإنفتاح هنا .
سبأ : لا أطمئن لقد قرأتها كاملة وعدلت فيها بعض المصطلحات وأنها لم تنشر بعد بالشكل النهائي ، فقط نشرت على مواقع التواصل الإجتماعي وقد لاقت أعجاب الألاف وحصدت آلاف التعليقات وعشرات دور النشر عرضت عليها النشر والتوزيع. أيار بفرح متنهدة : لكنك لم تذكري لي بالك أطلعتي على نص القصة .
سبأ مبتسمة : وهل أعطيني مجالاً للحديت يا حبيبتي ؟
عبد الحافظ : رائع ما دمتي تأكدتي من النص أسمحوا لي الآن بالإنصراف .
أيار : وما هو عنوان القصة يا ترى ؟
سبأ : أسم القصة رسائل بانامل القدر .
أيار بفرح : أسمها رائع كم أتوق لقراءتها .
سبأ : ولماذا تتوقين لقراءتها وأنت عشتِ أحداثها .
أيار : أريد أن أعرف بالضبط ما هو انطباعك وتصورك وماذا تحدثتي عني أمام صديقتك ديــانــا التي لم أحبها منذ الوهلة الأولى سبحان الله .
سبأ ضاحكة : هي تحبني كثيرا .
أيار قلبت شفتيها : أذن أذهبي إليها هي بانتظارك لأنك مصدر إيحائها .
سبباً ضاحكة : أعشق شكلك وهو يمتلى بالغيرة .
أيار : كلا . لا أنا لا أغار أبداً .
سبباً ضاحكة : واضح حبيبتي واضح فالملامح توحي بذلك ، ثم أني لم أعرفك بعد على باقي المجموعة ( الكروب ) .
أيار منزعجة : وماذا تريدين الأن !
سبباً مبتسمة : الله . . . كم كنت أتوق لعبارتك هذه ( وماذا تريدين الأن ) ، تعالي نخرج للتنزه لتتعرفي على الطرق .
أيار معترضة : لا لا أرجوك تعالي ندخل الى المطبخ ونطهو السمك اللذيذ ، ونأكل بعيداً عن أصدقائك ومعجبيلك ومؤييدك ومواسيك فضلاً عن برودة الجو .
سبأ : نعم كلامك صحيح ، وهذا ما سيحصل لك من اليوم ، هنا مجتمع مفتوح فلا تتفاجئي إذا رأيتي عشرات الصحفيين والمعجبين يتجمعون عند الباب الأن ، فماذا تفعلين ؟ هيئي نفسك من الأن .
أيار ممازحة : وأنا … أنبهك وأحذرك من الآن ، سيكون في اليوم التالي هروبي مباشرة الى العراق لأني لا أطيق هذا الإنفتاح الخانق للخصوصية .

لقد أقنعت سبأ صديقتها بالخروج معها والمشي والإطلاع على الحياة هنا ، فراحت سبأ تعرف أيار على كل مكان تراه وهي تشد على يدها والفرح والبشِر يطفح من وجوههما وكأنهما أمتلكتا العالم بلقائهما .
سبأ : هل تذكرين كلام زميلاتنا سابقاً خلال مراحلنا الدراسية حول عمق علاقتنا الروحية المتآخية في الله ، وكيف أن لهفتنا هذه ستختفي وتتلاشى عندما نتزوج وتتحول العاطفة الى الزوج والأبناء والحياة الجديدة ، فهل ذلك رأيت ِ صحيحاً ؟
أيار مبتسمة : نعم أتذكر بالضبط وبالحرف وبالأسم ، ولكن أنت تعرفين جيداً أدعاء هذه الشخصيات الحسودة المغرضة التي لا تحنب الخير أبداً .
سبأ بريبة متنهدة : ماذا تقصدين كلامك ضبابي وغير واضح ، لا تتحرجي من الإجابة كلميني بصراحة ، أو بالأحرى ضعي أجابة لتساؤل الزميلات القديم ؟
أيار مبتسمة : نعم حقك تتأثرين بكلمة الضباب ما دمتِ عشتِ بمدينة الضباب ، لقد أعطيتك أجابة ولكنك تريدين الترجمة والتفصيل كعادتك أكيد .
سبا بغير رضا : حسناً أنا أحب التفصيل أسحب السؤال لا أريد أجابة غيري الموضوع أيار ضاحكة : تبقين غريبة الأطوار ولكن أتعرفين غيرتك هذه رائعة ، لقد سالتيني وأجبتك ولكنك تتجاهلين الإجابة وتدّعيين عدم السماع وعدم الفهم .
سبأ قلبت شفتيها ووقفت : حسناً يكفي فهمت لا داعي للضحك والسخرية .
أيار ضاحكة وقفت ووضعت يديها على كتفي سبأ : أيعقل يا سبأ بعد كل هذه المعانة لا زلتِ تسألين هذا السؤال ، ، والطريف بالأمر أن عبد الحافظ أيضاً سألني أيكما الأقرب الى قلبي ، فسأقول لكما نفس الإجابة كلاكما قريبان لقلبي ، ووجودكما مهم
في حياتي ، ولا يمكنني أبداً أن استغني عنكما ، وساقول لك سراً قد لا يرضي عبد الحافظ بأني وافقت على الزواج به شريطة ان اسافر معه الى لندن ، مع حبي وتقديري له ، فألف فتاة تتمنى الإقتران به ، وأنا سعيدة معه كل السعادة ، أتعرفين لماذا اشترطت هذا الشرط حتى أراك وأحظى بلقائك .
سبأ وقد عادت بسمتها ممازحة : أشكرك حبيبتي لقد أرضيتي غروري .
وبعد أن دخلا أحد المطاعم وتناولا وجبة غداء لم ترضِ أيار لعدم اعتيادها على أكل المطاعم خرجن للمشي مجدداً للإطلاع على معالم المدينة ، وقد ازدادت برودة الجو والغيوم البيضاء الجميلة تتربع صدر السماء ، منظر رائع يشرح الصدر وبينما الحديث عن جمال الغيوم تعالت أصوات موسيقى صاخبة جداً .
أيار بدهشة ممازحة : ما هذا ؟ أين نحن الآن ؟
سبا ضاحكة : نحن قرب أكبر مراقص الموسيقى الصاخية في لندن ، هل تحبين الدخول والإطلاع عن كثب .
أيار ضاحكة : هيا لندخل ونطلع عن كثب ، وبالفعل دخلن والأضواء الصارخة تتغير كل لحظة وأصوات تكاد تشق الأسماع ، وحركات الرقص الجنونية تكاد تخطف الأبصار ، فراحا يطلعا على كل أجزاء المكان والسعادة والبشر والدهشة بادية عليهما ، وبينما هن كذلك عرفاهما أحد الشباب الموجودين من خلال شهرتهما على مواقع التواصل الإجتماعي ، وراح يحدق بوجههما وهو يشير بيده ويقول أنتما أيار وسبا أليس كذلك أنتما أيار وسبأ أليس كذلك ، ثم تعالى صوته ، مما قاد بأيار وسبأ الى الركض هرباً وهن ضاحكات باقصى سرعة ممكنة والشباب يركضون خلفهما حتى تمكنتا باعجوبة من الدخول في أحد الفروع ، فجلستا على الأرض ، وهما يلهثان من شدة التعب ، وبعد استراحة قصيرة تعالى صوت الأذان بشكل يدخل الراحة في النفوسن مما قاد الى دهشة أيار .
أيار مبتسمة : سبأ هل تسمعين ما أسمع يا الله يا الله كم أنا مسرورة .
سبأ : الحمد لله هذا من من أقدم الجوامع هنا هل تحبين الدخول والإطلاع عن كثب.
أيار مبتسمة متنهدة : والله يا ليت لو ندخل ونصلي معاً ويا ليت الله يجمعنا في مكة معتمرات أو حاجات ، والله لقد فرحت كثيراً لرؤية المسجد وسماع الأذان ، ولكن اعذريني لا أستطيع الدخول وبكل أسف فقد فقدث في طاقتي في الركض أعذريني .
سبأ ضاحكة : لقد نبهتك لأني عشتُ هنا وأعرف كيف يتهافت الناس على المشاهير ، اما مسالة فهي مسألة طبيعية جداً هنا ويوجد أماكن مخصصة لهذا الغرض ، وأكيد ستعتادين على الأمر وبمزاجك وسترين ، والمكان قريب منا جداً هيا لنذهب إليه ، ونطلع عن كثب على الراكضين فيه .
أيار مبتسمة : لا عزيزتي اشكرك لن أركض بعد الآن .
سبأ ممازحة : ألم أقل لك لا تقولي عزيزتي بعد اليوم .
أيار مبتسمة ممازحة : لماذا فالكلمة لطيفة .
سبأ : حقيقة كلمة عزيزتي كلمة رسمية لا تعبّر عن المشاعر البته مجرد كلمة مكونه من حروف خالية من الروح والاحساس ، ألستِ من كنتِ تقولي ذلك .
أيار مبتسمة : نعم وأنا عند رأيي ولن أحيد عنه ، ، وخير دليل على ذلك شاهدي المذيعين كل يوم من على شاشات التلفاز وحتى في الإذاعات دون استثناء ، يقول اعزائي المشاهدين وهو لا يعرفهم ولا شاهدهم فأين الروح والحب في كلمة عزيزتي .
سبأ مبتسمة : نعم تحليلك صائب فلا تكرري الكلمة مرة ثانية مفهوم ؟ والآن تعالي نواصل الإطلاع على الأماكن انهضي بسرعة هيا انهضي بسرعة .
أيار مبتسمة : حاضر مولاتي لن أكررها بعد اليوم ، فنهضت وواصلا المشي والإطلاع على المعالم الجميلة وبتوثيق اللحظات في كل مكان حتى وصلتا الى المكان المخصص للمشي والجري ، تفاجآت أيار ليس من مسألة الركض وإنما من وجود كبار في السن يركضون بذات الوتيرة للشباب ، وبعد أن كانت السماء ملبدة بالسحب بدأت تزف غيثها بزخات جميلة محببه للروح ومعدلة للمزاج فبدأ الكل بالركض هاربين من المطر ، فطلبت سبأ من أيار بتجربة الفكرة فوجدتها جاهزة للتجربة ما دام يركض وبالفعل بدأتا الركض تحت المطر مع الضحك المتواصل المملوء بالأحاديث التي تولد في اللحظة ولا تنتهى أبداً حتى انتهاء الوقت ، وعلى الرغم من هروب الجميع من المطر الى اطراف الشارع إلا أن الصديقتان واصلن الجري الى النهاية ، غير مكترثات ، وربما الشعور بالسعادة هو مصدر الطاقة والمواصلة تحت وقع المطر الذي ملأ كل أرجاء المكان ، وفي الوقت الذي تشهد لندن أجواء ممطرة تعاني البصرة من أجواء مقرفة ، والعائلة كعادتها تجتمع عصر الخميس لإحتساء الشاي في بيت سراج الدين وكان جل الحديث عن الأبناء .
أميمة : برح الشوق بي لأيار ومُعاذ الذي لا يفكر بالعودة أبداً .
سراج الدين : وأنا أيضاً بذات الشوق واللهفة ، ولكن شعوري أنهم بخير يجعلني أشعر بالراحة والحمد لله بأمكاننا أن نسمعهم ونراهم كل لحظة ، لابد أن تتكيفي .
أميمة متاثرة : كانت أيار تحاورني كثيراً معتقدة بأني لا أشتاق إليها ولا أحبها معتقدة خطا بأني أحب أخوتها أكثر منها .
سراج الدين : عزيزتي لا تلومي نفسك الأن ، أن اشتقتي إليهما اسمعي صوتهما ، وسيرد عليك كلاهما بالحال اتصلي الأن وأطماني .
أميمة بتأثر : اتصلت بأيار قبل ربع ساعة عدة مرات ولم ترد علي ، ولكن معاذ رد علي وسمعت صوته ورأيته وهو في موقع عمله متالقاً .
مروة مبتسمة : أيار بخير والحمد لله ومغمورة بالسعادة لأنها ترى سبأ كل يوم، وتقضي اليوم بطوله تتفرج على معالم لندن برفقة سبأ لأن عبد الحافظ مشغول في دراسته من الصباح للعصر ، وتكتب لي دائماً وترسل لي صور الأماكن التي تراها. أميمة : للأسف أعرف بأنها تعشق وجود سبأ في حياتها أكثر من وجودي ، ولاحظي فهي تتواصل معك وترسل لك الصور ولا ترسلها لي .
مروة مبتسمة مستغربة : هذا تصريح خطير يا أم قتيبة فانت أمها ، نعم هي ترسل لي الصور لأني أنا من أسألها دائماً وأطلب منها أن توافيني بأخبارها ، لا تقلقي فهي ابنتك وجزء منك وأنت والدتها وأكيد تشتاق لك وسترد عليك .
سراج الدين مبتسماً : ولكن الحقيقة التي لا نريد أن نصدقها بأن الصديق الحقيقي أقرب للروح من الأم والأب والزوجة .
أميمة منزعجة : أشكرك يا أبا قتيبة على هذاالتصريح المؤلم .
سراج الدين ضاحكاً : نحن نتجانب اطراف الحديث يا غاليتي ولا أقصدك .
منذر مبتسماً : أنا أشعر بشعورك يا أم قتيبة ، لأن مروتي تطبق هذا القول بحذافيره معي وأشعر كثيراً بأن سُبُل أقرب إليها مني .
فاطمة مبتسمة : نعم كلام أبا قتيبة حقيقي وواقعي لأن الصديق الحقيقي يمثل قلب محب دون مصلحة وأذن صاغية لبوح حتى آخر نفس ، وملاذ فسيح دون أعراضا وشعور بالأمان منقطع النظير دون خوف أو تردد ، ورأي سديد ، فهو يسمع ويحلل ويستنتج ويقدم الحلول والمعالجات ، وكانك تتكلم عن نفسك مع نفسك دون رقيب .
مروة مسرورة : تحليلك رائع أمي الغالية وليت منذر يعرف بأن وجود الصديق في حياة المرء لا يعني إلغاء الأخر .
منذر مبتسماً : لا أقصد الإلغاء بل أقصد الإفراط بالإهتمام .
مروة بغير رضا : وهل تقصد باني أهملك يا منذر .
منذر مبتسماً : لا أقصد حبيبتي لا أقصد ذلك لا تنزعجي ، فنحن نتجاذب أطراف ليس إلاً ، نتجاذب لا نتنافر .
قتيبة مبتسماً : أنا أفهمك إنك تغار وهذا ملخص قولك .
سراج الدين : الغيرة حالة طبيعية توجد في قلوب كل البشر .
مروة : الغيرة على الشخص جيدة وصحية ولكن الغيرة من الشخص ممقوته جداً. منذر ضاحكاً : نعم حبيبتى أنا أقصد الغيرة عليك وليس الغيرة من سبل .
سراج الدين : هل سألت نفسك من قبل لماذا قد يغار شخص من صديق له فى العمل ولا يغار من ممثل مشهور مثلاً ، فالشخص لا يغار من شخص اخر إلا إذا شعر انه دخل معه فى منافسه ، الشخص الذى يغار من زميله فى العمل هو في الواقع يخاف ان يفقد ترقيته بسبب زميله هذا ، كذلك هناك اشخاص يغيرون من ممثلين مشهورين ، وذلك قد يحدث إذا سيطر هذا الشخص المشهور على أوقات اصدقائه وتفكيرهم الى درجة انهم اصبحوا لا يهتمون به ، ولذلك فهو يعدُّ ذلك الشخص المشهور منافساً له أيضا ، ولكن الزوج يغار من الصديقة أمر غريب !.
أميمة : أنا أتفق مع منذر فهو يتكلم في وادي وأنتم تحللون في وادٍ اخر ، قصده لابد أن لا يكون هناك افراط بالاهتمام بالصديق على حساب الأخر ، لدرجة أن مروة أجلت سفرتها الى اسطنبول لتتفق مع سفرة سبل .
منذر مبتسماً : نعم أشكرك أم قتيبة لقد فهمتيني .
مروة وهي تنظر الى منذر باعتراض : نعم صحيح وما المشكلة في ذلك منذر ؟
منذر مبتسماً شاداً على يدها : لا لم أعترض ولن أعترض فسُبُل أختك وقد تكيفتُ على ذلك ، وهذا رأي السيدة أم قتيبة وليس رأيي .
السيدة فاطمة مبتسمة : الشخص الذى يشعر بالغيره غير واثق بنفسه وقدراته في التغلب على هذا المنافس بكسب عاطفته ، وكلما غرت من شخص وهمست عليه ، من وراء ظهره كلما كان ذلك اعتراف بضعفك مقارنة به ، وإذا وجدت نفسك تشعر ، بالغيره تجاه شخص فحاول التركيز بقدراتك العاطفية ومدى تأثيرك النفسي والروحي في منَ تحب وسيختفي حينها الشعور بالغيره بدلا من ان تضيع مجهودك وطاقاتك في الكلام عليه ، فمحبة الصديق الحبيب كالدماء التي تسري في العروق ، يخفق القلب عندما تراه وتشعر بالسعادة عندما تقابله فيمكنك قول ما يدور في خاطرك وما يجول في ذهنك مع الصديق فتكون انت نفسك بكل ما فيك وبشخصيتك الحقيقية ، وعندما يبكي تسيل الدموع في عينيك وينجرح قلبك من أجله ، فالصداقة الصادقة تبقى كالبحر المترامي الأطراف في مده وجزره وكره وفره ، لا تنتهي ولا تموت ، وصديق اليوم يبقى صديق الغد وأن باعدت بينهم المسافات تبقى الأرواح في لقاء دائم ومتواصل وأنا أستنتج رأيي هذا بحسب تجربتي مع زوجي ومع أبنتي التي عاصرت معها صداقتها مع سُبل ، ولم أشعر إلأ بأهمية وجودها في حياتها ، فالصداقة نافذة جميلة ومصدر راحة ونعمة وهبة من الله تعالى لا يتمتع فيها إلا القليل من الناس .

… (تمّــــــت)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *