الرئيسية » نقد » ادب » قمر نيبور .. مسرحية الصراع الأزلي
دراما للفتيان تكشف سيكولوجية الفرد
قراءة : بشرى البستاني

قمر نيبور .. مسرحية الصراع الأزلي
دراما للفتيان تكشف سيكولوجية الفرد
قراءة : بشرى البستاني

قمر نيبور .. مسرحية الصراع الأزلي

دراما للفتيان تكشف سيكولوجية الفرد

قراءة : بشرى البستاني

إذا كانت الرواية تقوم على السرد بمكوناته وعناصره ووسائله معاً فإن المسرحية انتزعت من السرد واحداً من وسائله المهمة في الكشف والإفصاح وهو الحوار ، ليكون بنيتها الرئيسة الكاشفة عن شخصياتها وحدثها وفضاءاتها من خلال تحولاته ، ذلك أن المسرحية من أكثر الفنون تركيزاً على الإنسان كونها تقوم على بنية حوارية تعتمد حضور الشخصيات برؤاهم المتباينة أو المتناقضة ، ومن هذا التناقض ينبثق الصراع الذي هو جوهر الدراما بكل أنواعها ، وقد يتخذ هذا الصراع أشكالاً عديدة أشهرها ما هو قائم بين السيطرة والتسلط وبين الدفاع والحقوق وتتمثل القوتان المتصارعتان في شخصين أو شخص متمرد ، يمثل مجموعاً ، وحاكم يستلب شعباً وقد يكون بين والمجتمع أو بين الفرد والقضاء والقدر المتربصين بالإنسان وحينها يكون الصراع رمزياً ، إذ يكون الموت هو العدو الذي يقاومه الإنسان ويحاول دحره ، وقد يكون الصراع بين الإنسان ونفسه حينما تكون الشخصية مركبة وتعاني من اغتراب سلبي أو تكون عصابية أو ازدواجية سايكوباثية .
وقد تجتمع كل أنواع الصراع في مسرحية واحدة تنم عن شخصيات تتسم بالتعقيد أو تحمل رؤى معرفية ذات مستويات تؤهلها لخوض أكثر من صراع على أكثر من وجه ، فالحوار الذي مهمته الكشف عن بواطن الشخصيتين المتحاورتين أسمي فاعل ومفعول ، إنما يكشف عن عقل إنساني بالغ التعقيد وباعث على الحيرة في ردود فعله وكثيراً ما يكون بعيداً عن العفوية والبساطة ولاسيما حينما يبتكر مختلف الوسائل دفاعاً عن أهدافه ، وهو من ثم يعمل على كشف دواخل القارىء والمشاهد في وقت واحد .
أدب الفتيان أدب شائع عالمياً وهو نوع من الأدب يخاطب من تجاوزوا الطفولة متوجهين نحو المراهقة دون سن الرشد .، لعم يمتد من الثالثة عشسرة إلى السابعة عشرة وهو أدب له مهمات تنسجم والمرحل العمرية المتسمة بالتصديق ومرونة التلقي . ويعد طلال حسن في طليعة رواد هذا الأدب في العراق وأغزرهم إنتاجاً إلى جانب جهود الفنان قاسم محمد الذي أعد بعض مسرحياته للفتيان عن حكايات شعبية روسية ، وعزي الوهاب الذي أعد نصوصه من التراث العراقي ، وحسن موسى الذي قدم مشاركات في هذا الميدان ولعل مسرحية ” قمر نيبور ” هي آخر أعمار الأديب القاص طلال حسن الذي أصدر أكثر من ” 200 ” مسرحية للأطفال وأكثر من ” 25 ” مسرحية للفتيان ، كما نشر ما يزيد على ” 1200 ” قصة وقصة مصورة وسيناريو للطفل في العراق والأردن وسوريا والسعودية وفي أماكن متعددة من الوطن العربي فضلاً عن إصدارات عديدة أخرى .

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

تنتمي هذه المسرحية إلى شكل أزلي من الصراع هو ذلك الذي يدور بين الخير والشر ، بين حاكم ظالم وشاب متمرد وشجاع يتسم بذكاء يؤهله لابتكار الحيل لمجابهة المستلب والمستهين بكرامة الإنسان ، وبما أن المسرحية مكتوبة للفتيان كما هو مدون على غلافها ومصاحب لعنوانها فإن الإستراتيجية النصية التي قام عليها بناء المسرحية كانت تتسم بوضوح الرؤية ومجانبة التعقيد بالعرض مما حقق الهدف من كتابة هذا النص بشكل متواز دون الخوض بحوارات متعددة عن سايكولوجية الاستبداد والمقاومة ، كما أن الكاتب عمل على الموازاة بين الطرفين المتصارعين إذ عوض سلطة الملك وتفوقه بالنقود وآليات السلطة بذكاء المتمرد ” جيميل ” وقدرته وتصميمه على المقاومة من أجل تحقيق مطلبه الذي هو الفوز بحبيبته جيميلة .
وبالرغم من عدم موضوعية التكافؤ بين طرفي الصراع بل وغياب قدرة الفرد ومن معه من مؤازريه الفقراء والضعفاء ، إلا أن هذا الطرح في توجيه الصراع نحو انتصار القوة الشابة والمستضعفة وصاحبة الحق أمر لابد منه لتنمية الإيمان بحتمية انتصار القيمة على الظلم لدى الفتيان مما يؤكد جدوى النضال ضد الشر وأعداء الإنسان ويمكن لهذه القراءة أن تجد لها وقفات مع النص من خلال الآتي :
1 ـ إن الحوار من أهم الأسس التي تقوم عليها المسرحية بامتياز ، ذلك لأنه يعمل أثناء فعاليته على نسج علاقات متشابكة بين البنى الأخرى في العمل مما يحوله إلى بنية خاصة ترتكز على اللغة والرؤى المحركة لها في التوجه نحو الآخر / المستقبل الذي يجمعه مع المرسل حدث واحد وزمكان محدد في علاقة حوارية بين ضميري أنا وأنت تقوم على توليد مسافة من التوتر تشتغل داخلها وسائل عدة يشتبك فيها التواصل بالجمال من خلال عملية التفاعل والتلوين والتقاط المفردات الدالة القادرة على دفع الحدث الدرامي إلى الذروة المطلوبة ذلك أن غياب السرد ووسيلته الوصف يلقي على الحوار مسؤولية القيام بمهماتها معاً مما يضاعف أهمية اشتغاله في النص المسرحي من هنا كان الاهتمام بلغة الحوار في المسرحية ” قمر نيبور ” بينا في وضوح اللغة وبساطتها ورشاقة تشكيلها وقدراتها على الوفاء بالتدرج مع تصاعد الحدث وتوتر الوقائع واختلاف المتحاورين ، فلغة الملك مع الكاهن تختلف عن لغة جيميل وحبيبته الشابين وهذه تختلف عن الحوار الدائر بين جيميل وصديقه ، كما يختلف كل ذلك عن لغة العجوز الجدة وعن لغة الملكة الأم حسب اختلاف مستوى الشخصيات والمواقع والرؤى والأحداث .
2 ـ تمكنت المسرحية من تشكيل مواقف صراعها بوضوح وحيوية مما يؤكد وضوح المنظورات التي صدر عنها العمل كله ذلك أن الرؤيا المتماسكة هي التي تنتج عملاً متماسكاً بحيث ظلت المشاهد محكمة تتسم لغتها بالرهافة والاقتصاد والجاذبية مما أبعد حوارها عن الترهل وجنبها الاسترسال وقد زادته المواقف الدراماتيكية الموزعة على المشاهد اتساقاً وفاعلية ، إذ شدت إليها القارىء من خلال موضوع جاد يعيد للأمل حضوره في عصر تسوده الخيبات والخسائر وينتصر فيه الطغاة على حلم الإنسان المشروع من خلال معالجة إشكالية أبدية هي موضوعة الصراع بين القوي والضعيف .
3 ـ إن المبدع طلال حسن أصدر مئات النصوص الرصينة للأطفال صار متخصصاً في تصميم العمل موضوعاً وحبكة بحيث بطرحه بنية متماسكة ، إنه كأي فنان حاذق يفكر بموضوعه أولاً ثم يشكله في حبكة محكمة تتطور بتسلسل هادىء ومرن ومتدرج ، وكثيراً ما تدور موضوعاته حول الصراع بين القيمة ونقيضها وبين الخير ومناوئيه وبين الثورة وأعدائها فالحبكة بفنيتها هي التي تجعل الموضوع مقنعاً حينما تعرضه عرضاً ينسجم ومستويات النص الأخرى ، وحينما تصل به إلى نهاية تتسق وسير الأحداث .
4 ـ في المسرحية جانب رمزي لكن الترميز فيه ينسجم كذلك ومستوى إدراك الفتيان للرمز ، ففي العنوان يطالعنا رمز يحيل على موضوعات الخير والإشراق كلها ، لكنه بعد قراءة المتن يتوجه إلى مرموز له تكاد تتفق القراءات عليه وهو جيميل الذي يرمز بدوره لكل قيم الشجاعة الشابة والنبيلة كما ترمز الفتاة الشابة التي انتزعها من براثن الظلم للحرية فضلاً عن ترميزات أخرى يمكن الإشارة إليها من خلال عرض الملك المستبد مريضاً والشاب جيميل ” قمر نيبور ” طبيباً شاباً وقوي البنية ، مما يؤشر اندحار النظام أمام قوة الحق وحيويته ، أما حكمة التفكير الذي تطرحه الملكة الكبيرة أم الملك الحاكم فهو إشارة لموقف تقدمي من النسوية التي يمكن لها أن تحلل الأمور وتفك الإشكالية للوصول إلى استنتاج سليم بالرغم من وجودها في قلب فضاء التسلط الذي هو قصر الحكم فضلاً عن إظهار المستبدين متناحرين دليلاً على تفكك المنظومة الاستبدادية بينما يظهر مناوئو الاستبداد قوة متحدة وشديدة التماسك ، ويبدو العمل كله ببعده التاريخي المؤشر ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد رمزاً لكثير من وقائع الاستلاب الجارية في حاضر العراق والعالم المعاصر مما يؤكد شمولية التجربة الإنسانية في كل زمان ومكان فالمسرحية في بعدها التاريخي يمكن أن تعرض قصة مزدوجة الأولى تاريخية تجد لها صدى في واقع قديم يمكن أن تكون الأحداث فيه خارجية والثانية كامنة فيها ويمكن أن تجرد من خلالها ، وهي ما يتجه الترميز في مجمل العمل من موازاة للواقع وما يجري فيه من أحداث ويحتاج هذا العمل الكثير من الدقة كي يتمكن من إحداث التوازن بين الحبكتين .
5 ـ إن مسرحية ” قمر نيبور ” لا تكتفي بموضوعها الجاد بل تهتم بالبنية الكلية للعمل ونجد ذلك الاهتمام واضحاً في بناء الشخصيات بناء ينسجم والدور الذي تؤديه وفي بناء الأحداث بكفاءة تتوازن وأدوار القائمين بها فضلاً عن التزامها بالوحدات الكلاسيكية الثلاث الزمان والمكان ووحدة الموضوع واهتمامها بالتمهيد وتقسيم المشاهد وبلورة النهاية ، إذ تشكلت المسرحية من بداية يقدم فيها الطل إضاءة مهمة عن طبيعة حياة مدينته وحياة أهلها وفقرهم الذي لا يليق بالإنسان ، إنه باختصار يهيىء لجو العمل كله بإيجاز كاشف ، وبعد هذه الإضاءة تبدأ المشاهد الستة التي تتوالى فيها الأحداث والوقائع وتتصاعد من خلال توتر الحبكة مع تصاعد الصراع ، واهتمت المشاهد بتوزيع مواقف الإثارة التي تمنع السكونية من التسلل إلى النص من خلال الاهتمام بالفعل والحركة وإثارة عنصر التشويق والاهتمام بنقاط التحول التي تعنى بلحظة اصطدام الإرادات اصطداماً حاسماً وتنتهي المسرحية بالنهاية التي تعقب الذروة وهي مصطلحة يراد به الوصول بالمتلقي إلى حل ينتهي عنده الصراع وتتوقف الأحداث فضلاً عن كون الشخصيات أفراداً لا نماذج ، كونها عبرت عن ذاتها بذاتها ، لأنها حيوية ومقنعة لذلك اتسم فعلها بالمرونة والفاعلية .
6 ـ تتسم أحداث ومشاهد المسرحية بالرصانة والحس التربوي الذي يتلاءم وعمر الفتيان ، خلت من الوقائع الصادمة كما تجنبت النهاية المفجعة التي تثير العذاب والشعور بالقهر ، الذي يولده انتصار عوامل السلب مما يشيع الإحباط والتراجع فكانت نتائج الصراع الدرامي عبر المشاهد توحي دوماً بانتصار عوامل الإيجاب مما يبني في ذات الفتى تطلعاً حقيقياً نحوى جدوى الكفاح من أجل الخير وأهمية العمل على انتزاع الحقوق التي لا تمنح أبداً لأن السبيل إليها لن يكون إلا بالمجاهدة مما يعطي الحياة معناها .
7 ـ إن المسرحية لا تخلو من روح الفكاهة التي يعد حضورها مهماً لكسر جدية التوقع في الأعمال الرصينة ، وروح الطرافة والفكاهة يحتاجها الإنسان دوماً لإشاعة نوع من البهجة الأليفة والتساهل مع أخطاء الآخرين والتخفف من آلامهم وصعوبة حياتهم وعرض ما يمتعهم فالنص لا يضحك من أجل الضحك بل هو يرمي من وراء هذا الضحك إلى أبعاد إنسانية أخرى تساعد الإنسان على تجاوز أعباء الحياة ، وتتجلى هذه المواقف في المسرحية بلقاءات جيميل مع الجدة ولقاءاته مع الملك وهو متنكر طبيباً وغيرها ، ذلك أن هدف المسرحية هو الإبداع لكن هذا الإبداع في الأعمال الأدبية المهمة لا يأتي مجرداً ، لأنه ينطوي أصلاً على أبعاد مهمة ومضمرات ذات قيمة .
8 ـ إن فضاء المسرحية المكاني لا يقتصر على القصر مركزاً للقوة الظالمة ، ولا الكوخ بيئة لعيش الفقير بل يتعداه إلى الغاب وشجره الذي يعد عاملاً من عوامل تنشيط الفضاء النصي نفسياً ، فللطبيعة سحرها في السمو بروح الإنسان ومزاجه ، وهي تشكل في بنية نص ” قمر نيبور ” مؤازراً لقوى التمرد والرفض على مستوى الرعية إذ في ظلال شجرها ، وبحراسة أحراشها ، يهربون من قبضة ملاحقيهم ولذلك كان حضورها ضرورة يستوجبها الموضوع والحبكة معاً ، كون الأرض ومنتوجها روحاً أمومية تحمي الإنسان من شرور الإنسان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *