جابر خمدن : متدربة

متدربة
قصة قصيرة

كنت منهمكا في العمل، دخل المدير ومعه فتاة سمينة وشعرها ينسدل حتى الكتفين، تقدم مني ثم قال:
_هذه هديل، طالبة من الجامعة، سوف تقضي الصيف معنا للتدريب.
_أهلا بك، رحبت بها.
ثم تركها المدير معي وخرج، لا أدري ماذا أعلمها وكيف، لم يخبرني بشيء. ذهبت إلى غرفته دخلت بدون استئذان وأنا مهموم:
_ هل تعتقد أني أعلم الغيب؟ لكي تجلسها معي هكذا وتخرج دون أن توضح لي.
غضب مني، تطاير الشرر من عينيه:
_أعتقد أنك ” سنيور” ولست مبتدئا لكي أخبرك بواجبك.
كان رده باردا، قلت له:
_وماذا أعلمها؟ تعلم أننا نعمل في بيئة مباشرة ” أون لاين” أي خطأ ستكون عواقبه جسيمة، وأنا لا أتحمل المسؤولية.
يبدو لي أنه يعرفها أو أن عندها واسطة قوية ليضعها في هذا الموقع الحساس مع احتمال ورود الخطأ. عدت إلى غرفة العمليات، زفرت زفرة عميقة، على اثرها نظرت لي نظرة استفهام، قلت لها:
_اسمعي نحن عملنا لا يحتمل الخطأ، كل شيء ” أون لاين”.
زاد استغرابها وكأنها تسأل عن معنى كلامي، أوضحت لها:
_جماعة التطوير اللذين مررت بهم يعملون على جهاز احتياط فهم ” أوف لاين” يعني ليسوا لايف مباشر، بينما نحن مباشر لايف، أي أمر خاطئ يمكنه أن يفعل عدة عمليات لايمكن إيقافها فورا، في بعض الأحيان قد يلغي أو يمسح ملفات، أو يقوم بعمليات خصم أو إضافة، أي أمر وأي خيار لابد أن نكون على علم بنسبة مائة بالمائة. نظرت في وجهها وقد بدا عليها القلق، ربما شعرت بجسامة الأمر، كتبت أمرا محددا وبدأت أشرح لها:
_مثلا لو كتبت أمرا مثل هذا، أطبع هذا الملف، فأنك سوف تسمعين الطابعة قد بدأت تعمل، ستكون طباعتها مثل سميفونية عزف قبيحة، هذا الأمر ليس خطيرا، ولكن لو مثلا قمت بحذف الملف الذي أريد طباعته ولم يكن ذاتي الحفظ فسوف لن أتمكن من استرجاعه. كانت تسمع وهي صامتة وعيناها مفتوحتان كباب على مصراعيه، ثم كتبت بعض الأوامر في ورقة وشرحت لها معنى كل أمر ودرجة خطورته، بعدها أريتها زرا أحمر يقع على اليمين، حدقت في عينيها بحدة ثم أشرت إلى ذلك الزر:
_هذا الزر الأحمر ابتعدي عنه قدر الإمكان، لا تلمسيه إطلاقا، فهو كالنار يحرق كل شيئ.
تغيرت ملامح وجهها ، ارتجفت أناملها الرقيقة، سألتني :
_إذا كان خطيرا لماذا وضع أصلا؟ ولماذا تخيفني من أول يوم؟ أشعر بالدوار، أنت ترعبني، ثم رأيت دمعة حائرة تجول في عينيها، أشفقت عليها، هونت الأمر:
_لم أقصد ولكن لحساسية العمل، أحذرك من الأخطاء، والآن اجلسي مكاني واكتبي بعض الأوامر المتعلقة بالطباعة والعرض.
جلست على الكرسي وأخذت تنظر الى قائمة الأوامر، أصابعها كانت ترتجف، يبدو أن الخوف تسرب إلى يديها وربما عقلها، ومن شدة خوفها لا مست أصبعها الزر الأحمر، ضغطت عليه دون قصد، ومن غير شعور. فجأة انطفأت الشاشة بعد ثوان وخمدت أصوات وحدة المعالجة المركزية والأجهزة الطرفية الموصلة بها، غمر السكون المكان.
بدأت جميع الهواتف ترن في وقت واحد. نضح العرق من كل مسام جسمي، لم أستطع الكلام. كانت خائفة، تنظر إلي تارة وإلى الشاشة السوداء مرة أخرى، ثم انزلقت بضع كلمات على لسانها:
_ماذا حدث؟ هل ارتكبت خطأ؟
لساني إلتصق بسقف حلقي لم أستطع التفوه بشيء، كان المدير واقفا فوق رأسي، ثم رأيت بيتر جولمان، المدير العام، ومدير التدقيق، ومدراء آخرين من جميع الأقسام، امتلأت الغرفة.
كان مديري يستجوب من قبل رأس الهرم ومساعديه، رأيت وجهه وقد تحول إلى قطعة دم. أنا نفسي لم تحملني قدماي سقطت على الكرسي، أما هديل فقد أغشي عليها عندما رأت جمع المدراء.

#جابر خمدن

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *