رشا الربيعي : رواية “أخوة محمد” للكاتبة العراقية ميسلون هادي (ملف/60)

إشارة:
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر حلقات هذا الملف عن المبدعة الكبيرة القاصة والروائية العراقية “ميسلون هادي”. واحدة من أبرز سيّدات السرد العربي، ولا نبالغ لو قلنا السرد العالمي، بل النوبلية بامتياز لو توفرت الترجمة لنصوصها الفريدة. أكثر من 35 نتاجا في الرواية والقصة وأدب الأطفال. هذه الطافية بحذر بين الواقع والخيال، وبين الحلم واليقظة، الفيلسوفة الشعبية لمحنة الموت والحياة، الأمينة على خيبات محليتها التي ستوصلها حتما إلى العالمية المتزنة المحترمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقراء إلى المساهمة في هذا الملف المفتوح بالمقالات والصور والوثائق. تحية للمبدعة الكبيرة ميسلون هادي.

رواية “أخوة محمد” للكاتبة العراقية ميسلون هادي

بقلم رشا الربيعي

ما الحياة سوى انثى… يمر الرجال يومياً من الأزقة والشوارع وحتى البيوت دون أن يلتفتوا لتفاصيلها، يجهلون خفايا الجمال الذي يكمن بين طياتها.
التفاصيل من اختصاص الأنثى وما أن تقع في العشق فستبدع لا محال في رسمها وتدوينها كما فعلت ميسلون هادي في أخوة محمد… الذاكرة الحية التي حفظت بين طياتها الكثير ولكن وفق آليات سردية موجزة ومتقنة دون أن يخل ذلك الإيجاز بإيصال فحوى الأفكار وتوثيقها في ذهن المتلقي، إذ اتبعت الكاتبة اسلوباً خاصاً لطرح مواضيع شتّى وإثارتها بطريقة ال lift click تظلل لك بالمؤشر لتؤكد بأن هنالك ثمة امر يجب التوقف عنده تاركة لك حرية الضغط بالدبل كلك والغور بعيداً في ما تبحث عنه، ولكن لا يفوتها بأن تنتبه للهاث انفاسك وتهاوي ادمعك وأنت تستعيد شريط حياتك كفلمٍ سينمائي يعرض في إحدى شاشات السينما العملاقة لتترككَ تستريح قليلاً على رصيف الماضي الجميل، الماضي الذي كان عباس يحتضن سفيان دون خوف ووجل قبل أن يغزو سرطان الطائفية نسيج المجتمع العراقي الواحد ليحقق في تلك الإصابة مآرب من تكالبوا علينا من الأهل والأغراب، ليقررا المحمدان أخيراً أن يختارا لأنفسهما اسماً جديداً يبعد عنهما شبح الاختطاف أو القتل على الهُوية أو كما يظنان، ذلك المرض الخبيث الذي فتك ببغداد واهلها في سنوات الإقتتال الطائفي والحرب الأهلية المفجعة التي تعرضت لها بغداد بعد الاحتلال الأميركي ولم يجدي لهما نفعاً اسم محمد في الأخير.
اورشينا هي فتاة عراقية حالمة كبنات جيلها ابصرت عينيها الحياة في ذلك الزقاق الذي لا يفرق بين مسلم ومسيحي وايزيدي، عربي وكردي فعشقت شخوصه وذابت حباً في تفاصيل المكان الذي جمعهم لتقرر اخيراً أن تكتب رواية تؤرخ فيها حياتهم.
تتنقل اورشينا من بيت لآخر محدثة إيّانا عن عراق كان.
كتبت عن صغارنا وكبارنا، ماضينا وحاضرنا، مستقبلنا الذي تنبأت له الكاتبة بترميزها لعام 2028 ومن خلال تلك الإشارة نعي جيداً بإننا سنظل ندور داخل ذات الدائرة التي قذفتنا بها الحروب إذا لم نختر لإنفسنا طريقاً جديداً.
البنية الأساسية لرواية كانت تدور حول تدوين حياة المهمشين اولئك الذين لا يكتبون التاريخ ولا يَكتبُ عنهم أحداً غير الروائيين ولا يعرف عنهم قرّاء التاريخ شيئاً ولكنه لا يمكنه أن يُثبت دونهم ويقاوم سيلان الزمن المنساب بين صفحاته لأنهم عماد الوطن ووقوده.
تعدد اصوات الرواة في أخوة محمد زاد من جمالية السرد وانسيابه كنهر متدفق محمل بشتى الحوارات والجمل وهذا ما عزز من قوة الجذب فيها،
فبين سفيان وعباس، اورشينا وماريا، ابو فرات وابو زمان، الشيخ محمد وعلياء والأستاذة اخيراً تجلّت براعة ميسلون هادي بما تمتلكه من خبرةٍ هنا بوضوح، عبر تمايز اصوات ابطالها واحداً عن الآخر إلى تلك الدرجة التي اوهمتنا بحقيقة حواراتهم واحاديثهم.
وفي جانب فني آخر زاد من جمالية الرواية جعلت الكاتبة من روايتها ورشة للكتابة وذلك عبر التعديل والملاحظات التي قدمتها الأستاذة لأورشينا في ختام الفصول.
أخوة محمد هي وثيقة حية لجيل نشأ وترعرع وسط سيل من الحروب والدماء ومن الأسرى والشهداء وكلمات أخرى كانت مجهولة التعريف في معجم مصطلحاته كالخطف والقتل على الهُوية، سني وشيعي، مرتد، ناصبي ورافضي، سطوة العشائر ورجال الدين الذين غدو بمرور الأيام آلهة مقدسة كآلهة معبد آمون، ولكنه استطاع وسط بحر الفوضى هذا أن يكون معظمه جيلاً متوازناً يحب بلاده بعيداً عن الهُويات الفرعية واحزاب الخراب التي عاثت ببلادنا سوءًا وراح يدوّن أخيراً عمّا يظنه ماضيه ولكنه حقبة حياته كاملة.
أن تشاهد ذكرياتك بكل شفافية ووضوح تسبر اغوارها وأنت مبتسمٌ تارة حزينٌ تكابد آلام حاضرك تارة اخرى هذا ما ستفعله بكَ ميسلون هادي في روايتها هذه.
ميسلون هادي طوال مسيرتها الأدبية الحافلة كتبت عن كل شيء وأي شيء ولكنها أرادت أن تخبرنا اخيراً بأن الدنيا كشاي العروس في أخوة محمد.

شاهد أيضاً

علوان السلمان: البذرة اعلنت عن ثمارها يا…… (ملف/43)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

خزعل الماجدي: خطورة الشعر تأتي من سعيه لأن يكون البديل الدنيويّ للدين
حاوره: زاهر موسى (ملف/9)

إشارة : من المهم القول إنّ المشروع الشعري للمبدع والمفكر الكبير الدكتور “خزعل الماجدي” قد …

في ذكرى رحيله.. الشهيد الشاعر “رعد مطشر”.. نصوص (ملف/1)

رعد مطشر • من مواليد بغداد، عام 1963. • أغتيل في حادث مؤسف بتاريخ 10/5/2007 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *