د. وسام حسين العبيدي : المحو لا يشطب التذكر
قراءة في الرواية السير ذاتية – (طشاري) أنموذجا

المحو لا يشطب التذكر
قراءة في الرواية السير ذاتية – (طشاري) أنموذجا

د. وسام حسين العبيدي

يتناول البحث إشكالية قارّة في المتن الروائي الحديث غربيّه وحديثه، ألا وهي إشكالية التذكر والنسيان، فالنصوص الروائية تحفل بهذه الثنائية التي تعمل على إدامة فعل السرد، من خلال استعراض أحداث يفترض الراوي (المؤلّف) وقوعها من قبل، ومن ثم يسردها على لسان شخصيات رواياته، على اختلاف في كمّية ذلك الاستذكار بين شخصيةٍ وأخرى، بحسب أهمية ظهور تلك الشخصيات على مسرح الرواية، وبحسب ريكور تُشكّل الذاكرة والنسيان مستويين متوسّطين بين الزمان وبين السرد . وإذا كان لا بدّ للباحث أنْ يختبر فاعلية هذه الثنائية على متنٍ روائيٍّ ما، فلا يجد نصًّا روائيًّا مُتخمًا بهذه الثنائية أكثر من رواية (طشّاري) للروائية العراقية المغتربة إنعام كجه جي، التي شكّلت روايتها ظاهرة لبروز هذه الثنائية، عبر توظيفٍ فنّيٍ عالٍ، لا يقطع سيرورة السرد، بمقدار ما يعمل على شدّ أواصره بعضًا ببعض، على الرغم من عنوانها الذي يشي بالتشظّي، وهذا ما سنقوم به عبر المحاور الآتية:
1 – مصطلحا (الذاكرة/ النسيان) المفاهيم والحدود:
من يبحث عن تأثيل لمصطلح الذاكرة في بطون المعاجم العربية، لا يجد مُبتغاه، إلا في مصطلحٍ رديفٍ له ألفه العربُ آنذاك، وهو (الواعية) أو (الحافظة) فقد عرّفها التهانوي في كشّافه بما يأتي: ((عند الحكماء قوة تحفظ ما يدركه القوة الوهمية من المعاني وتذكرها، ولذلك سمّيت ذاكرة أيضا، ومحلّها البطن الأخير من الدّماغ، كذا في بحر الجواهر. وهي قوة محلّها التجويف الأخير من الدماغ من شأنها حفظ ما يدركه الوهم من المعاني الجزئية، فهي خزانة للوهم كالخيال للحسّ المشترك. كذا في اصطلاحات السيد الجرجاني وقد ذكر مفصلا في لفظ الحواس)) .
ولا يختلف كثيرًا هذا التعريف لما ذكره (لالاند) في موسوعته الفلسفية، إذ عرّف الذاكرة Memory بأنها ((كلُّ حفظٍ لماضي كائنٍ حيٍّ في حالة هذا الكائن الراهنة)) ، وهو تحديد يقدم لنا أهم جزء في حمولة مفهوم الذاكرة وتحديدًا ما يتعلق بحفظ ماضي الكائن الحي، ‘إلا أنه ((يُهمل الفارق الجوهري بين الذاكرة الإنسانية الحية، وأية وسيلة حفظ غير إنسانية أخرى)) .
ولما كانت الذاكرة تقدّم لنا بوصفها أشياء انتمت إلى الماضي، وهي مصدرٌ لمعرفة تلك الأشياء كما يرى التجريبيون، فكم إذن يُمكن أنْ نثق بما تنقله الذاكرة إلينا صحيحًا مع ما كان من حدثٍ أو لحظةٍ ارتبطت بالماضي؟ وهو سؤال يجعل الاهتمام يتجه إلى صلاحية الذاكرة بوصفها مصدرًا للمعرفة ما دام إمكان النسيان الذي هو حالة طبيعية موجودًا، وهو نقيضها، فنحن كما يقول ريكور، لا نملك موردًا آخر فيما يخصّ الإحالة إلى الماضي سوى الذاكرة عينها ، وفي هذه الحالة، ثمّة إمكان لإساءة استعمال الذاكرة ، فيقع الخلط والزيادة أو النقصان قصورًا أو تعمّدًا من صاحب الذاكرة، وفي هذه الحال يُساء استعمالها بوصفها مصدرًا للمعرفة، وتغدو صحة ما تنقل على المحك.
ومن خلال ما تقدّم يقترن مفهوم النسيان بما يُضادّ التذكّر، فحين نقف على حدود الذاكرة، إنما نشاطئ مفهوم النسيان، وهو مفهومٌ إشكاليٌّ أيضًا يتعارض مع الذاكرة؛ هذا لأن (مساريهما يتقاطعان في موقعٍ ليس بموقع، ويدلُّ عليه بشكلٍ أفضل التعبير الأفق، أفق ذاكرة ساكنة بل أفق نسيان سعيد، بمعنىً ما، فإن إشكالية النسيان هي الأوسع إذ إن سكينة الذاكرة التي تشكّل الغفران يبدو وكأنها تشكّل المرحلة الأخيرة من مخاض للنسيان)) .
وتبرز أسباب كثيرة لاستدعاء أحد هذين الأمرين: (الذاكرة/ النسيان) بالنسبة للفرد أو الجماعة، فقد تعمد ((جماعةٌ ما إلى احتكار هذه الذاكرة ووضعها تحت نفوذ ملكيتها الخاصة. يحدث هذا حين تتألف أمة ما من مجموعة من الجماعات)) ، ويمكن للشخص أيضًا أنْ يتصرّف بذاكرته بوصفها طابعًا يرسم حدود هويّته الثقافية، فيمارس ما ينبغي لذاكرته أنْ تستدعيه بما ينسجم ومتطلبات مستواه الثقافي، فكلُّ فردٍ في المجتمع ((هو الشاهد الوحيد على وجوده الخاص، حيث إنه مسؤول عن بناء صورةٍ لهذا الوجود ناسخًا بعض الأحداث ومُبقيًا على البعض الآخر، أو مشوِّهًا أو مكيّفًا للمتبقي منها، ويمكن له أنْ يستعين على ذلك بالوثائق “التي هي الآثار المادية” ولن يساعده أحد في عمله، فهو وحيدٌ فيه […] حيث يمكن للنسيان الإرادي أنْ يولّد الندم، كما يمكن لدحر بعض الذكريات أنْ يؤدي إلى العصاب)) ، فمصلحة الفرد هي التي تتحكم في ذلك التذكر أو التناسي؛ لأجل العيش بطريقة أفضل، وبمقتضى ذلك لا يمكن لأحد أنْ يفرض الصورة التي يملكها الشخص عن ماضيه؛ لأن جوهرها يأتي من وجودها وليس من خلال الحقيقة التي تدفعنا إليها .
ولا نكاد نجد أحدًا يقرّ بضعف الذاكرة، واستيلاء النسيان على الذهن البشري، فلقد جُبل البشر على النسيان، ومنه قيل اشتُقّ اسم الإنسان ، حتى أصبح الأمر مألوفًا لدى كبار السنّ، مثل انحطاط سائر قواه في هذه المرحلة المتقدّمة من عمره، وهذا المعنى يذكره الشيزري في بداية تأريخه بقوله: (( وما النسيان بمستنكر لمن طال عليه ممر الأعوام وهو وراثة بني آدم من أبيهم عليه الصلاة والسلام)) .
وحين نتطلع إلى موروثنا الدينيّ، نجد النسيان قد اقترن في القرآن، بما هو جالبٌ للشر والمتاعب، فقوله تعالى: ((وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا)) يبيّن أنّ ما أصاب الإنسان من ابتلاء ومعاناة بخروجه من الجنة، إنما كان بسبب نسيانه أوامره التي تؤكّد خطورة اتّباع تسويلات الشيطان. فضلاً عن آيات أخرى ذكرت النسيان بوصفه عقوبة مثل قوله: (فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا) أو قوله: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) فالنسيان يمثّل درجة من درجات العقوبة للآخرين، حين لا تذكره بالرحمة، أو تشمله بالخير، ولذا يكون طلب الاستغفار من النسيان أو الخطأ، باعتبارهما تغافلاً عمّا يجب فعله أداءً لحقّ الربّ من العبد.
2 – رواية طشّاري واشتغال ثنائية (الذاكرة/ الشطب)
بعد هذا العرض التلفيقي من مرجعيات فكرية متنوّعة بين فلسفية وفكرية ودينيةٍ متمثّلة بالموروث التفسيري للنص القرآني، سنتوقّف عند رواية (طشّاري) للروائية العراقية المغتربة (إنعام كجه جي) المقيمة الآن في فرنسا، وأنا أشكُّ في مقصدية النوايا التي دفعتها لكتابة هذه الرواية؛ لأنّها ممّن دخل عالم الرواية بعد الخمسين، وهي ممّن عُرفت بمزاولتها العمل الصحفي طيلة السنوات الماضية، وفي حديثٍ لها على قناة الفرنسية الناطقة بالعربية، أشارت إلى أنها جمعت قصاصاتٍ متفرّقة لها من هنا وهناك، بين ذكريات، وخواطر، وأفكار، ولقاءات، فكانت الرواية (طشّاري) توفيقًا لهذا الرُكام المتناثر طيلة عملها الصحفي، وفعلاً كان هذا المتناثر من المعلومات، تجميعًا إبداعيًّا في نسقٍ أريدَ له أنْ يترجم معاناة الشتات العراقي في الغربة، فكانت الرواية بذلك دالّةً بشكلها (تجميعًا وتنسيقًا) ومضمونًا (دلالة العنوان ومتنها) على ذلك الهدف المقصود لدى الكاتبة..
إنَّ استعادة الذكريات واسترجاعها، يمثّل ظاهرة طبيعية عند الإنسان، إذا ما علمنا حتى الحيوانات والنباتات تتمتع بذاكرة ، ولكن في مثل رواية (طشّاري) تكون الذاكرة تمثّل تقانةً ظاهرة على مجمل تقانات السرد في هذه الرواية، وعليه تكون الذاكرة ناظمًا رئيسًا لمفاصل الرواية المتشكّلة من شتات الذكريات التي مرّت ببطلة الرواية (وردية) تلك الطبيبة المسيحية التي غادرت العراق بعد تصاعد أحداث العنف وتهجير المسيحين من العراق بعد سقوط النظام البعثي. وهنا تستعرض البطلة أحداثها، وهي على كرسيٍّ دوار في قصر التشريفات لمقابلة الرئيس الفرنسي.
إنّ تشخيص الأسباب التي تقف على طغيان ظاهرة الاستذكار في المتن السردي (طشّاري) بالإمكان إرجاعه إلى الحالة النفسية التي تمرُّ بها البطلة، فهي بوصفها مغتربة تشهد كلّ يوم حالات من النزوح الجماعي في دول المهجر، وتستمع بوصفها صحفية إلى آلاف القصص التي يمرُّ بها عراقيو المهجر، كيف كانوا، وكيف صاروا من وضعٍ مأساويٍ نتيجة تصاعد أحداث العنف، فكان لها أنْ تُرمّم الواقع عبر استدعاء الذكريات المضادّة للواقع، وهذا ما يُعرف بأدبيات ما بعد الكولونيالية، بالمقاومة بالكتابة، أو كما هو اصطلحت عليه بيل اشكروفت وزميلاتها بـ(الرد بالكتابة) تلك الكتابة التي يوظّفها أبناء الشعوب المقهورة، لأجل محاربة الواقع المرير الذي تعيشه بلادهم نتيجة السياسات الغربية التي من مصلحتها إبقاء دولٍ تراوح في مكانها، بل تتراجع عمّا كانت عليه من حالٍ يُعدّ أفضل بكثيرٍ ممّا هي عليه الآن، في حين تتقدّم هذه الدول (الكبرى) التي ابتدأت مرحلة من الامبريالية المبطّنة من خلال ارتقاء مستوى سياساتها لما هو أخفى في التضييق على دول العالم الثالث تارةً، وإظهارَها أنّها الملجأ الوحيد لشعوبهم حين تضيق بلدانهم بهم، فتعمل على تأسيس قناعاتٍ في أذهان تلك الجماعات المهجّرة من أوطانِها بما تقدّمه لهم من تسهيلات اللجوء وغير ذلك من خدمات، بأنها أفضل واقعٍ ممّا كانوا عليه، وهي قناعات تُكلّف تلك الجماعات الانسلاخ من كل ما يمتّ بصلة بأوطانهم فكريًّا وعقديًّا واجتماعيًّا.. الخ. وبهذا يقع اللاجئ رهينة استعباده لا شعوريًّا لأنظمةٍ أخرى ليس له سوى الانقياد خلف قراراتها مهما كانت.
إن استشعار البطلة (ورديّة) بالغُربة في بلاد الغرب، لا يحتاج إلى دليل، ففي استدعائها كل تلك الذكريات التي يغلب عليها طابع الحنين إلى ما مضى من عمرٍ قضته وهي تُعالج النساء في الديوانية ومن ثم في بغداد، فضلاً عن المواقف الأخرى التي تحضرها وهي في وسط أسرتها المسيحية، وما كان لأخيها أو لأختها من أحداثٍ جرت معهم، كل تلك الأحداث التي استعادت شريطها لتضعه بين يدي ابنتها أو زوجة ابنها أو أو.. كانت بمثابة جهاز الاستنشاق الذي يستعمله المصابون بالربو، فيرتاحون بعد الاستغاثة به، وإلا كان الواقع الذي ينتصب أمام عينيها مثلما وصفته: ((كأن جزارًا تناول ساطوره وحكم على أشلائها أنْ تتفرّق في كل تلك الأماكن. رمى الكبد إلى الشمال الأميركي وطوّح بالرئتين صوب الكاريبي وترك الشرايين طافية فوق مياه الخليج، أما القلب، فقد أخذ الجزّار سكّينه الرفيعة الحادّة، تلك المخصّصة للعمليات الدقيقة، وحزّ بها القلب رافعًا إياه، باحتراس، من متّكئه بين دجلة والفرات ودحرجه تحت برج إيفل وهو يقهقه زهوًا بما اقترفت يداه)) ، إنّ فعل التقطيع الذي يقوم به الجزّار، يشير إلى قسوة الحالة النفسية التي تمرُّ بها (وردية) تلك التي قدّمت من الخدمات العلاجية بوصفها طبيبة نسائية تُنقذ أرواح النساء الحومل من تحت يديها وبفضل مبضعها الرحيم كان لأطفال أنْ يعيشوا حيواتهم سالمين، فتجعلها الآن تقع في مفارقة أنّها الآن تحت قسوة ساطور الغربة المرير، من غير مبالاةٍ بما يُعانيه أولئك الواقعين تحت رحمة سطوته، فأسرتها الآن مشظّاة على خارطة العالم الغربي، وهذا التصويرُ لا يُخفي تحيّزاته الهوياتية لنسق الانتماء إلى أصلٍ يلمّ شتات المجتمع العراقي بما فيه من تعدّديات عرقية ومذهبية ودينية وفكرية.
تبدأ الرواية بأوّل مشهدٍ يُطلُّ بالبطلة وهي خائرة القوى لا حول لها ولا قوّة، فتتلقّفها أيادي الأجانب، لأجل مقابلة الرئيس الفرنسي، فتنشغل تارةً بوصف القصر، وتُضمّن قولها ما يُشبه الانتقاد لما قرّ في ذهنها من ذكريات عمّا آلت إليه السياسة القمعية في العراق، من إجراءات أمنية لا تجدها في دول الغرب، فتقول بلسان الراوي العليم عن قصر الأليزيه: ((رأت قصرًا رماديًّا قديمًا يقع في شارع متوسط يزدحم بالسيارات والمُشاة. لا عساكر ببنادق رشاشة وشوارب كثة ونظرات تقدح شررًا. لا أحد يردع المارّة ويهشّهم إلى الرصيف المقابل إلى عدة شوارع بعيدة عن المكان، لا مناطق حمراء وخضراء وبرتقالية. إنّ أمامها الكثير لكي تندهش وتتعجّب قبل أنْ تتعوّد)) . فكلُّ ما ذكرتهُ من توصيفات، يُحيلها المتلقّي المنتمي إلى الذاكرة نفسها، إلى صورةٍ مألوفة يشهدها في بلاده، حيث الإجراءات المُبالغ بها من حيث التحشيد العسكري لأماكن تواجد المسؤولين الكبار لإدارة الدولة، في حين ترزح بلادهم بالرعب المستطير، والتدهور المستمرّ لأوضاع الناس، حيث المنافي تغصّ بأبناء تلك الحكومات المسوّرة بالحِراب، في حين تجد خلاف ذلك تمامًا، حين تشاهد الأمن والازدهار المعيشيّ في تلك البلاد التي لا تهتمّ بحراسة مسؤوليها بهذا القدر من المبالغة الذي ألفته في بلادها..!
إن هاجس العودة إلى الماضي المكثّف في ذهن الشخصية الرئيسة في الرواية، لم يكن لأجل سدّ وقت فراغها، بوصفها امرأةً تمرُّ بخريف عُمرها، فتحكي لمن تقابله بكلِّ ما يخطرُ في ذهنها من ذكريات، لم يكن ذلك أبدًا، بل كان لأجل أنْ تعيش حاضرها بما يمنعها عن الانزلاق في فخّ الانبهار بالحضارة الغربية، وما تقدّمه من خدمات تعجز حكومات بلدان أولئك اللاجئين من الحصول على عُشرها، وهذا ما تلمسه عند الكثير، فكان لها أنْ تكيّف تلك الذكريات بما يُساعدها على اجتياز هذه الأزمة النفسية والاجتماعية الخانقة التي تمرُّ بها، وهذا ما يقع في صميم الكاتب في منظور نقد ما بعد الكولونيالية، حيث نرى موضوعات ((تضمّ كناية ذات قوّة فعالة، وعلى سبيل المثال، يُعدّ أو تدمير المنازل والمباني في مواقع ما بعد الكولونيالية شكلاً متكررًا ومثيرًا للذكريات والمشاعر بالنسبة لإشكالية هوية ما بعد الكولونيالية في كتابات تنتمي إلى مجتمعات شديدة الاختلاف)) . باعتبار أنّ الماضي مكونٌ رئيس من الذكريات، فكان للبطلة أنْ تضخّ مزيدًا من الذكريات، علّها توقف نزيف الوجع الذي تقاسيه شخصيًّا من جرّاء تداعيات الأحداث المريرة التي صدّعت البلاد، فتتعلّق بأهداب الماضي السعيد؛ ليوقظ فيها الأمل بالحياة، فتقول وهي على كرسيٍّ دوار داخل قصر الاليزيه لأجل أن تلتقي ومجموعة أخرى من اللاجئين بالرئيس الفرنسي ((يسير الحارس بكرسيّها نحو الداخل ويُسلِّمها إلى موظف التشريفات. كان كهلاً أشيب متأنقًا على أربع وعشرين حبّة، يرتدي بدلةً سوداء ذات ذيلٍ يتدلّى خلفه، توشّح صدره قلادة طويلة مذهّبة، إنها لم تر، رؤية العين، زيًّا مثل هذا من قبل، وكانت تعرف تلك الصورة الشهيرة لنوري السعيد وهو يرتدي البدلة الرسمية السوداء، أم الذيل، وتحتها قميص ناصع معقوف الياقة وربطة من الساتان الأبيض عند العُنُق. تذكّرتْ أنْ الدكتور شكري، الذي كان رئيسًا للصحة في الديوانية، كان يمتلك بدلة مثل هذه، يُرسِلها إلى المكوى قبل كل مناسبة كبيرة لكنه يعدل عن ارتدائها. لقد تمنّت لو أنه لبس السترة ذات الذيل في حفل زفافها في نادي الرفق بالفقير، لكنه لم يفعل، ولعلها كانت قد ضاقت عليه. وهي حين سألت زوجته لوريس: لماذا لم يلبس الدكتور بدلته السموكينغ؟ ردّت السيدة اللبنانية العارفة بشؤون التأنق أنّ اسمها بونجور وهي ذات ذيل أطول من سترة الفراك، أما السموكينغ فشيءٌ آخر. ضاعت وردية بين المسمّيات وخجلت من جهلها؟ يا لهذه الذاكرة التي تُعاند وتحتفظ بكل شيء وترفض أنْ تتنازل عن التفاصيل)) . إن الداء الذي تُعانيه وردية ظاهرًا هو استيقاظ ذاكرتها بكل التفاصيل، وهو التذكّر إنما يُثبت وعيها، وفي الوقت نفسه اهتمامه برتوش الذكريات التي لم تغادر ذهنها، بمعنى أنّها ذكريات لها حضور مهمٌّ في كيانها إلى درجة التأفّف من هذه الذاكرة.
إنّ ما يتمّ استعادته من ذكريات ماضية في متن (طشّاري) ليس مبرّءًا من القصدية، بمعنى أنّها ذكريات باعثة على غايات مقصودة لدى البطلة، وليس كل ما يعنّ في ذهنها، على الرغم من ادّعائها الاحتفاظ بكل التفاصيل، يتمّ طرحه، وإنما يُطرح ما يخدم غرض الكاتبة في بناء شخصية البطلة التي كما حرصت من قبل على سلامة مريضاتها الحبالى من حالات حرجة، تحرص الآن على محاربة بشاعة الأحداث، ومحاولة إيقاف النزيف اليومي المتصاعد بعمليات التهجير القسري والقتل الممنهج.. الخ من مظاهر دعت إلى الاحتراب والتمزّق المجتمعي، عبر استدعائها الذكريات المُطبّبة لهذا الواقع، وهي مرويّات تدعو إلى إثبات اللحمة الوطنية بين أواصر المجتمع العراقي، القائم على المحبة والتواصل فيما بين أفراده، وفي الوقت نفسه نبذ التوجّه الطائفي والعرقي والديني الهجين على هذا المجتمع، فهذه التوجهات إنما طرأت بوصفها مدخلات سقوط النظام القمعي بيد الأنظمة التي منحته القوة والثقة، فهي إذن لم تكن بريئة مما حصل من تلاعب بمقدرات هذا الشعب، بل استمرّت بعد إسقاطه على إكمال ما تبقّى بالسماح لإفعوان الطائفية والكراهيات الدينية العبث بطبيعة هذا المجتمع، وهذا ما دفع الكاتبة لأن تبقي الرواية على ما هي عليه في ترجمتها للفرنسية، وذلك بقولها: “لماذا أجري تعديلات؟ الترجمة صدرت بكامل ما في روايتي من أحداث ولوعات وهناء، ووئام ديني وطائفي، وصولًا إلى التفرقة وتمزق العراق وتحول الملايين من أبنائه إلى لاجئين. الغرب تواطأ في تدمير وطني، من ضمنه فرنسا ميتران، والرواية لم تتلعثم في قول هذه الحقيقة. القوم هنا طلّقوا الرقابة من زمن طويل. ومع ما يصدر من روايات لمغاربة وأفارقة من أبناء المستعمرات السابقة، اعتاد الرأي العام الفرنسي على الملامة، يعني رؤية الوجه البشع السابق في مرآة الكتابة التي تضع النقاط الضائعة على حروف التاريخ”
قد يكون النسيان مطلبًا يدفع البطلة إلى انتشالها من الواقع المأزوم بالأحداث الصعبة، فالنسيان يُرادف الصفح عن أخطاء الآخرين، لأنه يمثل أفقًا مفتوحًا أمام البشر من أجل التعايش بأخلاق التسامح والكرم والرحمة التي تقع على النقيض من استعمال الذاكرة واستغلالها آيديولوجيا وسياسيًا، وعلى النقيض كذلك من شرور الأحقاد وأفعال الانتقام والرد على الشرّ بالشرّ. إذا كان الصفح ممكنًا فإنه لا يتجلى إلا في صورة الرد على الشرّ بالخير ، وهذا ما ينطبق وسياسات التذكّر التي نجدها مبثوثة في (طشاري) حين تستعرض الروائية عن ذكريات (وردية) حين كانت تعمل طبيبة في الديوانية وهي الآن في فرنسا، أي أنه ثمة انتقالة في السرد من الواقع إلى الماضي. ثم ترجع الى الواقع فتقول: (خلعت الكفوف البلاستيكية المعقمة، وأزاحت قناني السبيرتو وأكياس القطن، وتركت وراءها سرير الفحص، الذي تتمدد عليه العواقر والولادات، أغلقت بيتها وجاءت إلى هذا البلد الذي لا تعرف أهله ولا يعرفونها. من يعرف هنا الدكتورة وردية؟ إن من يراها تدفع عجلة كرسّيها المتحرّك، لدى الجزار القبايلي في كريتاي، لا يصدق أن هاتين الكفّين الصغيرتين اللتين ترتسم عليهما خارطة من الأوردة الزرق هما اليدان السحريتان، ذاتهما، بأناملهما المطواع المدربة التي كانت تجوب المغارات السرية للنساء فتفكّ وتربط وتكشط وتنظّف وتكوي وتداوي وتهجس بالبشارة. تتلمّس المواضع الخفية وتروز تكوّرات الأجنة وتقدّر أشهر الحمل. ثم تتسلّل إلى الأرحام فتسحب المواليد إلى حياة كُتبت عليهم في سجلٍ مجهول. تطبطب على ظهورهم الحمراء المجعّدة وتسمع صرخاتهم الأولى وتقطع الحبال وتعقد السُرر)) .
إنّ استدعاء مشاهد عمل الطبيبة حين كانت تمارس عملها بنشاط، يُمثّل نوعًا من الاحتجاج المبطّن للواقع الذي آلت إليه هذه الطبيبة، وفي الوقت نفسه يمثّل إصرارها على ذلك الانتماء المجتمعي، الذي بطبيعته يُفرز هويّتها بوصفها جزءًا من ذلك المجتمع لا يمكن الاستغناء منه بحال، فهي بهذا الاستدعاء تُحاول التشبّث بهويّتها في مجتمع متخيّل؛ لأنّ الجماعة المتخيلة – بحسب بندكت اندرسون- ((ليست جماعة خيالية، بل حقيقية وواقعية، وليس فقط لأنّ فعلها وتأثيرها كذلك، بل لأن تخيّلها يجري بأدوات واقعية قائمة، فالناس في هذه الحالة لا يتخيّلون شيئًا من العدم وبواسطته. فتخيّلها يحتاج إلى أدوات ناشئة تاريخيًّا، كما تتشكّل المتخيّل بهذه الأدوات من عناصر قائمة)) .
نتلمّس في بعض استدعاءات (وردية) ما يشي بالمرارة من ذهاب ما مضى من أحداث، وحلول أخرى، وهنا يكون التذكار سلوانًا للحاضر، وبالنتيجة يُصبح الماضي معادلاً لقتامة الواقع، بخلاف بعض الذكريات التي تبعث على إيقاظ الشعور بالكراهية، تلك الذكريات التي تصفها سوزان سونتاج، بأنها تخلّف المرارة، ولا يتحقق السلام إلا بنسيانها، وبهذا لا بد القبول بذاكرة منقوصة . فالأحداث التي تستدعيها (وردية) كانت نسيانًا للواقع، وهروبًا من صوره اليومية الباعثة على التأزم النفسي المستمر، وهذا ما نستجليه في أكثر مقاطع الرواية من استدعاءات من قبيل قولها: ((هكذا هو أطلس الويلات. وقد وجدتها ياسمين فرصة لتهرب من بيت صار كالسرداب المهجور، صمت وعتمة وانتظار لغدٍ أسوأ. هل شعرت وردية بكلّ ذلك ؟ كانت عيادتها دُنياها، تتحامل على سنوات عمرها، وهي الطبيبة المتقاعدة من العمل في المستشفى، وتسحب ساقيها المتورمتين إلى التويوتا العتيقة وتدير المفتاح. تتكفل السيارة بإيصالها إلى العيادة، من كثرة ما راحت وجاءت في ذلك الطريق. إنها تحفظ الحُفر والطسّات وسحنات شرطة المرور. يتعمدون أن يؤشروا لها بالتوقف، لكي يسلّموا عليها ويتشاقوا معها وينالوا البركة، ما تجود به من عملةٍ شاحبة لا تساوي ثمن الورق الذي طُبعت عليه. […..] كلُّ تلك الأعمدة والإشارات الضوئية صارت ذكريات وآثارًا قديمة. وحتى الشرطة اختفوا من الشوارع والمفارق ثم عادوا بأزياء أخرى. بعضهم ملثّم وبعضهم مسلّح وبعضهم ملتحٍ والباقي يبدو وكأنه في ورطة وجودية. المدينة كلها في ورطة وجودية. ولا أحد يعرف لمن يأمن وممن يخاف. والشوارع مقسّمة حسب الطوائف. لكن سيارة الدكتورة تمرّ والمريضات لا يتخلفن عن الذهاب إلى العيادة)) .
يختزل النص الاستذكاري أعلاه مواجع كثيرٍ من العراقيين، وبهذا يكون النص السردي ممثّلاً لهوية قطّاع واسع من الناس، باعتبار أنّ الهوية السردية تدمج السرد التاريخي والسرد التخييلي، وبحسب ريكور تتكوّن الهوية السردية من هذا الانصهار بين السرد والخيال، فتصير بموجبها حياة الناس أكثر معقولية حين يتم تأويلها في ضوء القصص التي يرويها الناس عنها، وحتى لو المسرودات المكونة للهوية متقابلة أو متناقضة فهي ليست ثابتة؛ ولهذا وُصفت الهوية بأنها سردية لأنها تتشكل بتأريخية تجعل منها عرضة للتغيير والتحول كأي حدث نرفع عنه صفة اليقين والثبات .
إنّ اهتمام البطلة بما ترويه من ذكريات، لا يجعلها تنسى نفسها، فتكون سببًا في إملال الآخرين، وهذا ما يُنبّه إلى دقّة الوعي الذي يتملّكها في استذكار ما تريد استذكاره، وبهذا يكون ((السرد محورًا يدور حوله وجود الإنسان بتمظهرات متداولة تعبّر عن نُظُم معرفية وقيميّة تمنح الذات تأصُّلاً في مكانها وتجذُّرًا في أزمنة متخالفة حتى وإنْ بدت متشظّية. إنّ استخدام السرد عبر التذكّر والاستعارة مانحٌ أشكالاً هُوويّة للذات التي لا تكون بمعزل عن تاريخيتها إذ هي تعيد بناء ماضيها حدثًا وصورة للحدث بأساليب رمزية تريد لها أنْ تقيم علاقة تثاقف بين الذات والآخر انفتاحًا وتغايرًا)) ، بما يعني أنّ فعل قصّ تلك الذكريات، يؤسّس لحضور هوية السارد، حتى وإنْ غاب الحدث المباشر الذي يؤديه الراوي في عموم الأحداث التي يرويها، فضلاً عن كونه يُمارس أثره المرجعي في عموم الرواية، ولا يخرج عن السياق العام الذي تستهدفه الروائية في الفعل السردي، فحين تخاطب (وردية) ابنة أخيها بقولها: ((تاليها، يا ابنة أخي الحبابة، ألم تضجري من ثرثرتي؟ لقد رويتُ لك كل تلك السوالف والترهات لكي أقول لك فكرة وحيدة، إن السفر لم يكن قدري لكنني سِرتُ إليه مثل المنوّمة، لم يعد لي، في ذلك البلد، ما يُبقيني ولا من يُمسكني، دفنت الزوج وأقفلت العيادة ورأيت السرسرية يحتلون الطرقات وصارت أيامي الباقية مثل عدمها. لكن ديري بالك، يا عيني، وأنت تكتبين وتشطبين وتراجعين وتستفسرين وتفركين جبهتك تأملاً، أو ربما مللاً من صداع الحكاية. ديري بالك لأن هذا ياقوت عمري. إن حياتي من دونه هباء)) . تكشف عن نوازعها النفسية التي دفعتها لهذا الاستدعاء المتواصل من الذكريات، فلأجل أنْ تنقل ما رأته من ذكريات باعثة على التفاؤل في مجتمع لم يكن مثلما هو الآن بفعل الأثر السيء للسياسات الطائفية والإثنية، كان لها أنْ تخرج منه مكرهةً، قبل أنْ يُغلقَ فمها ولم يستمع الآخرون إلى ما شاهدته من ذكريات أيامٍ بيضاءٍ في حياتها. الأمر الذي يجعلها توصي ابنة أخيها، بالحرص المبالغ به في تدوين هذه الأحداث، وكأنها إرثٌ ثمين لا ينبغي التفريط به، فما مرّ من أحداث يمثّل الهوية الحقيقية لأبناء هذا الوطن، وما عداه فليس إلا عارضًا سرعان ما يزول بزوال أسبابه. ولا يخفى أنّ هذا الحرص مما لا يخفى منه النص الروائي السير ذاتي، حين تكون ((المادة التي يُفترض أنْ تكون حقيقية وأصلية، لا يمكن أنْ تحتفظ بذلك، فما أنْ تصبح موضوعًا للسرد حتى يُعاد إنتاجها طبقًا لشروط تختلف عن شروط تكوّنها قبل أنْ تندرج في سياق التشكيل الفني)) .
إنّ من يُتابع حركة الشخصية الرئيسة في الرواية (وردية) يجدها قريبة الصلة والروح والهواجس من المؤلّفة الكاتبة لأحداث هذه الرواية، ولا يخفى أنّ نص هذه الرواية من الأجناس المتفرّعة عن شجرة السرد التي بدأت تظهر على الساحة العربية والعالمية بما يُصطلح عليه بالرواية السير ذاتية، وهي جنس أدبي تولّد من تعالق جنسين أدبيين يتقاربان من جهة والرواية من جهة أخرى، وبحسب تعريف (فيليب لوجون) له يرى بأنّ ((كل النصوص التخييلية التي يمكن أن تكون للقارئ فيها دوافع ليعقد انطلاقًا من التشابهات التي يعتقد انه اكتشفها أنّ هناك تطابقًا بين المؤلف والشخصية في حين أنّ المؤلف اختار أنْ يُنكر هذا التطابق أو على الأقل اختار أن لا يُؤكده)) . وعليه تكون الرواية السير ذاتية أقرب إلى الرواية وفيها يكون دور الراوي أقرب إلى مؤرّخ للأحدث التي واجهته في حياته، إلا أنه يسبغ عليها شيء من الخيال؛ ليضمن انتماءها إلى الرواية باستعاراتها ومجازاتها وإغراقها في اللاواقعية .
ولما كانت الأسطورة نتاج لصورة ذهنية، فيتمظهر عبرها المخيال الجمعي واختراقاته الواعية واللاواعية، تلك الكلية التي ينطوي فيها الكوني والعلاقات اليومية والاجتماعية والعقائد مع كل الارتحالات التي تحدث فعلاً، فيعمل المخيال على شطب ما يراه خارجًا عن سطوة التفكير الجمعي، ويضفي عليها نوعاً جديداً من العلاقات الروحية يجعل منها عناصر جديدة تساهم بصياغة وبلورة العديد من العلاقات الاجتماعية والتاريخية” ، كان للروائية أنْ تضفي على استدعاءاتها المتوالية على لسان البطلة (وردية) شيئًا من ذلك التوظيف الأسطوري، فتقول عن طير اليباديد: ((يغيب الجزّار وتطلع، من فيلم الكرتون، ساحرة شريرة تُمسك بعصا البَدد السحرية، ترفعها عاليًا في الهواء ثم تضرب بها بقعة من الأرض كانت خصيبة، آمنة من الزلازل، محروسة بين نهرين، مأهولة بمليون نخلة، طافحة بذهبٍ أسود، جاثمة على فوهة خليج ملتبس بين عربٍ وفرس.. تضرب الساحرة طاردةً أهل تلك البلاد إلى أربعة أطراف الدنيا. تبددهم بين الخرائط وهم دائخون لا يفقهون ما يُحِلّ بهم، تريد أنْ تنتقم لأنها دميمة وشريرة وهم أهل أريحية وسماحة، قُدّوا من تمرٍ وأشعار وأبوذيّات، لأنها ورق وأصباغ ورسوم تتحرك وهم صخر جلمود. تقهقه وترسل طير اليباديد ليحلّق فوق رؤوسهم. من يعرف طير اليباديد المنفلت من كتب الأساطير، ذاك الذي يحوم فوق أسطح البيوت الآمنة فيُبعثر الأحبة ويفرّقهم في البلاد)) .
وهو توظيف ينسجم وحالة الاغتراب النفسي والمكاني الذي تعيشه البطلة، حيث لا تجد تفسيرًا منطقيًا يُقنعها أنّ ما حصل من أحداث يُتوقّع حدوثه في بلادها التي عاشت في كنفه الوديع، حيث الانسجام بين الكتل والجماعات الاثنية، وصلة التراحم بين مختلف شرائح المجتمع على اختلاف مذاهبهم وأعراقهم ودياناتهم، فلم تجد سببًا وجيهًا لما يحدث، سوى اعتناق الأسطورة التي تسهم بطبيعة تكوينها اللاعقلاني، بتخفيف أعباء الواقع على ذهن البطلة، وفي الوقت نفسه، تضفي على النص مسحة من السخرية، حين لا تجد سببًا منطقيًا يقودها لفكّ التباس الواقع، إلا عبر التشبّث بأهداب الأسطورة، بما يُثبت لا عقلانية الأحداث، ولا منطقية كل ما يجري، وكأنّ الواقع الذي يعيشه الإنسان العراقي قريب الشبه بما يحدث في الأساطير.
لا يستطيع المنفيّ الانخراط الكامل في المجتمع الجديد، ولا يتمكّن من قطع الصلة بالمجتمع القديم الذي وُلِد فيه، فيتوهّم صلة مضطربة وانتماءً مهجّنًا، ويختلق بلادًا لاحقته أطيافها في المنفى، فما إن يرتحل المرء أو يُرحّل عن مكانه الأول حتى تتساقط كثافة الحياة اليومية وتنحسر وتتلاشى، وتحل محلها ذكريات شفّافة تدفع به إلى نسيان الوقائع المريرة، وبمضيّ السنوات يبدأ المنفى في تخيّل بلاد على سبيل الاستعادة والتعويض، وهي أمكنة تتخلّق في ذاكرته كتجربة شفافة وأثيرية، يغذّيها شوق إلى أماكن حقيقية تلاشت إلا كومضات بعيدة في عتمةٍ حالكة . وهذا ما نجده منطبقًا في كثيرٍ من نصوص الرواية، حيث تشظّت الذكريات، بوصفها هجينًا من مراحل عمرية مختلفة مرّت بها (وردية) أو من تتذكّره من أهلها، وتُناور بتلك الذكريات عن واقعٍ اختلف بما استجدّت فيه من تكنولوجيا، قد لا تغري بهرجتها الذي أُشبع بتلك التفاصيل، التي ارتبطت بقيم وعادات وتقاليد ألفها المجتمع، فكانت سبب ألفة ومحبة فيما بين أفراده، الأمر الذي يجعل البطلة تلوذ بذاكرتها، ممّا تعانيه من غربة أودت بتشظّي أفراد أسرتها في كلّ صقعٍ من العالم، فتقول ابنتها التي سافرت إلى كندا (كأن الذاهب إليها يموت وهو في الحياة. يفارق أهله فلا يرونه ولا يراهم أو يسمعهم إلا في الصور وعبر الأسلاك. ماذا تفيد الفرجة بدون لمس وأحضان ولثم وشمّ ؟ مع هذا أشكر نعمة الهاتف وأعيش مع الصور التي حملتها معي من هناك. أتأمل صورتي وأنا طفلة على مسرح المدرسة في الديوانية، أرتدي صدرية بيضاء وأضع على أذنيّ السماعة الطبية وأفحص دمية ممدّدة على منضدة خشبية صغيرة، هل تذكرين الدمية التي اشتريتها لي من أوروزدي باك وكانت أطول مني قامة ؟ الأولاد هنا لا يلعبون بالدمى. إنهم جيلٌ ألكتروني. وغرف أولادي ملأى بالشاشات الكبيرة والصغيرة. ومع هذا يطلبون المزيد والجديد)) .
ولا يخفى ما تُمليه بعض الأماكن التي تذكرها الروائية على لسان البطلة (وردية) من دلالات حنينٍ للماضي الجميل المقترن بسعادة الناس، ومن ذلك مكان (أورزدي باك) تلك الشركة التي كان لها وقعٌ طيب في ذاكرة العراقيين؛ لما فيها من بضاعة جيدة وبأسعار مناسبة يستطيع أكثر المواطنين متوسطي الدخل من التبضّع منها، بما يدخل الفرحة إلى قلوب أطفالهم، وبهذه الاستدعاء الذكيّ، تستغل الرواية مواطن القوّة ومناطق البهجة وإشاعتها في المتن السردي؛ لتزريق مصل التفاؤل في ثنيّاته، واستئصال الورم الناتج من الخيبات المتكررة يوميا، عبر استدعاء بعض الأمكنة وما تحمله من خصوصية في الذاكرة الجمعية.
ولعل النسبة العظمى من موجّهات مقصودة لدى الكاتبة، تنخرط في الجانب الملتزم فيما يراه الأديب واجبًا عليه من التصدّي لدوّامة العُنف، ومحاربة كل ما يصبُّ في خدمة أعداء السلام، وذلك بتقنين فعل الاستذكار وجعله قابلا للتحوير والتبديل ((بل حتى الاختلاق والتلفيق كأي موضوع يأتينا من الماضي، والماضي ليس قائمًا بين أيدينا اليوم ليتحقق من صدق الذاكرة أو زيفها)) ، وبهذا يمكن توجيه سرديات الذاكرة عبر المتن الروائي باتجاه يخدم المصالحة الوطنية وتعزيز السلام الأهلي وتقوية أواصر التعايش المشترك بين الجماعات والطوائف. ومن تلك الاستدعاءات السير ذاتية قولها: ((تختلط، في غرفة الانتظار، الأظفار الحُمر والخصل الشقر لنساء زيونة مع الحواجب الموشومة لكاولية الكمالية. تتداخل الأصوات وترتفع فتصرخ حسنة الفرّاشة آمرة الجميع بالسكوت. يتحوّل الكلام الجهير وشوشةً وإشارات بأطراف العيون، ثمّ تحدث جلبةً خارجية مفاجئة وكأن تظاهرة تمرّ أمام العيادة. تبتسم الدكتورة وردية وتعرف أنّ الباص الآتي من الديوانية قد وصل وأفرغ حمولته. يقود الوفاء مريضاتها القديمات إلى السفر لأكثر من ثلاث ساعات لكي يصلن إلى عيادتها. يقف السائق في كراج الديوانية ويصيح “دختورة وردية.. بعد ثلث ركاب ونقبّط… دختورة وردية”. يحجزن أماكنهنّ في الحافلة الصغيرة المستأجرة، مرّتين في الأسبوع، ويأتين إلى بغداد. يصلنَ إليها فتكشف عليهنّ قبل أنْ يعود السائق بهنّ إلى أهاليهنّ)) . يمثّل هذا النص، بما يحمله من دلالات التسامح والتنوع الثقافي الذي يفرض على الجميع أنْ يكونوا متساويي الحقوق والواجبات، ويفرض على الطبيب، بوصفها صاحب رسالة إنسانية أنْ يتعامل بمنتهى الإتقان مع الجميع من دون استشعار لدونية انتماء امرأة لمجتمع على حساب آخر، وكذلك يحمل دلالة الوفاء بين الطبيب والمراجع، وفي الوقتِ نفسهِ يحمل دلالات الإدانة للواقع الصحّي الذي يعانيه أطياف واسعة من المجتمع؛ بسبب التعامل المادّي الذي يلتزم به كثيرٌ من الأطبّاء، ما جعل صورتهم تقترن في المخيال الجمعي للناس بوصفهم مصّاصي دماء، وأبعد ما يكونوا (ملائكة رحمة) ولعلّ فعل التذكير الذي تقوم به الروائية، لا يجانب الهدف الوعظي، الذي لا يخرج عن حدود الأدب الملتزم، حين يواجه متغيّرات تطفو على المجتمع، فلا بدّ لها أنْ تذكّر بالجوانب المُشرقة من مهنة الطب كيف كانت مدعاةً لاحترام المجتمع لها، كون الذي يشتغل فيها يُحاول بكلّ ما يملك من علم أنْ يكون سبب فرحةٍ بإنقاذ أرواح الناس وإسعادهم، في الوقت الذي حافظت فيه الروائية على التعتيم بين تمييزها بين الوهم والواقعي وبين الحقيقة والخرافة وبين الرمز وما يمثّل، فالسرد القصصي في رواية ما بعد الحداثة لا يدعو إلى قطع الصلة بالتاريخ وبالعالم، إنما هي قدرة الروائي في ممازجته بين الجانبين (الواقعي/ المتخيّل) وجعلهما ينتجان عالمًا يتيح لكلٍّ من الجانبين تفريغ شحناته على المتلقّي اليقظ بمؤثثّات كل عالمٍ على حدة.
وإلى ختام الرواية، تبقى مراوحة السرد بين الاستذكار والمحو (الشطب) في تقانةٍ سرديةٍ توضّحت معالمها الدلالية في المضمون المنتثر في ثنيّات الرواية هنا وهناك، وقد تجد بعض تلك الاستدعاءات تحاول مزاوجة طرفي هذه الثنائية، بما يشدّ من أواصر السرد، ويحافظ على دلالة العنوان المفضية للتشتّت المعبّر عن الضياع، وفي الوقت نفسه يعبّر عن التنوّع والتعدّدية وإلغاء المركزيّة وأثرها المقيت في تحريك موجّهات المخيال الجمعي، ولعل قولها: ((كل شيءٍ بالجملة. الأحزاب والطوائف والتفخيخات وأفراد حراسة المسؤولين. سرقات بالمليارات لا بالملايين. وحتى الدكتاتور صار دكاترة بالجملة. وهي لا تعرف أي ملة تتبع ومن هو دكتاتور طائفتها. من يحميها ومن ينهبها. من يغضّ بصره أمامها ويحترم شيباتها ومن ينظر إليها بعين صلفة ويُطالبها بأن تغطي شعرها. […] تتطلّع إلى الروزنامة في المطبخ وتهمّ بأن تشطب منها خمسين سنة. تحدثها نفسها بأن تنزل إلى الشوارع وتمزّق الثياب التنكرية والأقنعة التي يرتديها الهمج لكي يعودوا إلى وجوههم الأصلية.. ما هكذا نزلوا من الأرحام.. ما هكذا))
وبهذا تكون عملية الكتابة هنا لا تعني التدوين، وإنما هي شهادة على ذلك الواقع الذي يحمل دلالة الفعل الماضي المستمر؛ ولذلك فالقاصة عند ممارسة فعل الكتابة مارست محوا للمرتكزات لتبين ما آلت إليه الأمور وعملية الاسترجاع تشير إلى أن الانقلاب على الأنساق غدا فعلا ثابتا ومترسخا. ومحاولة (الشطب) الذي همّت به البطلة، لم يكن إلا لأجل نسيان الفادح من الخسارات التي مُنيت بها فيما مضى من عمرها، ومثل هذا الشطب لم يتحقّق، بل أدّى أثره العكسي، في تهييج نقمتها على الواقع الذي تعيشه، فيعزّز قدرتها على محاربة كل ما يخرج عن سياق التذكّر الإيجابي الذي احتفلت به في غربتها. ويرفع مناسيب صمودها ضدّ التيار الطارئ الذي أودى بها إلى هذا الشتات. وهذا ما يُثبت قدرة الكاتبة بتوظيف الذاكرة في السياق العام الذي يتّجه إليه الفعل الأدبي بالتزامه الخطّ الإنساني المعبّر عن أصالة القيم الإنسانية، واندحار كل ما يشوّه مضامينها الباقية ما بقي الإنسان.

هوامش :

[1] ينظر: الذاكرة التاريخ النسيان، بول ريكور: 27 .

[2] كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم: 610 .

[3] موسوعة لالاند الفلسفية: 2/ 783 .

[4] الذاكرة والمتخيل – نظرية التأويل عند غاستون باشلار، د. أحمد عويز: 15 .

[5] م.ن. 15 .

[6] م.ن: 15 .

[7] الذاكرة التاريخ النسيان: 602 .

[8] استعمالات الذاكرة: 11 .

[9] الأمل والذاكرة، تزفيتان تودوروف: 177 .

[10] المصدر نفسه: 177 .

[11] ينظر: تفسير الطبري: 18/ 383 .

[12] الاعتبار، مجد الدين أسامة بن مرشد الشيزري: 36 .

[13] ينظر: الذاكرة والمتخيل: 16 .

[14] طشاري: 17 .

[15] طشاري: 9 .

[16] الرد بالكتابة – النظرية والتطبيق في آداب المستعمرات القديمة: 56 .

[17] طشاري: 12 .

[18] انعام كجه جي: الغرب دمر وطني، موقع العرب

[19] استعمالات الذاكرة، نادر كاظم: 38

[20] طشاري: 18 – 19 .

[21] الجماعات المتخيلة، بندكت اندرسون، 28 .

[22] ينظر: الالتفات إلى ألم الآخرين، سوزان سونتاغ: 108 .

[23] طشاري: 19 .

[24] ينظر: الوجود والزمان والسرد – فلسفة بول ريكور: 54 .

[25] بول ريكور – الهوية والسرد، حاتم الورفلي، التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2009م: 78 .

[26] طشاري: 23 – 24 .

[27] السرد والاعتراف والهوية، د. عبد الله إبراهيم: 174 .

[28] السيرة الذاتية والميثاق الأدبي، فيليب لوجون: 37 .

[29] ينظر: الطفل في حنة محمد الباردي، حورية لنقر: 22 .

[30] في حوار مع ناجح المعموري: 85.

[31] طشاري: 17 – 18 .

[32] السرد والاعتراف والهوية، د. عبد الله إبراهيم: 13 .

[33] طشاري:  45 .

[34] استعمالات الذاكرة في مجتمع مبتلى بالتاريخ: 57 .

[35] طشاري: 22 – 23 .

[36] طشاري: 250 .

 

شاهد أيضاً

الكُتل التجريديّة في ديوان الشاعرة التونسيّة “هندة السميراني” (أنّاتُ ذاتٍ في يمّ الشتات)
بقلم: كريم عبدالله – 22/11/2020 – العراق .

ما هي القصيدة السرديّة التعبيريّة , ماذا نعني بالسرد , وماذا نعني بالتعبيريّة , ولماذا …

مهند الخيكاني: بين الرواية والفيلم: تحولات الخفّة وهروب الكائن الثقيل

يصدق القول على مثل هذا الفيلم ، والمقصود هنا فيلم “كائن لا تحتمل خفته ” …

النسق المهجري والشعور بالغربة في رواية رياح القدر للكاتب مولود بن زادي
بقلم: الناقد أبو يونس معروفي عمر الطيب

لاشك أنّ قارئ رواية (رياح القدر) للكاتب الجزائري البريطاني مولود بن زادي سيلامس من خلال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *