الرئيسية » فكر » جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(13) رجاء.. من غَيّرك؟

جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(13) رجاء.. من غَيّرك؟

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيم وأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

(13)

رجاء.. من غَيّرك؟

وأنت تتمشى مع صديقك في شوارع باريس – التي لم تزرها – أو على ضفاف السين، قد تلتقيان أحدا من أولئك الذين شكّلوا شطرا مهماً من قراءاتنا الحداثوية، بارت ، ديريدا ، جاك لاكان ، جوليا كرستيفا وجماعة “تل كل” كلهم ، ربما ستشعران بحرارة تظاهرات الطلاب عام 1968 وقد يشمّ أحدكما -على الأقل- رائحة التلمود وليس جائزة نوبل من قبر القس الروماني كونتستين جورجيو مؤلف الساعة الخامسة والعشرون، كل أمر متوقع ، هذا ما أراه ،وقد تغوص – أنت- أبعد وأعمق مع صفاء روحك ونقاوتها فترى المستشرق الفرنسي الشهير آرنست رينان في إحدى قاعات السوربون وهو يصف السيد جمال الدين الأفغاني قائلا
( قلما استطاع أحد أن يؤثر في نفسي مثلما أثر هو، ومحاورتي وإياه هي التي دعتني إلى أن اجعل عنوان محاضرتي في السوربون” صلة الروح العلمية بالإسلام”)
واضح لديك إن القس جورجيو وظف إبداعه لتلك الرواية الرائعة لأرضاء آيدلوجيا المحرقة اليهودية إنجذابا للمال، لكن ما الذي شدَّ رينان لجمال الدين وفي تلك الأيام حيث ما يحدث عادة والى الآن هو العكس، أي أن ينجذب الشرقي لما هو آت من الغرب؟
لكنك وصاحبك تتركان هذا وتستمعان – الآن – من ركاب القطار القادم من لندن تحت مياه المانش ، الى تأثير عبدالعظيم صديقي الهندي في آراء برناردشو عبر مناظراته معه وكيف غيّر العديد من قناعاته..
ثمة قائمة لا تطول لكنها مهمة على قصرها بنوعيتها الفذة لأولئك الشرقيين العظام ثقافيا والذين على الرغم من التفوق الحضاري للغرب كانوا هم من تفوق على رموزه.
والسؤال الذي يواجهني كمثقف : كيف تسنى لهؤلاء أن يمارسوا الأستذة ويأخذوا الصدارة الثقافية على تلك الأسماء الأوربية الشهيرة وبقيت أنا وأمثالي الكُثر من مثقفين ومبدعين ذيولا تلهث وراء أساتذتها ؟
ألا يؤشر هذا خللا في بنيتنا الثقافية وبيئتها ؟ وإننا ضحايا لخطأ ما، ربما في مناهجنا التعليمية؟ في تدريسنا الجامعي؟ في سياستنا الثقافية ككل، إن وجدت؟!
– قد يقال إن ما حدث ويحدث بالاتجاه المضاد أكثر بكثير مما ذكرت والكثرة دليل على نجاح البناء الثقافي للآخر وآلياته .
هذا صحيح – قلت لصديقي- لكن تلك الآليات ملائمة لمن كانت جذوره هناك ،أو، كان متجذٍّرا هنا، أما أن تذهب بلا جذور ولا ثوابت ولا قبليات أو متعالي كانتي وفقا لعمانوئيل كنت، فالنتيجة أن تلهث وتلهث حتى تتقيأ أو تكون في قفص واحد مع الخليفة سيء الذكر، تقول ما قالوا لك كما تقول الببغا!
– كل ما ذكرته من أمثلة يمكن تفسيره ( الكلام لصديقي) لكن كيف استطاع رجل لم يدخل المدارس التي وُفرت لنا ، أن يقلبَ وعن بعد فكرَ مُفكر وفيلسوف ماركسي عملاق هو روجيه غارودي ويحوله من ” واقعية بلا ضفاف” إلى رحاب إنسانية أوسع حتى إنه ، ولشدة انجذابه ، حج إليه ، إلى العراق ، فاضطربت السلطة آنذاك وأنكرت وجود عراقي اسمه محمد باقر الصدر !
– في مثالك هذا ،سيقال( قلتها ضاحكا) إنك ضيق الأفق وتدعو لفكر بعينه!
هزّ رأسه نافيا بانزعاج – لا، لا أبدا ، أنا أشير إلى واقعة/ ظاهرة ثقافية وأحاول فهمها، ولو سألنا غارودي وبالاسم الجديد الذي أحبه:رجاء من غيّرك؟
(مجرد سؤال بريء بانتظار أن نغيّر بناءنا المعرفي ،وحينها سيتغير العالم كلّه من حولنا..)
ماذا سيكون جواب غارودي؟ نقاء الروح ،قوة الثقافة ،أصالة المعرفة، سعة الأفق، قراءة الذات جيدا والانفتاح على والآخر،الوعي الخلاق ،التسامح ،حرية الفكر..
هل أجبت بدلا عنه بما ينبغي ؟ ربما، لكن أنا أسألكم أنتم، سادتي وأساتذتي : من أين لكم كل هذا ، جمال الدين، شريعتي ، مالك بن نبي، إقبال ، الصدر؟ من أين لأرواحكم كل هذا السحر والجلال؟
وأنى لخيول هذا الشرق/ العراق أن تترك نواعيرها ومانعات الرؤية والرؤيا عن أعينها وتنطلق مغيرة إلى فضاء المعرفة الأرحب ؟
أنى ؟ ومتى؟ وكيف ؟ ولماذا لا … لماذا يا أحبتي؟!
=====

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *