الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار: رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء السابع والاربعون)

الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار: رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء السابع والاربعون)

الجزء السابع والاربعون
مروة مجهشة : لقد مات والدي وقطعت الخط ، فأخبرت خالد والدموع تتصبب من عيونها وراحت تُعاود الإتصال عليها لكنها لم تجب ورد عليها منذر باكياً : فأخبرها بأن الخبر صحيح وبينما كنا جالسين على شط العرب إتصلت والدتها فاطمة وأخبرتها بأن والدها قد توفى وكل أخوتها قربه الآن .
سُبُل باكية : إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم ولا نقول إلا ما يرضي الله ، أرجوك يا منذر إنتبه الى مروة وأين انتما الآن ؟
منذر : مروة في حدقات عيوني نحن في طريقنا الى المنزل ، فأغلقت الخط وقالت وهي باكية وقالت لخالد تعال معي الى بيت مروة بعد أن أخبر الأهل .
خالد متأثراً لأجلها : إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم ، حاضر دكتورة فهذا واجب ، أخرجي الآن لأغلق باب العيادة واستأجر سيارة بسرعة تقلكم الى هناك ، وصلت السيارة التي تقل مروة واسرع منذر ليأخذ بيدها قائلا هيا حبيبتي كوني مؤمنة قوية وعندما وصلت باب منزلها المفتوح على مصراعيه وأصوات البكاء متعالية قالت له وهي باكية وبحدة بعد ان سحبت يدها من يده بقوة : لا تقل حبيبتي بعد اليوم أنت رجل مخادع لم تقف بجانبي ولا مرة أحتجتك معي هنا في بيتي لتعينني ، لقد تمنى والدي أن يراني بالثوب الأبيض ، واليوم لا أحتاج الى هذا الثوب ثم سحبت الخاتم من أصبعها ورمته عليه بقوة فسقط على الأرض ودخلت ، فإنحنى مصعوقاً لكلامها ورفع الخاتم ووضعه في جيبه ، وفي هذه الأثناء وصل خالد مع سُبُل وعائلتها ، ثم إنضم الى العائلة يبكي ولا يعرف هل يبكي على المتوفي أم يبكي على نفسه وحظه العاثر الذي يتأثر بالمد والجزر والأنواء الجوية ، رمت خاتمها بوجهه وأنهت علاقتها به ووأدت الصلح وهو في مهد ولادته .
دخلت مروة مسرعة الى منزلها ولم ترَ والدها ولكم كانت تخاف من هذه اللحظة القاسية لكنها أتت دونما موعد فجنّ جنوها مجهشة بالبكاء ولم تره بعد اليوم وكل قريباتها مجتمعات يشاركنها العزاء والدتها واختها وزوجات اخويها وبناتهم واولادهم واقرباؤهم وجيرانهم وكل محبيهم ، حيث والدها في الطب العدلي الآن ومعه أولاده وراحت توجه السؤال لوالدتها : لقد تركته بحالة مستقرة يا أمي يا ليتني لم أخرج يا ليتني لم أخرج .
فاطمة باكية : نعم كان في وضع مستقر واستقبل نائل وفرح لزيارته ، ولكن بعد نصف ساعة سمعته يصرخ ويناديني ثم اتصل بسراج الدين لتحضير الإسعاف ، ولم أعرف ماذا حصل له كل شيء حدث بسرعة البرق حتى نقله الى المستشفى .
مروة بغضب : لا يأتي من نائل إلا الشر أكيد كان وراءه سبباً .
إكرام غاضبة معترضة : لا يجوز يا مروة الاساءة لأخيك امام الغرباء فهذا تصرف أهوج وغير مسؤول .
مروة غاضبة : اذا كان في المنزل غريب فهو أنت ، ومن الأفضل لك أن تكرمينا بسكوتك ، وإلا أسمعتك ما لا يعجب سمعك .
سُبُل تهدأ مروة : أرجوك حبيبتي أهدأي … أهدأي لا ينفع اللوم اليوم .
زكية باكية وهي تحمل ولدها : أرجوك انستي لا تفقدي اعصابك فوالدتك وأنا بحاجتك والله الخطب جلل على قلوبنا ولكن ماذا عسانا ان نفعل هذا أمر الله.
فاطمة : بُنيتي … هدئي أعصابك .
مروة أرتمت في احضانها باكية : لقد تركته بخير يا امي تركته بخير .
فاطمة : نعم صحيح … هذه مشيئة الله … قولي انا لله وإنا إليه راجعون … سيُحضرونه هنا لتوديعه الوداع الأخير ولا تنسي وصاياه … كوني قوية .
أسيل باكية : كم كنت حنوناً يا والدي تسأل عني وأنت بأمس الحاجة للسؤال ، أعذرني على تقصيري تجاهك كانت مشاغلي تنهي يومي وتربط اوله بأخره .
أيار باكية : جدي إنسان رائع يا عمتي ومثواه الجنة ان شاء الله .
أميمة باكية : نعم لقد خسرناه وهذه هي الحياة شجرة تنمو وأخرى تموت .
وكان منذر وخالد وشامخ وانسابه واحفاده و(عمّاله) وكل محبيه وجمهرة من الجيران عند باب المنزل عندما جاؤا بجنازة والد سراج الدين أدخلوه المنزل محملولاً على الأكتاف وقد تعالت الأصوات بالنحيب الذي شق عنان السماء مودعينه الوداع الأخير ، دقائق ثم اخرجوه ليواصلوا السير به الى مثواه الأخير ( فإكرام الميت دفنه ) ، كان لوفاته وقع كبير على قلوب كل أحبته وان كان رجلاً كبيراً بلغ التسعين من العمر ، فإحسانه للناس لا يُمحى أبداً الكل يذكر خصاله الحميدة وصفاته النبيلة ، ولا تكاد زكية تنفك عن البكاء لفقده وللقادم الذي ينتظرها وعائلتها وقد انقشعت خيمتها التي كانت تستظل بها .
كان يوماً مظلماً مآساوياً بإمتياز وكأن الكل يقف على أعصابه لا على قدميه والكل ينظر الى إكرام نظرة إزدراء وهي تبادلهم النظرة أيضاً ولكن المجاملات مطلوبة في مثل هذه المناسبات على الأقل أمام الناس في المأتم والكل يعرف ما تمتلكه من دهاء ، أما دور طيبة فهي الأخرى تتصرف بغباء في نقل الحديث بين العائلة بقصد او دون قصد هذه اسوء صفاتها التي تجعل أيار تشتبك معها في الحديث بأنتقاد لاذع ، أما سُبُل فقد بقيت معها طوال أيام المأتم وأطلعت على الكثير من التفاصيل التي لم تكن تعرفها عن عائلة مروة عن طريق زكية التي راحت تكلمها كلما سنحت لها الفرصة عن سوء تصرف نائل وزوجته معها ، لاحظت سُبُل بأن مروة وعلى الرغم من قوة العلاقة التي تربطها بها لم تحدثها بسوء قط عن أخوتها بل بالعكس كانت تصور لها العائلة وكأنها الملائكة المنزهه من الأخطاء ، ومن المثير للإنتباه وعلى الرغم من وجود سُبُل في مأتم إلا أن كل مـَن تعرف بأنها طبيبة تعرض حالتها عليها ، وتبدأ سُبُل بتأدية الواجب في الفحص بحسب معلوماتها ، ولكن أنظارها مصوبه الى مروة،وبينما هي تتحدث معها رنّ هاتف سُبُل فلمحته ولم ترد عليه، فسألتها مروة لماذا لم ترد على المتصل فأجابتها بطريقة المسرح إذ حنت رأسها : انه العظيم آزر يا مولاتي،لا تكترثي له هو في واد ونحن في واد أخر،هو يعرف بأني هنا معك في المأتم،ويلح عليّ ويقول لي لنخرج نتناول العشاء،هل رأيتِ مثله في الأفلام فإرتسمت على محيا مروة بسمة اخفتها بيدها دون ان تُعلق .
مرّ إسبوع وسبأ لم تجد أيار على النت فإزداد قلقها وأخبرت والدها بذلك وهو يشعر بها فأشار عليها بأن تتصل بها وتسمع صوتها .
سبأ قلقة متنهدة : كيف يا والدي أونسيت ؟!
يمان مبتسماً : لا لم أنسَ ، اتصلي بها دون ان تعرف صوتك أو رقمك .
سبأ مستغربة : أرجوك يا والدي لا تلهو بعواطفي وكأني طفلة تقنعها بدمية قاطونية .
يمان ضاحكاً : يا بُنيتي أنت في لندن فضلاً عن انك تعملين في المجال الإلكتروني ، فكيف لا تعرفين بالبرنامج الذي يُغير الصوت وهناك برنامج أخر لا يظهر رقم هاتفك وعندما سمعته تشبثت به وهي فرحة .
سبأ فرحة : هل صحيح يا والدي ؟أو انها محض نكته،أرجوك أصدقني القول .
يمان : أكيد صحيح وتعالي معي نذهب الى ابن عمك نور الدين وهو الذي سُيفعّل هذه البرامج في هاتفك كما فعّلها في هاتفي .
سبأ : يا إلهي هل فُعّلت في هاتفك … ارجوك لنجرب لنجرب …. سأخرج الى الحديقة وأتصل بي ، وراحت تهرول واغلقت الباب خلفها ، وعندما خرجت اتصل بها وردت سبأ على اتصال والدها ولكنها لم تسمع صوته : ما هذا ؟ صوت امرأة ، من أنت ؟
يمان ضاحكاً : أنا والدك يا ماري .
سبأ ضاحكة : يا للروعة ولكن أين صوتك الجهوري .
يمان : اختطفته الساحرة .
سبأ ضاحكة : ارجوك يا والدي … مثّل على والدتي دور المعجبة ، ثم أغلقت الخط ودخلت وارتمت في أحضان والدها : اشكرك اشكرك وكأن الامر ضرب من الخيال ، لم يظهر رقم المتصل ، ولكن لماذا هذا الصوت بالذات ؟!
يمان : هنا عدد من الأصوات وما عليك الا اختيار الصوت الذي تريدين .
سبأ : سبحان الله كل يوم نزداد معلومات في الغربة .
الام وهي تحمل القهوة بالحليب : أرى السعادة تملأ الوجوه … بشروني .
سبأ ضاحكة : يا أمي … هناك معجبة بوالدي … تتكلم معه .
الام مبتسمة : ماذا ؟! معجبة … عربية أم إنكليزية ؟؟؟ صحيح أم مزحة .
سبأ : انكليزية طبعاً .
الام مبتسمة : اذا كانت انكليزية أقبل لأن قانونهم لا يسمح بزوجتين .
يمان ضاحكاً : إذن تمام لأنك أول مرة تتفقين مع رأيي ولا ترفضين .
اسبوع كامل والمنزل ممتلء بالأهل لمواساة مروة ووالدتها أخوتها وعوائلهم واختها اسيل أم ألق وأولادها وأحفادها الذين عاثوا في المنزل خراباً ، وقد هدأت حدة المشاحنات بين إكرام ومروة وبين أيار وطيبة لوقوف الاخيرة بالرأي مع إكرام ، وسُبُل لم تفارق مروة ولا لحظة واحدة وكأنها أحد أفراد العائلة ، وقد تعرفت كثيراً وعن كثب عن الكثير من التفاصيل التي لم تكن مروة تبح بها ولاسيما العلاقة الباردة مع إكرام ، ولكن أكثر ما أثار انتباهها إن مروة بعمر بعض ابناء اخوتها كألق وقتيبة ، وأختها الجدة البسيطة المتواضعة التعليم الى حد السذاجة ، وأخيها نائل المهذب الناعم الاسلوب الذي يريد ابتلاع الجميع خدمة لزوجته اكرام وهكذا ، وعائلة سراج الدين التي تحبها ، وزكية التي تنظر الى فمها لتقدم لها الخدمة والدعم وأختها ام عابد ، هذا فضلاً عن انها تعرفت على زميلاتها في الكلية وزيارتهن المتكررة لها ، وقد وصل اليوم الأخير لإجازتها ، وستُباشر دوامها في المستشفى في الغد ، وفي نفسها رغبة بالبقاء والمواصلة ومسح لمحة الحزن المرسومة على محيا صديقتها ، ولكن هذه هي الحياة تقتضي على الجميع المواصلة دونما توقف ولا حتى بقدر أنملة ، وبعد إن إنصرف الجميع عصراً وآوت فاطمة الى فراشها متعبة مرهقة ، بقيت مروة جالسة في الصالة وسُبُل التي ستنصرف اليوم ، فقالت لها : كم أتمنى لو تبقين معي دائماً ، ولكن لابد من إنصرافك لعائلتك وعملك ، لقد أتعبتك معي طوال هذه الايام .
سُبُل مبتسمة وهي تشدُّ على يدها : ألم أقل لك سلفاً بأن لا تقولي لي شكراً ، لأنك تُشعريني وكأني غريبة عنك ، لم أفعل سوى الواجب ، صدقيني وأنا أيضاً أتمنى البقاء معك مدة أطول ولكن هذه هي حياتنا عجلة تتقدم لابد أن تباشري دوامك انت ايضاً .
مروة متنهدة : نعم أذهبي ستجدين آزر بإنتظارك أو قد يكون زعلاً عليك .
سُبُل مبتسمة : لا تكترثي … الامر هيّن سأجده بإنتظاري وقد مدّ لي يده .
مروة مستغربة : لماذا ؟ّ!
سُبُل مبتسمة : طبعاً … لأقبّلها … حتى يرضى عني … وهل تظنين بأن كل الرجال رائعون متواضعون كزوجك منذر … أنا أعيش دوامة مع هذا الرجل التحفة الاثرية.
مروة متنهدة : قالتها بتأمل منذر ، وأسرت الباقي في نفسها الى ان يحين أجله .
سُبُل مبتسمة : نعم … قوليها براحة نفس ولا تسريها في صدرك .
مروة : اهتمي بخطيبك الآن لست بحال هذا الكلام .
سُبُل مبتسمة : حسناً … سأهتم بأمر خطيبي لقد أختنقت من شخصيته المتكلفة ، ولن أسمح لنفسي بالاستمرار بالاختناق وقد كذب علي وقال بأنه مطلق .
مروة مستغربة : ماذا ؟ زوجته ما زالت على ذمته ، لقد تمنيتي أن يتقدم لك كفاءة مثله ، والحق يقال فهو شخص جذاب يشار له بالبنان .
سُبُل متنهدة : نعم كفاءة وجذاب ومتمكن مادياً وسيارته أخر موديل وبيته الذي خصصه لي كالقصر ، ولكني لا أحتمل أكثر والحمد لله لم يطلق زوجته .
مروة : ما هو قرارك .
سُبُل : سأنهي الأمر بيننا غداً ان شاء الله فطوال هذه المدة لم أتحمله .
مروة قلبت شفتيها : بل قولي بأن بالك في مكان أخر .
سُبُل مبتسمة : يا ليت قالتها مطولاً ، ولكنه أغبى الأغبياء لا يتكلم ، يعتقد بأني أعلى منه شأناً ، ولكن أطلبي من منذر أن يتحدث معه .
مروة : حسنا … فكرة جيدة …. ولكن عندما يحين أجلها .
كان مُعاذ يعدُّ العدة للسفر الى دبي مع الفرقة الموسيقية التي ذاع صيتها ولكنه تأخر بسبب المأتم ، يسعى دائماً الى الإستقلالية وتطوير ذاته الموسيقية الى أبعد الحدود ، حالماً في النجومية والشهرة وقد سنحت له الفرصة الآن على طبق من ذهب ، بعرض جاء من دبي ، ولم يكن أمر سفره هذا مفرحاً بل زاد العائلة إكتئاباً ولاسيما والدته التي كانت ترفض اختصاصه من البداية ، فكيف اليوم وقد اخذته الموهبة الى خارج الديار لرحلة طويلة لا يعرف مداها ، وأسبوع أخر تقضيه أيار تارة لتخفف ألم الفراق عن والدتها وأخرى تذهب الى بيت عمتها مروة ، وكل وسائل إتصالها الالكتروني مغلقة ، وحتى فكرة يمان في تغيير الصوت لم تجدِ نفعاً لأن النقال مغلقاً ، فبقيت كالمدمنه التي تحتضن النقال والحاسوب وكل لحظة تطل على الفيس بوك الواتس اب الفايبر … الخ ، عسى ولعلّ ان تجده قد افتتح ، لمجرد ان التاريخ يتغيّر في هذه البرامج يجعلها تتنفس الصعداء ، ولكن دون جدوى دخلت سبأ في دهليز القلق المظلم وقد طواها الإكتئاب ، وعلى الرغم من برودة الجو تخرج كل ليلة لدقائق تجلس على الأريكة في حديقة منزلهم تحاكي السماء وترفع أكف الضراعة لله تعالى بأن يطمئن قلبها على أيار ولو بمجرد ترى كلمة (متصل) في برنامج الفايبر ، او أي برنامج أخر ، ووالداها ينظران إليها من النافذة ولكن لا يستطيعان تركها وهما يعيشان معها الأحداث ، فيخرجا ليجلسا قربا برهة ثم يطلبا منها الدخول .
الأم معترضة : الى متى هذا الجنون يا سبأ ؟؟؟ والله لا أحد يصدق ما تفعلينه بنفسك وبنا نحن … وكأنك عاشقة ، ولو كانت أيار رجلاً لعذرتك .
سبأ مبتسمة بإعتراض : أدخلي يا أمي لئلا تبردي … فأنا أحب هذا الجو .
الأب مبتسماً : يا أم أطوار الصداقة رباطاً روحياً مقدس بين القلوب الطاهرة وحباً في الله لا ينته بإنتهاء المسافات ولا حتى بإنتهاء النفس البشرية ، نعم إن التجاذب الروحي بين الأصدقاء نوع من أنواع العشق ، فلا تستغربي البته .
الأم منزعجة : والله … يا رجل … أنت الذي توقد النار فيها كلما بردت .
سبأ : أتعرفين يا أمي أن الله تعالى وضع أيار في دمي وكأنها تعيش داخل جسدي كروحي هذه التي تتعامل معك الآن ، على الرغم من هروبي من حياتها.
الأب مبتسما : وأزيدك علماً بأن الصداقة الروحية الصادقة المتآخية في الله أقوى من علاقات الزواج المقدسة ، لأن الثانية وأن توثقت لسنوات وكبرت الاسرة ، سرعان ما تنتهي لأتفه الاسباب بالطلاق والفراق ، أما الصداقة فهي بحر مترامي الاطراف لا ينتهي ولا يموت أبداً .
أخبرت أم سالم زكية بأنها سراج الدين تشاجر مع أخيه نائل ولا تعرف سبب ضعف علاقتهما ولكنها سمعت ايضا ان الاخير يريد طرد شامخ وزجته من المنزل بحجة عدم جواز وجوده في المنزل بعد وفاة والده ، وعندما سمعت زكية بذلك ضاقت الأرض بها بما رحبت فهذا هو اليوم الذي كانت تخشاه فكيف بها اليوم وقد رُزقت بثلاثة أولاد وعمل والدهم لا يكفي للإيجار فأسرعت وأخبرت زوجها بذلك لُيهيء نفسه للحياة الجديدة ويبحث عن عمل جديد أو بيت ، لا يعرف ماذا يفعل وهو مقطوع من شجرة لا أحد له .
شامخ منزعجاً : الى أين سنذهب ومعنا ثلاثة أطفال؟ لقد عجزت عن التفكير .
زكية مترقرقة العينين : سأخبر الأنسة مروة .
شامخ : وماذا ستفعل لنا ، هي الأخرى في أزمة ، كل أملاك والدها للوارثين حتى هذا المنزل والمعمل .
زكية : ان مروة طيبة ولن تفرط فينا سنعيش معها نخدمها ، فلديها عمل يمكن ان يجعلها واقفة على قدميها .
شامخ : يعني ستستأجر بيتاً صغيراً براتبها وتنفق على خمسة افراد كخدم ، ثم ان الامر ليس بيدها ، بل بيد زوجها .
زكية : في كل الأحوال سأطلع مروة بذلك ولنرى ما هو رأيها بكلام نائل .
شامخ : إن نائل رجل وصولي حسود بغيض لا يحب الخير لأحد ، قبل أيام وبينما كنت جالساً في الحديقة أهدهد ولدنا الصغير محمود أحاول اسكاته ، وعبد الرحمن وعبد الملك يتمسكان به يتضاحكان معه ، دخل عليّ نائل متسيداً وكأنه يريد إلتهامي فسألني بهزء لمن هذه الروضة وأشار بيده الى أطفالي بدهشة وإستغراب ، فقلت له هؤلاء أطفالي رزقني الله بهم تباعاً ، فقال لي بنظرة عدم رضا : أمر غريب ، للتو تزوجت متى ولدوا ومتى كبروا ، وثلاثة أولاد ، أتعرف بأني متزوج منذ عشر سنوات ولم أنجب سوى ولد صغير كولدك هذا وأشار الى عبد الملك ، ثم استطرد قائلا : ولي بنت ابتليت بالبدانة والمرض ولا أعرف ماذا افعل لها .
زكية بقلق : يا إلهي … أحفظ لنا أولادنا … حسبنا الله ونعم الوكيل .
عاودت أيار الى غرفتها من جديد وقبل أن تفتح نوافذ الإتصال الإلكترونية سحبت كرسيها وفتحت دفترها وأخذت قلمها من الدرج وراحت تتكلم مع مـَن لا زالت تسكن خيالها على صحراء الورق الأبيض الذي يُجسّد كل الأحاسيس بصدق وشفافية متناهية ، وراحت تكتب : –
صديقتي كم أفتقد سؤالك عني … لا زلت كما أنا لم أتغيير … شوق جارف ولهفة مجنونة … للقاءك … تقاسيم وجهك الجميل مرسومة على جدران حياتي … وصوتك السحري يسكن أسماعي … وبسمتك الملائكية تتراقص في حدقات عيوني لا أصدق … بأنك هجرتيني وجفوتيني …
دون سبب …
والذكريات الجميلة المنحوتة على أرشيف ذاكرتي كيف لي أن لا أعيشها ؟ وأتلذذ فيها كل يوم … كيف لي أن أنساك وقد أصبحت كظلي … أراك قبل أن أنام وبعد أن أستيقظ … وأكلمك كل حين وأشعر بأنك تسمعيني … ؟
يقولون بأن السنين كفيلة بالنسيان … تُبلد المشاعر وتُحجر الأحاسيس …
فمال مشاعري تجاهك … تتجدد وتتورد … وتدب الروح فيها كل يوم …؟
وأنا … لا زلت قابعة في مكاني … لم أتعيين … ولم أتزوج … ولم أتحرك خطوة واحدة جديدة … أتخبط في ذكرياتي خبط عشواء …
تغيّرت أمور كثيرة في بيتنا … رحل جدي … وتأثرنا عليه … على الرغم من عمره الذي ناهز التسعين … عمتي … تعيش في حالة اكتئاب غير معهودة
مُعاذ سافر الى دبي وأخذ الطرفة والنكتة معه … وسافرت روح امي معه …
والدي مكتئب … وعلاقته مع عمي … ساءت لا اعرف لماذا ؟
قتيبة منشغل في حياته الجديدة … زوجته المقرفة … وطفله الرائع …
وأنس مشغول في دراسته …
وحتى تسنيم مشغول باللعب مع أصدقائه الجدد عبد الرحمن وعبد الملك …
والمضحك حتى أم سالم ملّت حياتنا وأنضمت الى زكية … فيا لسخرية القدر بي يا سبأ … أشعر بالوحدة القاتلة … وأحتاجك بشدة كشوق الصائم للماء … وشوق الصحراء للمطر … وشوق العصافير للأغصان …
بقيت مروة في صومعة حدادها لم تتصل بمنذر لتعتذر له ولم يتصل هو ليعتذر لها لأنه لم يخطأ بحقها ولا قيد أنملة بحسب زعمه ، وقد أخبرت سُبُل بذلك مما دعا الأخيرة الى المبادرة والإتصال به والتحدث إليه دون ان تخبرها بذلك ، للحيلولة دون تفاقم الأزمة بينمها وايجاد الحلول الكفيلة لرأب الصدع .
سُبُل : حقيقة أنا أعرف مروة وكم تُحبك ولكن الظروف التي مرت بها كانت قاسية جداً وأنت تعلم عمق صلتها وتعلقها بوالدها .
منذر واجماً متنهداً : للأسف وبحسب المعطيات التي لمستها بأن مروة لم تحب إلا نفسها ، وحقيقة أشعر بالشلل التام والجهل المطبق بالطريقة التي يمكنني ان أتعامل بها ، وللأسف كل الظروف تقف بوجههي فيالسخرية القدر قبل أن نتصالح مات والدها ، فحملتني المسؤولية ورمت الخاتم بوجههي .
سُبُل متنهدة : نعم أعرف ذلك … ولا تهتم بأمر الخاتم فهي زوجتك شرعاً وقانوناً بموجب القران الشرعي والقانوني ، ومن واجبك الوقوف بجانبها وعدم التخلي عنها بمثل هذه الظروف العصيبة .
منذر مكتئباً : لقد بقيت في المأتم مع عائلتها ولا أحد يعرف بهذا الأمر غيرك ، وأنا لم أتخلى عنها يوماً ولا قيد أنملة ، ولكنها باتت عصبية متقلبة المزاج وهي تعرف بأني رهن إشارتها متى ما طلبت مني الوقوف معها ، ولكن أكره أن أسمع منها أي كلمة صدود أخرى ومن الأفضل أن أتركها حتى تهدأ .
سُبُل : والله يزعجني ويُقلقني وضعها النفسي المتأزم وأتمنى عليك أن تساعدها فليس بين الأحبة كرامة ، وقد عانت من فراقك كثيراً وسبحان الله قبل ان تفرح بك زارها الحزن ، لذلك تعاملت معك بهذا الإسلوب .
منذر يائساً : وماذا لو صدتني من جديد ؟؟ أرجوك إتركيها حتى تهدأ ، وتعرف وتقرر القرار الذي يناسبها بوضعها الجديد فقد أخبرتني بإنتفاء حاجتها لي ، ولن أفرض نفسي عليها والله لو كلفني ذلك حياتي .
سُبُل مُتنهدة : هداكما الله وأصلح بالكما ، ووالله لن يهدأ لي بال إلا وأراكما مع بعضكما ، وإن شاء الله أزمة عابرة .
بدأت مشاكل نائل جهاراً مع شامخ وطرده من منزل أبيه ، ومطالبته أخيه سراج الدين بتقسيم الورث ليتولى إدارة المعمل فهو القادر على ادارته بحسب زعمه ، وعلى الرغم من توتر العلاقة بينه وبين أخيه فله الحق في المطالبة في الورث هذا ما قاله له أخوه وهو يحاوره مشيحاً بوجهه : لا أستغرب … مطالبتك بتقسيم الأرث البته .
نائل مبتسماً : أليس هذا حق وأنت رجل قانون .
سراج الدين ساخراً : نعم من حقك … الإستعجال ، وقد استعجلت بموت أبيك فكيف لا تستعجل بتقسيم أمواله ! وضرب الأخرين عرض الحائط .
نائل منزعجاً : أقسمت لك بأني تكلمت بهدوء مع والدي .
سراج الدين قاطعه رافعاً يده : صه … لا تتفوه بأي قسم فأنك فاقد للمصداقية حتى ولو أقسمت على كل مقدسات الكون ، ليس لديّ وقت أريد الخروج للمكتب ، أوجز ما تريد قوله ، دون أي مقدمات .
نائل منزعجاً متنهداً : سأقبل كلامك اللاذع لأنك أخي الكبير والوحيد ، ولولا ظروفي المادية الصعبة لما طلبت منك الإسراع بتصفية الأملاك بيننا .
سراج الدين : لا تستغفل نفسك بقولك بيننا ، فهناك السيدة فاطمة والأختان أسيل ومروة وصية أبي لنا ، فحالك المادي جيد جداً فلا تتباكى اقلع عن هذه الصفة.
نائل : لا … لم ولن أنسى مروة … فأنا قررت أعطائها بيت والدي القديم الذي عاشت فيه والدتي رحمها الله لتسكن فيه هي ووالدتها وزوجها المعتوه منذر .
قتيبة مستغرباً معترضاً موجهاً كلامه لوالده : يا أبتي هذا إجحاف بحق عمتي ، فكيف تستطيعون فعل ذلك ، اتركوها تعيش في منزل والدها بسلام ولا تعرضوه للبيع .
نائل : يا قتيبة … هذا شرع الله … فلا تعترض عليه .
سراج الدين بهدوء : يا قتيبة … لا تُقحم نفسك وأترك الأمر ، فهناك وصية .
نائل مستغرباً منزعجاً : ماذا وصية ؟ أي وصية هذه … لم أسمع بها … ثم إني لا أعترف بأية وصية غير قانوية .
سراج بهدوء : إطمئن فهي قانونية وموثقة في المحكمة ، بعد اسبوعين من الآن بحسب وصية والدي سنقرأها بحضور كل الورثة .
تواصل سبأ كل حين تتبعها لأيار وجربت الإتصال برقمها أكثر من مرة بعد أن جربت الإتصال بوالدها وتأكدت من تغيير نبرة صوتها بحسب البرنامج ، ولكن دون جدوى اسبوعان من الألم والقلق ، فعلى الرغم من أعمالها مع مصرف البيبال الألكتروني إلا أن نقالها نصب عينها والسماعة اللاسلكية في أذنها ، وبينما هي تُدخل بعض البيانات الخاصة في عملها وثبت على هاتفها وجربت الإتصال ، فإذا بالنقال مفتوح ، إهتزت عروش مشاعرها وكادت أن تعانق النقال الذي يحوي رقمها ، وبذات الوقت إستغربت أيار من الإتصال لم يظهر رقم فراحت تحملق بالنقال الذي يتربع راحة كفها بإستغراب وهي تصعد على درجات السلم متوجهة الى غرفتها وهي تحدث نفسها إتصال بلا رقم الى أن أنتهى ، سمعتها طيبة وهي تنظر إليها بإهتمام لتتعرف سبب استغرابها قائلة : منّ على الهاتف ولماذا لم تردي ؟
أيار مبتسمة معترضة : تتحرقين شوقاً لتسارعي بنشر الخبر .
طيبة : لا ليس كذلك … أرجوك لا تعامليني بهذا الجفاء والريبة مجرد سؤال ؟! وبينما هي كذلك رنّ النقال من جديد فتوجهت أيار الى غرفتها وتوجهت طيبة خلفها بكل فضول ، فدخلت أيار الغرفة وأغلقت الباب وقالت لها معذرة عندي إتصال مهم وبعد أن أوصدت الباب فتحت الهاتف وقالت : نعم .
سبأ وقد إزدادت ضربات قلبها وكادت ان تقع من شدة الفرح وتركت أنفاسها تتكلم : أيار شكت وشعرت بأن المتصل سبأ فأختلطت مشاعر الفرح بالحزن : نعم ، ولكن سبأ راحت تسمع وتعيش لحظات الخيال التي لا يفهمها إلاّ من عاشها وجربها .
أيار متأثرة متنهدة : من الوقاحة القصوى أن نتعامل مع الأخرين بإسلوب الأقنعة الزائفة ومن الفجاجة بمكان مراقبة الأخرين كاللصوص من بعيد ، غير آبهين بلعنة الأوجاع التي نسببها لهم ، وغير آبهين بخيبة الأمل التي تركناها لهم ، وبينما هي تتكلم أمتلأت عيون سبأ بالدموع وتغيرت أنفاسها ، وأستشعرت أيار ذلك ، فواصلت كلامها متأثرة وقد بان في صوتها ، يا لسخرية القدر بالماء الفرات الذي بات أجاجاً ، الله هو الحقيقة الوحيدة في فوضى هذا الكون ، وعداه زيف ووهم وسراب ورغبة حقيرة جامحة بالإنتقام بدموع تماسيح لا تعرف الصدق أبداً ، ثم أغلقت الخط بوجهها عندما رأت صدرها أمتلأ بالغيظ وأمتلأت عيونها بغيوم مدلهمة من الدموع رمت النقال على سريرها وأجهشت بالبكاء ، وقد سمعت طيبة صوتها فحركها الفضول وهي تُدير مقبض الباب ولكنه مقفل ، الأمر الذي دعاها الى النزول مهرولة الى والدتها لتخبرها ببكاء ابنتها ، بصوت مسموع ، وحالما سمعت والدتها بذلك أسرعت وكأنها تريد أن تصعد السلم درجتين درجتين وليس بواحدة وحالما وصلت حركت مقبض الباب بقوة بقوة وهي تناديها بقلق : أيار … ابنتي ماذا دهاك ، وحالما سمعت والدتها نهضت ومسحت دموعها بكلتا يديها وهبت لتفتح الباب وهي مستغربة : ماذا .
الوالدة ومعها طيبة : ماذا دهاك ؟ لماذا تبكين .
أيار وأنظارها مصوبه الى طيبة : أخبرتك الأذاعة المتنقلة .
الوالدة : لها الحق قلقت عليك وعيناك متورمتان ماذا حدث بحق السماء ؟
طيبة : والله قلقت عليك ولكنك لا تُصدقين دائماً .
أيار متنهدة : لا شيء يا أمي … لقد أتصلت سبأ للتو وتأثرت قليلاً .
الأم مبتسمة : الحمدُ لله … لقد أرعبتيني … فجئتك سعياً وتركت الغسالة تعمل … وكيف حالها في بريطانيا ؟
أيار : بخير الحمدُ وقد اعتادت على حياتها الجديدة … لقد أغلقت الباب هروباً من الصحافة ولكنها ألتقطت الخبر بسرعة بحكم الخبرة والممارسة .
طيبة : سامحك الله … لأني أهتم لك تنعتيني بهذا النعت .
أيار : حسناً … أذهبوا الى أعمالكم … أشعر بالنعاس … فرجعت الى غرفتها وأغلقت الباب وراحت الى نقالها تراجع كلامها بحسب برنامج التسجيل الموجود فيه وهي تتلذذ في سماع أنفاسها ميقنة بلا شك بأنها سبأ ، التي غدت حالتها أشد وهي تتكلم مع والدها وهي الأخرى تراجع التسجيل وتنقل ما يحدث لوالدها ، الذي يلومها دائماً ويطلب منها أن تكسر جدار الصمت هذا وتخبرها بالحقيقة .
سبأ باكية : لقد أوثق لساني ولم أستطع التفوه بأي كلمة عندما سمعت صوتها .
يمان : ولكنها عرفتك وكل هذا الكلام موجه لك ، وإلا لماذا تتكلم بأسلوب اللغز الذي لا يفك شفرته سواك أنت مخطئة يا ماري فلا تستمري في هذا الخطأ .
وبعد أن سمعت أيار تسجيل الإتصال فتحت الفيس بوك فإنهالت عشرات الرسائل والصور من ماري وجلها تنطوي على السؤال والقلق ، فراحت أيار تقلبها والإبتسامة مرسومة على محياها كم جميل أن يشعر الفرد بأن مهم وان لغيابه وحشة ، وكم جميل قلق الغريب الذي لم يرك يحبك دون مآرب مادية أخرى ، علاقة ألكترونية ولدت هذا الفيض من المحبة التي تجعل الفرد يشعر بالراحة ، وبعد أن تنفست الصعداء وهي تقرأ الرسائل راحت تكتب مسرورة : آه ٍ أيتها الشخصية الألكترونية الغريبة الأطوار … كيف غدوت من ماء وطين … كيف دخلتي عوالمي اللامرئية المشفرة … وكيف جمعتي هذا الفيض من الكلمات المتلألئة كعقد الجمان … حقيقة ولأول مرة ينشرح صدري بكلماتك … الرقيقة .
أشكرك أشكرك يا ماري … فقد أصبحت بخير الآن … لا داعي للقلق .
ماري بعيون مترقرقة : الحمد لله على السلامة كدت أجن من القلق … كيف حالك وأحوالك … عساك بخير وصحة وعافية … عسى الأمر خيراً .
أيار مبتسمة : رجعنا … يا ماري للمصطلحات الرنانة …!
ماري وقد ارتسمت على محياها بسمة خفيفة وسط الدموع : لم أفهم ؟!
أيار مبتسمة : استخدمي كلمات بسيطة خالية من المبالغة .
ماري متنهدة : وهل بالغتي يا أيار بقولك الأنف وكيف جمعتي هذا الفيض من الكلمات المتلألئة كعقد الجمان .
أيار مبتسمة : أها … صحيح … لا لم أبالغ … ولكني وصفت كلماتك … وهي بالفعل جميلة وقد تسربت موغلة في كل مساماتي .
سبأ : ويا ليتها تنفذ الى سويداء قلبك .
أيار ضاحكة : اعلمي يا صديقتي الألكترونية ومع جل احترامي وتقديري لك ولكلماتك الجميلة الرقيقة ، بأن الحب لا يخضع أبداً لقانون العرض والطلب وإنما ينبع من التآلف والتوافق الروحي وليس المادي .
ماري باغتتها : ماذا تفعلين بصديقتك المهاجرة عندما تأتيك مشتاقة مبررة غيابها .
أيار متنهدة : سأنكفىء عليها كالموجة عندما أراها المهم أعرف سبب جفائها .
مروة وفاطمة تتحاوران مع شامخ وزكية وتطلب منهم عدم الإنصياع لأوامر نائل ولكن زكية بدت تخاف منه ومن تهديداته .
مروة : قلتُ لكم لا تخافا … فليس له أي سلطة عليكم .
فاطمة : لا تأبها لهذا البغيض الذي كان سبب بموت والده .
مروة متفاجئة : ماذا يا أمي هل تخبئين امرا ما ؟
فاطمة : لا … ولكني تشائمت منه ، لأن والدك كان بخير قبل ان يأتي أخاك ، وبعد مدة سمعت صياحه فوجدت والدك وقد فارق الحياة أمر لا يصدق .
مروة : الله أعلم بالسرائر يا أمي فوالدي كان يعاني القلب والجلطة .
فاطمة : المهم الآن لا تقلق يا شامخ فأنت كولدي واولادك أحبتي .
شامخ بيأس : يا سيدتي … والله أشعر بالضياع بعد وفات الوالد وفقدان السيطرة وأنت تعرفين بأني يتيم ومقطوع من شجرة وفتحت عيني عليه ، لقد خرجت البارحة أبحث عن بيت للإيجار ورجعتُ خائباً فما لدي لا يكفي لسد رمق هؤلاء الأطفال .
زكية باكية : لا تقل مقطوع من شجرة وأين ذهبت أنا .
مروة متنهدة : ألم أقل لكما لا تكترثا لأي كلام سواء من أخي نائل أو غيره .
شامخ : كيف يا سيدتي وإن الأملاك ستتوزع بعد أيام .
فاطمة : أطمأنا … لن نترككما أبداً … أين ما نكون ستكونون معنا .
زكية انحنت محاولة تقبيل يدها : حفظك الله لنا سنضيع إن لم تؤوينا .
فاطمة سحبت يدها بسرعة : ما هذا يا أم عبد الرحمن فأنت كأبنتي وعندما دخلتي بيتي كنت صغيرة وقد أحببناك ولم نفرط بك قيد أنملة .
شامخ متأثراً : لا يؤلمني سوى هؤلاء الأطفال المساكين ، وان السيد نائل أخبرنا بأن الوصية ستقرأ بعد أسبوع هذا يعني ان أمامي أسبوعاً .
مروة : لا تكرر الكلام يا أبا عبد الرحمن وأذهب الى عملك ولا ترد على أخي نائل بأي كلمة فليس له سلطان عليك أسمعت .
زكية متأثرة :قال شامخ للسيد نائل بأن عمله في الحديقة حتى إنه لا يدخل المطبخ.
فاطمة مبتسمة : أها .. المطبخ حضري لنا الغداء وسألعب مع أحبتي الصغار.
إعتادت أيار على التواصل اليومي مع سبأ لملأ الفراغ العاطفي الذي تعاني منه ، ولكن جل أسئلة سبأ عن الصداقة والصديق وصديقتها المهاجرة .
أيار : ما سر إهتمامك بصديقتي المهاجرة أراك تكثيرين من السؤال عنها ؟!
ماري : وما الضير في أسئلتي ؟؟
أيار : لا … للإستفسار … فقط … ليس إلاّ .
ماري : علاقتك بصديقتك المهاجرة كانت تجربة فيها دروس وعبِرأليس كذلك.
أيار : نعم بالضبط .
ماري : وأنا أودُّ الإفادة من هذه الدروس والعبر .
أيار قلبت شفتيها : أسئلتك مثيرة للريبة تجعلك غريبة الأطوار وكأنك تعرفيني علم اليقين وتتبعين أخباري وخطواتي وأثري .
ماري مبتسمة : الله … يا ليتني أحظى بلقائك … ولو للحظة في حلم .
أيار مبتسمة : ها … بدأنا … العبارات الرنانة .
ماري : أيقن تماماً بأن صديقتك عشقت روحك فأخذتها معها عندما هاجرت أتعرفين لماذا ؟؟؟ أخذتها .
أيار بعدم رضا : ولماذا ؟!
ماري : لتعيش بها في عالمها الجديد ، معتقدة بأنك ستتكيفين على غيابها وجفائها ولا تتألمين لفراقها،وإختارت أن تعيش ألم الفراق بمفردها،وهي تتوق تماماً لرؤيتك ولقائك كتوق الحمائم للشجر وتوق الصحراء المجدبة للمطر .
أيار بدهشة : ومن أين لك بهذه الإستنتاجات ؟ ومن أين لك بهذه العبارة الأخيرة.
ماري : من خلال معرفتي بك ومعرفتي بها من خلالك ، أما العبارة فهي من البديهيات وكل من يشتاق يشبه شوقه ولهفته وحاجته كالطيور التي تحتاج الى الوقوف والإستراحة من الطيران في مكان أمن فوق أغصان الأشجار بعيدا عن كل الأعين والباقي مفهوم ومن المسلمات به فبدون المطر لا حياة في الأرض.
أيار مبتسمة ممازحة : أذن أخبري صديقتي المهاجرة عن تداخلك في لحظات الوهم التي تعيشينها ، بأني سأتناسى كل الكون عندما أراها .
لم تترك سُبل صديقتها مروة تدور في دوامة الألم فدائما تحرك صمتها وتدفعها الى الامام قدماً والتكيف مع الجديد وإصلاح الاخطاء قدر الامكان ، وعلى الرغم من ضيق وقتها كطبيبة وانشغالها ، تقضي ما تبقى من وقتها مع مروة ، تتحدث إليها وتحثها على عبور أزمتها مع منذر لتكمل معه حياتها ، فضلاً عن حديثها مع منذر .
مروة متنهدة :ألا تريني في حداد وقد فقدت والدي أجّلي الحديث عن الاخرين.
سُبل : وأنا أيضاً فقدت والدي وأنا بأمس الحاجة إليه وواصلت الحياة .
مروة متنهدة : أرجوك لا تضغطي على أعصابي أحتاج الى المزيد من الوقت ، اهتمي بخطيبك الآن وأتركي أمر منذر لوقت اخر .
سُبل منزعجة معترضة : تقصدين أقف أمامك أتفرج فقط أليس كذلك ؟
مروة وقد ترقرقت عيونها وتحشرج الكلام في صدرها : أرجوك .
سُبُل وقد سالت دموعها مبتسمة وهي تشدُّ على يدها متنهدة : أنظري الى دموعي سالت قبل دموعك لمجرد ان رأيتها تترقق في عينيك ، فكيف أقف كالمتفرج يا مروة فهذا خارج طاقتي ، اسمك في قلبي اقترن مع اسم منذر فمستحيل ان ينفصل اسمه عن اسمك ولن اسمح أبداً بتدمير عشق دام سنوات وسنوات لن اسمح لك ثم ابتسمت وقالت : لم تسأليني عن قيادتي للسيارة .
مروة : ليس له الحق في عقابي لم أكن في وعيي عندما كلمته .
سُبُل مبتسمه : ولكنه بقي في بيتك مع ذويك طوال المآتم ، لقد أهنتيه وجرحتيه وطردتيه من حياتك يا مروة لقد أهنتيه ، فكيف يقدم لك العزاء ومن يضمن له بعدم توجيهك اهانه اخرى امام الناس ، لقد أخطأتي في حقه ولابد من الاعتذار ، لماذا تتجاهليي سيارتي الجديدة ؟
مروة مبتسمة : من َ يعتذر أنا ؟! لا أبداً فأنت بطلة والقيادة أمر لابد منه .
سُبُل : نعم انت من تعتذرين له … وأشكرك على الاطراء .
مروة : حتى انه لم يكلف نفسه في السؤال عني .
سُبُل مبتسمه : يا حبيبتي أنت تعرفين جيداً بأنه يعتبرك الوحيدة له في هذه الحياة ولكنك رميتي الخاتم على الارض وهذه أهانه لا تغتفر .
مروة بأسى : قلت لك لم أنتبه لأي تصرف تصرفته معه ، وعن أي خاتم تتكلمين وبيني وبينه عقد قران شرعي وقانوني فمن الإجحاف ان لا يقف معي في أزمتي هذه ، ولا يوجد في الحياة أزمة أقسى من الموت ، المفروض يقدر كارثتي بفقد والدي ، المفروض يؤازرني ويقف جنبي ويضمني الى أحضانه ليخفف من ألمي .
سُبُل مبتسمة : عبارتك رائعة فهل ستستقبليه اذا زارك ؟
مروة بإستغراب : انه زوجي يا سُبُل لماذا تتكملين بهذا الاسلوب ؟
سُبُل مبتسمة : أعذريني قد أتخبط في كلامي ولكني لا أشعر بالراحة إلاّ بعد أن أراكما مع بعضكما ، ولاحظي بأنك عدتي الى حياتك الطبيعية وعملك وعلاقاتك مع الآخرين وتردين على كل الاتصالات ونسيتي اصلاح أهم شيء في حياتك .
كانت سُبُل تتواصل مع منذر وتتحدث إليه هاتفياً وتحثه دائماً على التواصل وأخذ زمام المبادرة ، كما تحث مروة بالضبط وكان تواصلها معه مصدر سرور يجعله يسمع اخبار مروة ويطمأن عليها من خلالها ، وتنقل له عبارات مروة المهمة دون علمها بقصد إصلاح ذات البين بينهما ولتوضح الكثير من الاعتقادات الخاطئة المرسومة في مخيلته بسبب الموقف الاخير ، وتطمأنه بأن مروة تتوق لرؤياه وسماعه وتحتاج الى مؤازرته وتجاوزه ما قد سبق ، وعلى الرغم من حزنه العميق هذه المرة اقتنع بكلامها ووعدها بأنه سيزورها وينهي الامر .
سُبُل تهلل وجهها وكاد النقال يسقط من يدها من شدة الفرح :صحيح أقسم لي.
منذر مبتسماً : وهل سمعتي الكذب عني ؟
سُبُل : كلا ولكن ليطمأن قلبي .
منذر مبتسماً : أقسم لك ، وأرجوك بأن لا تخبريها بذلك .
سُبُل مبتسمة : لا لا بالطبع لا ، فاجِئها أفضل وأعد الابتسامة على محياها ، فهي تحتاج الى المواساة والمؤازرة ستفرح كثيرا عندما تراك ولا تتأثر والله تُحبك وتتمنى ان تراك ، أتعرف سأخبرك بعبارتها ولكن استحلفك بالله ان يبقى الحديث بيننا قالت لي أمس : ( قلت لك لم أنتبه لأي تصرف تصرفته معه ، المفروض يؤازرني ويقف جنبي ويضمني الى أحضانه ليخفف من ألمي ) .
منذر متأثراً : هي قالت لك ذلك هل أنت ِ متأكدة دكتورة بأنها قالت ذلك ومتى ؟!
سُبُل ضاحكاً : ليطمأن قلبك سأقسم لك والله وبالله وتالله قالت ذلك مساء الأمس .
سبأ تتمشى على احدى جوانب نهر التايمز الذي أحبته كثيراً الى درجة العشق الملائكي لأمواجه النقية التي تريح النفس وتهدأ الشوق ، تجلس الى جانب النهر لتتحدث إليه تجده يفهم اللغة الشفرية التي تعودتها مع سبأ ، وعلى الرغم من جمال الحياة هنا وتوسع قاعدة معارفها من العرب والاجانب في منطقتها وفي عملها في المصرف الالكتروني وفي مجال الترجمة ، تبقى تترنم دائماً بأسلوب الحياة التي نشأت فيها ، وتسترجع الذكريات التي تجعلها تتنفس الصعداء ، فأيار بالنسبة لها وكأنها جذور الأرض التي نمت فيها ، وكأنها البلاد التي تنتمي إليها ، فكلما ذكر اسم بلاد ما بين النهرين أمامها توسدت أيار ما بين هذين النهرين العظيمين دجلة والفرات ، ولكن الأمر الآن بالنسبة لسبأ أصبح أكثر تعقيداً من ذي قبل ، إذا كان جفاؤها بدأ بفكرة محاولة مساعدة أيار على نسيانها ، اليوم انتهى الأمر بأكذوبة ماري التي تتواصل معها ولا تعرف ماذا تفعل تشعر بأن الأمر تعقّد الى درجة الذروة وتوقف العقل عن التفكير ، وكأن حكايتها مع أيار خرجت من دور الواقعية الى دور التمثيلية ، وكيف يمكن لها أن تحل هذا اللغز وكيف ستخبر أيار بذلك ، وهل ستصفح عنها عندما تعرف ؟ كلها أسئلة تتزاحم بسرعة في رأسها فتارة تبتسم وتارة يرتسم على محياها الأسى بحسب حركة المنولوج مع الأمواج وبينما هي كذلك تنظر الى النهر والهواء العذب يداعب خصلات شعرها غارت في سرحتها الذهنية مع أيار مستذكرة كلامها القاسي الذي أقض مضجعها وأدخلها في دهاليز الحيرة والتساؤل ، ولاسيما قولها عبر الهاتف وكأنها فكت شفرة لغة ماري : من الوقاحة القصوى أن نتعامل مع الاخرين بإسلوب الأقنعة الزائفة ومن الفجاجة بمكان مراقبة الاخرين كاللصوص من بعيد ، غير آبهين بلعنة الأوجاع التي نسببها لهم ، وغير آبهين بخيبة الأمل التي تركناها لهم ، يا لسخرية القدر بالماء الفرات الذي بات أجاجاً ، الله هو الحقيقة الوحيدة في فوضى هذا الكون ، وعداه زيف ووهم ورغبة جامحة بالانتقام بدموع التماسيح لا تعرف الصدق أبداً ، ولعل هذه الكلمات التي تتردد على ذاكرتها من أقسى ما سمعت منها ، فتشعل نيران الألم في صدرها وتملأ المقل طوفان من الدموع ، ولكنها تشعر بالراحة عندما تتحدث مع نهر التايمز وكأنه يفهمها ويُعانقها مؤيداً ومواسياً .
تجلس مروة في الحديقة وقد أعترتها الكآبه وحولها أطفال زكية يلعبون في ألعابهم ، تتحدث في دخيلة نفسها : أشعر بأني فقدت كل شيء بموتك يا أبي لا أشعر بطعم الحياة أبداً ، ولا قيمة للأشياء حولي كلها أمامك فتات ووهم وسراب ، هل تعرف بأن أخي نائل يريد الإسراع في تقسيم أموالك ؟ ستقول هذا الشرع والقانون ، وأنا معك يا والدي كما ربيتني ، ولكنه يتطفل على حياتي ويريد أن ينصب نفسه الوصي ، لدرجة إنه طرد شامخ وعائلته من بيتي هذا الذي ولدت فيه ، والأكثر من ذلك يا والدي يريد إخراجي ووالدتي منه ، ويحرمني من ذكريات الطفولة التي عشقتها معك ، كم هو تفكير دوني وقاصر أن يفكر الأخ في ايذاء أخيه ، وعلى الرغم من كل ذلك لم أتفوه معه إلاّ بالخير كما علمتني وأمرتني لأنه أخي وقد أحتاجه يوماً ما وقد تدفعني الحياة الى طلب العون منه ، وسأتركه يتلذذ بأوهام التركة ولن أتجادل معه الى ان يأتي اليوم الذي تقرأ فيه الوصية من قبل أخي الرائع سراج الدين ، وهناك أختلاف شاسع ما بينهما كالاختلاف ما بين الأرض والسماء ، أو بالاحرى كالفرق ما بين الثرى والثريا ، ولعل هذا المثل ينطبق بالصميم على نائل لأنه انسان عديم الإحساس بالأخرين ويريد تجريد الكل من أموالهم وتسخيرها له ولزوجته ، ولو أمتلك مال قارون يشعر بالدونية وبالمسكنه مع الأسف يا والدي أخي الذي يحمل أسمك يوصف بهذا الوصف السيء ، ولعل ما خُفي من شخصيته السيئة كان أعظم ، وعلى الرغم من كل مساوئه وطباعه الفجة لم أنتقده ولن أنتقده أمام الأخرين ، وان سألني الأخرون عن أخوتي سأقول كما وعدتني وأمرتني ، بأن أخلاقهم راقية كأخلاق الأنبياء وعطفهم عليّ كأختهم الصغرى كعطف الأباء ، نعم أبي لم ولن أكون إلاّ كما ربيتني وعلمتني ولن أنتقدهم إلاّ مع نفسي في حديثي الروحي معك ، وبينما هي كذلك تفاجآت بمجيء أنــس وهو يحمل كتاب الإنكليزي وعندما رأته مسحت دموعها ورحبت به .
أنـس : لا تبك ِأرجوك فجدي طاعن في السن وقد تجاوز التسعين ورأى أولاد أحفاده .
مروة مبتسمة بإستغراب على كلامه الطفولي : ماذا قلت يا أنس … ! فجدك والدي … ألاّ تحب والدك أن أصبح طاعناً في السن … ورأى أحفاده .
أنـــس خجلاً مطأطأ رأسه : أنا … أقصد … أن لا تؤذي نفسك عمتي .
وفي اليوم التالي وبعد أن أنهت الدكتورة مروة محاضراتها وجدت عبد الحافظ واقفاً عند باب غرفتها ، وبعد التحية طلب منها بأنه يريد التحدث إليها بأمر مهم جداً ، وأن لا يسمعه أحد من التدريسين فحبذا لو تكرمتي عليّ بسماعه في الحديقة أو في الكافتريا .
مروة : أكيد سأسمعك في المكان الذي يروق لك فأنت أحد طلبتي المتميزين ، وبعدها توجها الى حيث الكافتريا بعد أن أبلغت د.مروة زميلتها د.فاطمة بأنها ستتوجه الى الكافتريا مع تلميذها عبد الحافظ إن سأل عنها أحد ، وبعد أن وصلا طلبت له عصير الليمون اللذيذ وقالت بإبتسامة : كلي أذان صاغية تكلم .
عبد الحافظ مبتسماً ممتنا ً شاكراً : طبعاً أنت تعرفيني وتعرفين أخلاقي ومستواي العلمي وقد حصلت على بعثة الى بريطانيا وسأسافر قريباً ، وحالما سمعته رمقته بنظرة إستغراب ودهشة في نيته وطلبه وقالت في نفسها معقولة يقدم على ذلك ؟!
مروة قاطعته بجدية مبتسمة : عبد الحافظ ! أدخل في الموضوع بدون تمهيد تكلم مباشرة ، نعم سمعت بأمر البعثة الى بريطانيا وتمنيت لك كل الخير فأنت تستحق ذلك بجدارة .
كان منذر كتلة من المشاعر وهو في طريقه إليها ، وقد قضى ليلته في الاعداد للاحاديث الرومانسية وأحاديث العتب الشفاف التي سيبدأ بها مع مروة حالما ان يراها وهو يعرف جدولها الإسبوعي ولحظة انتهاء محاضرتها الأخيرة وقد تأنق غاية الأناقة ، والمنولوج الداخلي عنده لا يتوقف يتحدث مع نفسه على طول الطريق الى ان وصل الى باب غرفتها طرق الباب وحرك مقبضه ثم فاتحاً اياه باحثاً بعيون لاهثتين في مكتبها مباشرة فلم يجدها ، وحالما رأته د.فاطمة رحبت به مبتسمة وقالت : له د.مروة في الكافتريا .
منذر مبتسماً وبعد التحية : هي الآن في الكافتريا ، حسناً أشكرك دكتورة ، فأسرع الى حيث هدفه ومقصده والشوق يأسره ، وحالما وصل رأى ما لا يرضيه غارت بسمته وهو يقف قربها عند الطاولة وهو يراها تبتسم بفرح وسرور لم يتوقعه عكس وصف سُبـــُل لها في حوارها مع عبد الحافظ ، وحالما رأته مروة أرتبكت وقالت : منذر ! لم تعلمني بمجيئك .
منذر بألم شديد : نعم كان لابد عليّ أن أستأذن قبل مجيئي للحديث معك .
نهضت مروة وشدت على يده بتوتر : أرجوك تفضل بالجلوس .
مروة : أرجوك أجلس فعبد الحافظ ليس غريباً .
منذر : واضح دكتورة واضح اسمحي لي وغادر بسرعة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *