الرئيسية » نقد » ادب » مؤيد داود البصام : صناعة الحياة في كتاب الحياة..

مؤيد داود البصام : صناعة الحياة في كتاب الحياة..

صناعة الحياة في كتاب الحياة..
مؤيد داود البصام

كتاب الحياة أسم المجموعة القصصية الصادرة عن الاتحاد العام للأدباء في العراق، وهي المجموعة الخامسة للكاتب والقاص عبد الأمير المجر التي صدرت له خلال عقدين منذ عام 1999، واتسمت مجاميعه السابقة لهذه المجموعة في كتابتها ضمن النقد الواقعي الاجتماعي، التي عالج فيها واقع وحياة الانسان ضمن واقع وحياة تتسم بالقساوة والحرمان وروح التمرد الذي لم يؤدي إلى شيء سوى خلقه مزيدا من الالام والماسي لأنسان هذا المجتمع الذي تسيطر عليه القوى ذات المصالح الخاصة. وفي مجموعته الأخيرة (كتاب الحياة) التي أختار لها عنوان إحدى قصصه، يوضح لنا ان هذه القصص تختلف عن سابقاتها من اعماله السابقة، لتمثل المرحلة الأخيرة من كتاباته التي أنخرط فيها لتحليل الأوضاع السياسية والاحداث الجارية محليا وإقليميا وعالميا، مكرسا جل وقته الثقافي في النطح لهذه المهمة الشاقة مع تقلبات العالم السياسية التي تتسم بالضبابية في اتفاقيات الكبار وكيفية اضطهادهم للشعوب والعالم الاخر.
جاءت مجموعته القصصية ( كتاب الحياة ) الصادرة عن الاتحاد العام للأدباء في العراق ب 120 ص من القطع المتوسط، وعنوان المجموعة يوحي بانه كتاب في دراسة الواقع والحياة، أكثر منه عنوانا لمجموعة قصصية ، وهذا ما أراده المؤلف، لأنها مجموعة تتسم بالتشفير والترميز لنقد الواقع السياسي، أكثر منها نقدا للواقع الاجتماعي والاقتصادي، فجاءت القصص الثمانية لتتكلم عن الأوضاع السياسية التي يعيشها الانسان في ظل القمع والظلم والاضطهاد، وفي هذه المجموعة يستخدم الرمز والتشفير للتعبير عن هذا الظلم الذي لحق بالعباد، واذا نظرنا في مجموع القصص الثمانية، نجد ان لا بطل لها ، نعم هو يشير إلى بطل للقصة، ولكنه بطل من مجموع الابطال في الواقع الذي يعيشه انسان عالمنا المتخلف، والواقع تحت قبضة الظلاميين، في قصة ( العراة) حينما يجد الراوي نفسه عاريا وكل شيء قد سرق، فهو في الحقيقة لم ينفرد بالفعل لوحده وانما اشترك جميع من في الفندق، انما المدينة بأكملها مسروقة، فلم يعد هو البطل الذي يقع عليه الظلم ( اصبحنا متساوين في المحنة) ص10 ويختم القصة بمشاركة الجميع (آثرت ان اكتبه بصفتي شاهدا على تلك الواقعة الغريبة ) ص14، وكذلك نجده في قصة ( دعوة لحفل المجانين ) يقول الراوي ( فاختلطت دموع الحاضرين وهم يحضنون بعضهم البعض، ويجهشون بالبكاء في مشهد يصعب أن يغادر الذاكرة ) ص23، وهكذا نجد أن القصص الثمانية تتوحد في حديثها عن المجموع وليس البطل الفرد، محاولا أن يجعل من الراوي شاهدا وليس بطلا، والمجتمع هو البطل والراوي جزء من هذا المجتمع الذي يخوض صراعه ضد الظلم والقهر، متخليا عن الروح الفردية التي تتسم بها القصة القصيرة عموما، كحادثة ذات ومضة من حياة البطل في مكان وزمان معين، إلى حالة مجتمع واشتراك الجميع في الحدث، حدث جماعي وليس فردي ذاتي.
وعلى الرغم من هذا التحول الذي قاده في رسم قصصه، الا انه ظل قابضا على قدرته في كتابة قصة قصيرة بشروطها في التجنيس، وحتى في لحظة خروجه زمنيا او مكانيا عند الاستذكار وإعادة تصور الماضي والمراجعة والتضمين، يعود للحظة التي هو يتحدث عنها، ليبقى الخيط الرابط مشدودا لزمن اللحظة والدهشة. انها قصص ذات منحى تعبيري رمزي، تتحرك بالدهشة السريالية للأحداث التي تحدثها في عقل المتلقي، وتوقف المتلقي للتأمل بما حدث ويحدث في حياته عبر هذه الرمزية دون المباشرة في طرح الأفكار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *